فهرس الكتاب

الصفحة 954 من 3028

في السياق الجديد تبدو النزعة الحمائية المدافعة عن الهوية وعن الخصوصيات أكثر بروزا وحركة، يظهر ذلك في النخب الجديدة الجامعية التي تختلف في وجهتها وفي أدوات تعبيرها عما كان عليه جيل الأربعينيات والخمسينيات من القرن العشرين.

هذا ما يجعل من العسير اليوم العود إلى صيغ الصراع بين"القديم والحديث"في الفكر والأدب والسياسة وغيرها، وما تلا كل ذلك من غلبة التيار الثاني. لن يكون من السهل أيضا في المرحلة الحالية الاستغناء عن الخصوصيات الثقافية والدينية أو عدم الاكتراث بها فيما يستلزم من اختيارات كبرى كما كان الشأن في أكثر من عاصمة عربية وإسلامية في النصف الثاني من القرن الماضي.

ما تتجه إليه السياسات الدولية والإقليمية يؤكد من جهة ثالثة أن إعادة توزيع الثروة العالمية المادية والمعنوية سيبلغ حدا من التفاوت شديدا، يجعل من استخدام وسائل الإكراه والقسر أمرا لا مفر منه. لكنه لن يكون من الميسور أيضا في سياق العولمة -أيا كانت صياغتها- تجاهل النمط المتحرر الذي يراد تعميمه وحشر النخب الصاعدة. غاية هذه الجهود هي فصل تلك النخب عن الكتلة الرئيسية للسكان ودمجها مباشرة في دائرة الثقافة والاستهلاك الخاصين بها. ما يفضي إليه هذا الاختيار هو صنف من المواجهة"الباردة"بين ثقافة عالمية لنخب جديدة وبين ثقافات محلية مخفضة وغير قادرة على أية منافسة. مثل هذا التواجه لا يمكن أن يدفع بالنخب -ومن ورائها المؤسسات حسب ما يبدو الآن- إلا إلى أحد أمرين: إما العنف المدافع عن الخصوصيات ومعه مزيد من تراجع تأهيل الثقافات المنافسة للعولمة، أو التنصل من كل التراث الثقافي الخاص قصد الانضواء ضمن ثقافة العولمة.

مؤسستان في المسيرة

تعتبر الزيتونة بمدينة تونس أهم مؤسسة جامعية في الغرب الإسلامي من حيث زمن الإنشاء وطول البقاء. بدأ التعليم فيها منذ العقد الثاني من القرن الثاني للهجرة (الثامن للميلاد) ، ثم عرف تألقا مع الحكم الحفصي ودولته الرابعة التي حكمت البلاد التونسية بعد الفتح الإسلامي [626-981هـ / 1228-1574م] .

يرجع الإشعاع العلمي للزيتونة في العصر الوسيط إلى عوامل عدة، كان من أولها تبني المؤسسة مذهب أهل السنة وتركيزه، مستبعدة بذلك المذاهب العقدية والفقهية الأخرى التي كان لها حضور وتأثير في الساحة السياسية والاجتماعية. يضاف إلى ذلك توافد عدد من علماء الأندلس للإقامة بالعاصمة والتدريس في مؤسستها.

بسقوط الحفصيين في القرن التاسع الهجري/الخامس عشر الميلادي، وبتناقص الاستقرار السياسي ومرور البلاد بفترة طويلة من الاضطرابات عرفت الزيتونة انتكاسا علميا واجتماعيا لم يتوقف إلا عندما استقر الحسينيون في الحكم مطلع القرن الثاني عشر الهجري/الثامن عشر الميلادي.

بعد ذلك عرفت الزيتونة قرنا عصيبا (840 إلى 1958) انتهى بإغلاقها وتعويضها بتعليم جامعي عصري سنة 1960 احتفظت فيه الجامعة القديمة بموقع بسيط مثلته كلية للشريعة وأصول الدين محدودة الآفاق وقليلة المنخرطين. ثم في سنة 1987 أعيد للزيتونة الاعتبار فأصبحت جامعة مستقلة بذاتها لها ثلاث كليات: كلية لأصول الدين وكلية للحضارة وثالثة للشريعة.

كانت آثار القرن العصيب وما تلاه من عقود التوقف الثلاثة فادحة الخطورة. بدأت مصاعب الزيتونة بظهور منافسة معلنة لها وبدعم من الدولة متمثلة في تكوين معاهد تعليمية جديدة أسست على النمط الأوربي كالمدرسة الحربية بباردو والمدرسة الصادقية والمدرسة العلوية وغيرها. ثم انتهت هذه الإجراءات بما سمي توحيد التعليم الوطني الذي ألغى تعدد المؤسسات التعليمية التونسية فتم الاستغناء عن كل فروع التعليم الزيتوني في البلاد كما ألغت كل شعبه الشرعية والأدبية والعصرية.

كان هذا بعد أن أفقدت الدولة الزيتونة استقلالها المالي منهية بذلك صفتها الأهلية التي كانت تربطها بالأوقاف الإسلامية العامة مما ألحق الهيئة التعليمية والإدارية بموظفي الدولة.

في خط مواز لهذه القرارات السياسية والإدارية توالت مشاريع الإصلاح الهيكلي والتعليمي منذ سنة 1875 وتواصلت حتى منتصف القرن العشرين، أحيانا بضغوط داخلية طلابية وأحيانا بمشاركة الأساتذة، وفي حالات كثيرة أخرى لاعتبارات سياسية أو وطنية. ومن ثَمَّ تنوعت المشاريع الإصلاحية للمؤسسة من مطالبة بإضافة مواد علمية جديدة (إدخال مادة الحساب والهندسة واللغة الفرنسية مثلا) على ضرورة تطوير أو تغيير مناهج التعليم ونظمه واعتماد مراجع حديثة تتيح المجال للخريجين من أن يتمكنوا من آفاق أوسع كالعمل في دواوين الدولة أو المؤسسات العصرية الأخرى.

واجهت هذه الرغبةَ الأكيدة في الإصلاح عدةُ جهات مما أوقف المد الإصلاحي فظهرت سلسلة من الإضرابات عن التعليم كانت تطول أحيانا، مثلما حصل في سنوات 1910 و 1933 و 1948 و 1952. مثل هذه الحركية حولت الزيتونة تدريجيا إلى بوتقة تفاعلت فيها تيارات فكرية وسياسية واجتماعية مختلفة، انتهت في الغالب إلى اعتبار أن تحقيق المطالب المتعلقة بنظام التعليم ومناهجه وآفاقه مرهون بتغيير النظام السياسي والاجتماعي في البلاد كلها.

ما تحقق بعد ذلك كان له وجهان: وجه سياسي عام ووجه تعليمي محض.

من جهة أولى تبين لقادة الحركة الوطنية أن الزيتونة اكتسبت من القوة والفاعلية ما يمكن أن يمنحها شرعية تتجاوز بكثير الحدود التي يرضونها للمؤسسة عندما يرسون بناء الدولة الحديثة بعد الحصول على الاستقلال السياسي، لذلك جاء قرار توحيد التعليم الذي قضى على كل مشاريع التوسع الزيتوني.

من جهة ثانية أقر أهل المؤسسة الزيتونية -عندما أصبحت مؤسستهم تابعة للجامعة التونسية- برامج حرصت على التخصص الشرعي مع تثقيف عام واهتمام نسبي باللغات الأجنبية. عبر هذه الرؤية الإصلاحية تم إقرار تعليم عال متخصص في الدراسات الشرعية والعقدية تستبعد المناهج التقليدية المعتنية بالنصوص والمتون والتركيز على شروحها. بذلك ظلت الزيتونة قريبة لما كان قد شرع فيه رواد الإصلاح سنة 1896 عندما بعثت جمعية الخلدونية الملحقة بالزيتونة لتدريس بعض العلوم الجديدة كالجغرافيا والعلوم الطبيعية والفيزياء باللغة العربية.

مثل هذا التمشي التوليفي هو الذي سيميز التوجهات الإصلاحية في سبعينيات القرن العشرين، والذي تأكد في التسعينيات بعد ذلك انطلاقا من برامج 1989 وخاصة عند إقرار البرامج الجديدة سنة 1995.

إذا انتقلنا إلى المغرب الأقصى وجدنا المؤسسة التعليمية الثانية -وهي جامعة القرويين بمدينة فاس- تتفق مع الزيتونة في جوانب من تاريخها وخصوصياتها وتختلف معها في جوانب أخرى من مسيرتها وآفاقها.

ظهر التعليم بالقرويين مع دولة المرابطين (القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي) ثانية الدول التي حكمت المغرب الأقصى بعد الفتح، وكان ذا طابع دعوي خطابي يؤمه عدد من الطلبة من كامل البلاد كما يفدون من الأندلس والمغرب الأوسط والأدنى وجنوب الصحراء. ثم بلغ التعليم أوجَه مع الدولة المرينية [651-869/1258-1465] . بعد ذلك تراجعت أهمية القرويين مع دولة السعديين في القرن العاشر الهجري/السادس عشر الميلادي، والتي نقلت عاصمتها من فاس مقر القرويين كما ازداد الوضع سوءا بانهيار الأندلس مما كان له أثر كبير في اكتفاء المناهج التعليمية على الطرق التقليدية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت