فهرس الكتاب

الصفحة 955 من 3028

مع عودة فاس عاصمة للدولة العلوية في القرن الثاني عشر الهجري/الثامن عشر الميلادي توفر بعض من الاستقرار السياسي بعد أنواع من الصراع المرير الذي شهده المغرب، كان أحيانا مع بعض الطرق الصوفية وأحيانا مع الأتراك في المغرب الأوسط، وأحيانا أخرى مع الأسبان والبرتغاليين في جهات من السواحل الشمالية. بهذا الاستقرار أمكن لمؤسسة القرويين أن تستعيد بعض نشاطها وتألقها العلميين.

مع منتصف القرن التاسع عشر حرصت الإدارة السياسية العلوية على إجراء بعض الإصلاحات المتعلقة بالمناهج الدراسية والتنظيم الإداري، لكن التعليم ظل مركِّزا في محاوره على التكوين الفقهي والدراسات العقدية، واستمر الجانب الإداري الواقع تحت إشراف القاضي يعاني من اضطراب واضح في سير الدروس وطرق الامتحان.

في القرن العشرين اتخذت جملة من الإصلاحات الإدارية والهيكلية قصد ترقية الدراسات [1] . ثم تحول التعليم في القرويين سنة 1963 إثر الاستقلال السياسي إلى مؤسسة دولة ذات شخصية مدنية تشرف عليها وزارة التربية العمومية. ضمن هذا السياق الجديد حُدد للتعليم بالقرويين غايتان رئيسيتان:

1-السهر على تحقيق تكوين متخصص في الدراسات الشرعية واللغوية.

2-تطوير مجال البحث العلمي في مجال الفقه الإسلامي.

تواصلت بعد ذلك في الثمانينيات بعض الإجراءات الإصلاحية الجزئية مثل إصلاح نظام الامتحانات سنة 1983.

لكن أهم ما ميز هذه المرحلة هو ظهور أقسام للدراسات الإسلامية في كليات الآداب المختلفة مثل الدار البيضاء والرباط؛ مما أثار نقاشا حول مناهجها وخصوصياتها وغاياتها. لقد رأى البعض أن هذه الأقسام ليست سوى امتداد لمؤسسة القرويين داخل الجامعات المغربية ذات التوجه الحداثي. إنها- في تقدير هؤلاء- تعبير عن خط مقاوم لذاك التوجه الحديث يريد أن يتوسع ليتجاوز نفوذه مجال النخب المحافظة التي يتم تخريجها من مؤسسة القرويين. هذا في حين يرى البعض الآخر أن أقسام الدراسات الإسلامية تُمكن -بما تعتني به من علوم إنسانية إلى جانب التكوين الشرعي واللغوي- من رؤية جديدة تتجاوز ما تميز به التعليم في القرويين من توجه محافظ على التراث ونظمه الفكرية والتربوية.

مهما يكن من أمر فإن الدراسات في القرويين تواصلت على نفس النسق معتبرة أن غايتها هي الحرص على التكوين الشرعي التقليدي المركز في كلية الشريعة على الدراسات الفقهية والأصولية مع اعتناء خاص بالدراسات القرآنية والحديثية واهتمام محدود جدا باللغات الأجنبية. لا يختلف الأمر كثيرا في كلية أصول الدين فلا نكاد نجد اهتماما يذكر بالدراسات الدينية المقارنة أو بتاريخ الأديان.

لقد نجحت مؤسسة القرويين في القرن العشرين في أن تحافظ على التخصص الشرعي بفضل المناهج القائمة على الحفظ واعتماد المتون والشروح واستبعاد كل تمش مقارن أو نقدي. لقد أتاحت هذه الخصوصية المغربية أن تحصن موقعها العملي الخاص، بل أن تكون بصورة غير مباشرة سندا معنويا واجتماعيا للدعوات الدينية ذات الطابع الحركي والتي تعاظمت أهميتها منذ الثورة في إيران أواخر السبعينيات.

بالمقابل فإن الحرص على هذه الروح التقليدية في التكوين الجامعي أسفر عن تراجع ملحوظ في الإشعاع الفكري والاجتماعي للقرويين ضمن النخب الفاعلة والحاكمة في مرحلة شهدت تحولا حضاريا بالغ الأهمية.

هل يستعيد الشيخ ظله؟

صحن جامع الزيتونة.. والمئذنة الحسينية

إذا قصرنا النظر على الزيتونة والقرويين في مسيرتيهما التاريخية أمكننا أن نلاحظ أننا أمام مؤسستين عريقتين ظلتا تنشران العلوم الدينية وتبثان اللغة والآداب العربية بمناهج وطرق لم تتطور إلا قليلا. ثم إن هذا التطور انحسر في تنظيم الدراسة أكثر من مادتها وروحها. ينقل لنا أحد المدرسين بالجامعة الفاسية [2] صورة موجزة ومركزة عن التعليم ونظامه بالقرويين في القرن الماضي. يذكر أن عدد الطلبة كان يبلغ السبع مائة بين أجانب ومغاربة، وأن عدد المدرسين أربعون، أما العلوم المقررة فهي النحو والفقه والحديث والبلاغة والتفسير والعقيدة.

فيما يتصل بنظام الدروس يذكر المخطوط أن الكتب المعتمدة هي مختصر سيدي خليل وشرح الدردير في الفقه، وفي أصوله: جمع الجوامع لأبي علي السبكي، وألفية ابن مالك والمكودي في النحو، والشمسية أو السلم في المنطق، ثم تفسير الخازن والزمخشري في علم التفسير. ثم يتناول بالعرض نظام الامتحانات الذي يعتني بالاستظهار والحفظ ومدة الدراسة التي ليست لها فترة محددة إذ تتراوح بين أربع وخمس سنوات وقد تزيد أكثر من ذلك.

لم يكن الوضع بالزيتونة في نفس الفترة مختلفا عما كان عليه في القرويين. سجل ذلك في العقد السابع من القرن التاسع عشر أحد منتقدي التعليم الزيتوني المكلفين من قبل الوزير الأكبر خير الدين في صورة دقيقة، عرض فيها سير التعليم ومواد الدراسة فيه. أبرز ما احتوى عليه تقرير المنتقد تمثل في اهتمام شديد بعلمي الفقه والنحو مقابل إهمال كامل أو شبه كامل لمواد أخرى مقررة مثل تفسير القرآن والتصوف والتاريخ. تضاف إلى هذا ملاحظات تتصل بطريقة التعليم التي تتميز بأسلوبها الـ"مدرسي" (السكولاستيكي) القائم بالأساس على تلقين نصوص مع شروحها. هذا إلى جانب سوء إدارة للدروس وكثرة غياب المدرسين مع تباين أعمار طلبة المستوى الواحد وكثرة الضجيج وارتفاع الأصوات.

ما طرأ على المؤسستين من التغيير -فيما يزيد عن قرن من الزمن-مهم، لكنه لم يصبح جوهريّا. تغيرت المباني ونظم الامتحان كما أدخلت تعديلات عديدة على النظام التعليمي ليحذو حذو الجامعات الحديثة القائمة على تقسيم المادة المعرفية إلى مسافات محددة تربطها برامج أشرفت على وضعها هيئة علمية مختصة. ظلت بعض المتون معتمدة في القرويين كما ظل الاستظهار أساسيا في المؤسسة الفاسية، التي حرصت على أن تكون بحق -كما سماها بعض المؤرخين-"أثينا إفريقيا".

لكن الأمر تجاوز ذلك في الزيتونة منذ تسعينيات القرن العشرين حيث عملت بعض النخب الحداثية على أن تجعل منها"سربون الغرب الإسلامي"أي مؤسسة جامعية ذات عراقة في التحصيل العلمي الإسلامي، لكنها تعمل على تمكين"المتعلم مما يؤهله للتفاعل المعمق مع الثقافات والحضارات وإثراء الفكر الإسلامي والإنساني".

ما تزال هذه التجربة الطريفة حديثة عهد في المؤسسة الإفريقية مما يجعل من العسير على الدارس أن يقوّم نوعية التغييرات المستفادة من هذه الإصلاحات.

طرح سؤال المعاصرة مرتبط بمنهج التفكير وفلسفة المعرفة، وبما يقع إنجازه ضمن بنية المجتمع بمؤسساته المختلفة وفي النسيج الثقافي.

لذلك فإن ما ينبغي أن تقتصر عليه ملاحظاتنا المتعلقة بنوعية التحولات التي شهدتها مسيرة المؤسستين العريقتين هو أن المؤسسات الكبرى ذات خصوصية مركبة؛ إذ هي تشكل بوتقة تفاعل ثقافي-اجتماعي هي من ناحية: مجال تقدم فيه المعرفة ويصاغ فيه الوعي، وهي من جهة ثانية: طرف في مشهد لا يفهم على حقيقته إلا بالنظر إليه في علاقاته مع من حوله في فعله وانفعاله.

لذلك فإن طرح سؤال المعاصرة على مؤسسة جامعية إسلامية كالزيتونة أو القرويين لا ينفك مرتبطا من جانب بمنهج التفكير وفلسفة المعرفة التي تعتمدها المؤسسة، ومن جانب آخر بما يقع إنجازه في نفس الاتجاه ضمن بنية المجتمع بمؤسساته المختلفة وفي النسيج الثقافي السائد الذي يصوغ تصورات النخب والجمهور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت