إذا كانت المؤسسة قائمة على رؤية تجعل مرجعية"النص المقدس"هي فهمه حسب المعاني التي ضبطت زمن نزوله وما تلا ذلك بقرن أو قرنين بما يوسع من دائرة القدسية لتضم إلى جانب"النص المؤسس"الثقافة المرجعية الحافة به وبالنصوص الثانية التي وقع إنتاجها بالاعتماد عليه، فلا غرابة أن يكون همّها الأكبر هو حفظ ذلك النص، بمعنى"أحادية الفهم"وأن ينظر باستخفاف إلى مستجدات المعرفة ومعضلات الواقع؛ وعندها يكون الهاجس الأساسي في المجتمع بمؤسساته المختلفة هو"وحدة الجماعة"واعتبار التعدد فُرقة لا تؤدي إلا إلى إيقاظ"الفتنة النائمة"فإنه يعسر على النخب داخل الجامعة أن تستنبط أفكارا جديدة تمكنها من معالجة مختلفة للعلوم الإسلامية مما يتيح لها تحكما في الواقع المعرفي والاجتماعي.
هل نستغرب بعد ذلك إن عثرنا في قانون إحدى المؤسسات الجامعية الإسلامية للمغرب العربي ما يعد أحد الضوابط الأساسية المحددة للتحصيل العلمي مصاغا صياغة"مدرسية"لا تتيح أي نقد أو تجاوز؟.
يقول الفصل الخامس عشر من قانون 28 ذي القعدة 1292هـ [26/12/1875] المتعلق بالتعليم بجامع الزيتونة بتونس:"ليس لأحد أن يبحث في الأصول التي تلقتها العلماء جيلا بعد آخر بالقبول أو الرفض، ولا أن يكثر من تغليط المصنفين؛ فإن كثرة التغليط أمارة الاشتباه والتخليط". إذا كان هذا النص قد ألغي فيما بعد من لوائح الزيتونة، جامعة تونس الأولى، وإن لم يوجد له نظير في لوائح جامعة إسلامية أخرى فإن هذا لم يمنع تلك المؤسسات من أن تعتبر أن التقليد ضمان الحفاظ على الذات.
هذا ما عنيناه حين قلنا: إن التغيير الذي شهدته الجامعتان في الفترة الحديثة لم يشمل منهج التعليم وروحه.
صحيح أن تقديم المادة العلمية قد تغير مثلا في الزيتونة منذ ثلاثة عقود فاعتمدت المداخل التاريخية والفلسفية إلى جانب الاهتمام بدراسة المنهجية واللغات الأجنبية، فضلا عن تغييرات عرّفت الطالب منذ عقد من الزمن على وحدات علمية جديدة كالأنثروبولوجيا واللسانيات وعلم الاجتماع الديني. لكن هذه التجربة -على أهميتها- لا تزال بحاجة إلى التدقيق والتقويم.
إننا من ناحية أولى لا نعرف الغاية العلمية من هذا التغيير. لقد ذكرت البرامج الجديدة أن المقصود هو"إضافة عبقرية المُحْدَث إلى فذاذة الموروث"، وجعل الطالب"يحدث أفنان المعرفة الحديثة التي تتيح له فرص الاطلاع على إنتاج الفكر الكوني اطلاعا مباشرا". فهل مجرد الجمع بين علوم قديمة وأخرى حديثة مما يجعل الجامعة الإسلامية تعاصر عصرها؟.
المعاصرة: اعتماد معارف جديدة بقصد إعادة بناء المنظومة المعرفية والثقافية القديمة بشكل يجعلها قادرة على إنتاج متناسب مع مقتضيات العصر.
ما نفهمه من المعاصرة هو أمر يختلف عن مجرد حشد معارف جديدة إلى جانب أخرى تقليدية. في المعاصرة اعتماد معارف جديدة دون شك، لكن بقصد إعادة بناء المنظومة المعرفية والثقافية القديمة بشكل يجعلها قادرة على إنتاج متناسب مع مقتضيات العصر. هي حركة جدل بين الداخل والخارج المعرفيين والثقافيين، غايتها بناء معرفة متسقة تتجاوز النسيج المعرفي السابق من حيث التمكن والراهنية من خلال القدرات الكامنة في الفكر والشخصية الذاتيين. هي حركة لا تنكر الوحي ولا تتجاهله، بل تعتبر أن البناء العلمي الشامخ الذي تركه الأسلاف لم يكن ليبلغ ما بلغه إلا انطلاقا من اعتبار قوله تعالى:"وفوق كل ذي علم عليم"واعتمادا على الحديث الشريف:"الحكمة ضالة المؤمن".
لذلك فلكي تعاصر الجامعات الإسلامية عصرها لا بد أن تدرك من جهة أن:
* العلوم الإسلامية جزء مؤسس للهوية في المجتمعات الإسلامية فلا يمكن التفريط فيها.
* وأنها من جهة ثانية علوم بناها الإنسان على ضوء الوحي لمعالجة أوضاعه التاريخية فهي نتاج عقيدة وحراك وتفاعل.
في مجال التعليم الديني، تكون المعاصرة انطلاقا من التراث بأدوات معرفية حديثة قصد تجاوز نفس ذلك التراث؛ لأنه لا يمكن أن يحتوي التاريخَ والواقع المستجد، إنه تجاوز للتراث عبر فهم جديد له يتيح إنهاء حالة التعطل التي حالت بين الهوية الجماعية وبين مواكبة مقتضيات اللحظة التاريخية؛ غاية المعاصرة الإبداع من"الداخل"عندما يتمثل الفكر مستجدات المعرفة والواقع.
من ناحية ثانية مثل هذه العلوم الحديثة كعلم الأديان المقارن وعلم الاجتماع الديني حين اعتمدت في بعض المؤسسات الجامعية الأوربية كان ذلك من أجل تفهم النص الديني المسيحي بإعادة النظر في صبغته الإلهية والتاريخية. حصل ذلك في سياق ضرورة تقويض رؤية العالم والإنسان التي فرضتها الكنيسة والتي تبين تهافتها في ضوء الاكتشافات والحقائق العلمية.
السؤال الذي ينبغي أن نجيب عنه بوضوح هو: لماذا نؤطر تعليم الدين بعلوم الحداثة في البلاد الإسلامية؟ إن كان القصد هو المعاصرة وإعادة التأويل والتمكن من الاجتهاد -كما أشرنا إلى ذلك منذ قليل- فذلك هو المرجو، وهو على أي حال محتاج إلى دعائم تحققه. أما إن كان ينطلق من اعتقاد بأن النص المقدس قد حال بين عقول المسلمين وبين الانفتاح على العصر بمعارفه ومناهجه فذلك توجه آخر لا معنى له في مؤسسة جامعية إسلامية معاصرة. هذا النوع من المعالجة دراسة للإسلام من"الخارج"؛ هي ما يسميها الفرنسيون إسلامولوبيا (Islamologie) أو دراسات للإسلام بصفته حضارة منجزة وواقعا منصرما. محل هذا الضرب من الدراسات كليات أخرى، أما في مؤسسة جامعية إسلامية عصرية فلا معنى لها؛ لأنها تعتبر ضمنيا أن المدروس حضارة"ميتة"فلا يمكن أن يقدم الإسلام للواقع والفكر: الجديدَ.
أكثر من ذلك، مثل هذه الدراسات مهمة، لكن عيبها الأساسي أنها باسم"الموضوعية"تشترط على أي دارس أكاديمي التجرد من كل أثر للمقدس الديني إن هو أراد أن يقدم أعمالا جامعية حديثة تستحق هذه الصفة. إنه الخلط بين ضرورة التجرد لاكتشاف"تاريخية"فهمٍ ما للنص الإلهي قصد تنسيب ذلك الفهم ووضعه في النسق الفكري والتاريخي المناسب له، وبين الإيمان الديني الذي يتجاوز التقاليد والاعتقادات السائدة ليعبر عن اختيار حر خاص بالفرد وبالمجموعة التي ينتمي إليها.
مشكلة الدراسات"على الإسلام المنجز"أنها تتبنى موقفا قبليا من الإسلام، وتعتبر أن ذلك من مقتضيات الموضوعية، إنها تطلب أن ينفض الباحث يديه ابتداء من إمكانية أن يضيف"الإسلام/الحضارة"جديدا للفكر والإنسانية المعاصرين، وأن يعرض نفس الباحث عن الإيمان الديني إن هو أراد لأعماله أن تبلغ أفق الحداثة العلمية.
يقع هذا رغم أننا لم نسمع أحدا قد نعى على مفكر غربي كبير مثل"بول ريكور" (Paul Ricoeur) إيمانه الديني وهو المرجع الحي للفلسفة التأويلية المهتمة بالرمز والأسطورة واللغة في العالم الغربي. إنه لم يقحم اختياراته الإيمانية ليكسب أفكاره مصداقية لا صلة لها بالمعرفة الفلسفية أو بالمنهج الأكاديمي بما أن انتسابه إلى المسيحية لم يحل بينه وبين الإبداع والإضافة، بل لعل العكس هو الصحيح.
لا يعني هذا المثال أن كل باحث جامعي مؤمن قادر على أن يكون مثل ريكور أو أن يحقق الحد الأدنى الضروري من الموضوعية الذي تتطلبه كل دراسة علمية حديثة. لكن صعوبة تحقق هذا الشرط لا ينبغي أن تدفع بنا إلى قصور في الوعي وتعسف في فهم شروط تحديث المؤسسة الجامعية.