الغربية المتقدمة اقتصاديًّا ، وإلى جانب هذا: فإن أنصار نظرية الانتشار يميلون
إلى تفسير انتشار المواد والإنتاج الاتصالي الغربي في ضوء طبيعة المنتجات
الغربية (المعلومات ، الأخبار ، البرامج ، الأفلام ، الإعلانات ، المسلسلات .. ) من
حيث الجاذبية والتقنية العالية وانخفاض السعر .. إلخ [16] .
ويؤكد أنصار نظرية الانتشار على خطأ إهمال أنصار نظرية التبعية للعوامل
التي تؤثر في حركة انسياب المواد الاتصالية بين الدول المتقدمة والدول النامية ،
كما أنهم يخطئون عندما يتجاهلون علاقة التأثير والتأثر المتبادلة في هذا المجال
وذلك نتيجة لتركيزهم على آحادية اتجاه حركة المواد الاتصالية .
وهم يخطئون ثالثا عندما يتجاهلون الآثار الإيجابية للمواد الاتصالية الغربية
داخل الدول النامية .
جوانب الاختلاف بين الاتجاهين:
ويمكن إبراز أهم جوانب الاختلاف بين أنصار نظرية التبعية ، وأنصار
نظرية الانتشار والتحديث في ظاهرة عدم التوازن في مجال الاتصال والإعلام
والغزو الثقافي فيما يلي:
أولًا: منطلقات الدراسة: فأنصار الانتشار ينطلقون من عملية التنمية الوطنية
لنظم الاتصال ، ومن الدور الذي تلعبه القيم والمعايير الاجتماعية في تنمية هذه
النظم ، أما أنصار نظرية التبعية فينطلقون في تحليل ظاهرة الهيمنة الاتصالية من
تحليل علاقات القوى الدولية وتصنيف الدول إلى تابعة أو هامشية ، ودول مركز .
ثانيًا: النظر إلى حالة التبعية: أنصار نظرية الانتشار ينظرون إليها على
أنها حالة مؤقتة ، يمكن زوالها من خلال استيعاب التقنيات والعلوم الغربية
وتطويرها وتوظيفها في خدمة التنمية الوطنية الشاملة ، ومن خلال تنمية القدرة على
استنبات آليات وتقنيات وطنية ، أما أنصار نظرية التبعية فينظرون إلى الهيمنة
الاتصالية على أنها حالة دائمة ترتبط بسيادة الرأسمالية والنظم العالمية الحالية
(الليبرالية) .
ثالثًا: النظرة إلى الدور الذي يلعبه النظام الاتصالي: فأنصار نظرية التبعية
يرون أن هذا النظام يكرس قوة القوي ، وضعف الضعيف وإبقاء (عدم التوازن)
على ما هو عليه ، أما أنصار نظرية الانتشار فينظرون إلى النظم الاتصالية على
أنها وسائل تخدم عملية التنمية الوطنية وتنمي حوافز الإنجاز والإنتاج وتسهم في
التنمية البشرية بشكل عام ، فالتعرض للمواد الاتصالية التي أفرزتها الدول المتقدمة
صناعيًّا تستثير الدافعية للإنجاز عند أبناء الدول النامية ، وتزيد طموحاتهم ،
وتطلعهم على أنماط ثقافية جديدة ومعلومات جديدة تفيدهم في النمو .
رابعًا: يسعى أنصار نظرية الانتشار إلى الحفاظ على الوضع العالمي على ما
هو عليه ، مع إجراء بعض التعديلات الوظيفية أو غير الجوهرية عليه ، أما أنصار
نظرية التبعية فيذهبون إلى ضرورة تغيير النظام العالمي القائم على الرأسمالية
وانعدام التوازن والهيمنة الغربية الشاملة على مقدرات العالم ، وهذا يعني إحداث
تغييرات بنائية في النظم الداخلية والدولية على كل المستويات .
خامسًا: يرى أنصار نظرية الانتشار أن التغيير يبدأ من الداخل وبجهود
وطنية ، وتتسع لتصبح جهودًا إقليمية ، وتركز هذه الجهود على التنمية وإزالة
الحاجة إلى دول الغرب ، وهم يرون أن مطالبة العالم الغربي بالتخلي عن مصالحه
وإلغاء النظم الرأسمالية ، مطلب مستحيل وغير قابل للتحقق ، وهذا ما توصلت إليه
لجنة ماكبرايد (رئيس اللجنة الدولية لدراسة مشكلات الاتصال في العالم) [4] .
هذه هي أهم التوجهات النظرية بشأن تفسير ظاهرة السيطرة أو الهيمنة
الثقافية والإعلامية .
تقويم الاتجاهين إسلاميًّا:
وعند محاولة تقويم هذين الاتجاهين فإن النظرة الإسلامية الموضوعية
والمتوازنة ترفض الأساس أو المنطلقات الراديكالية التي تقف وراء نظرية التبعية ،
كما ترفض المنطلقات الليبرالية والمصالح الغربية التي تقف وراء نظرية الانتشار
والتحديث الحضاري ، فهناك النموذج والمشروع الحضاري الإسلامي بمنطلقاته
وأسسه وثوابته المستمدة من المنهج الإلهي المبني على وحي السماء ، غير أن هذا
الرفض لا يعني الاتفاق مع هاتين النظريتين في بعض الأمور ، وفيما يلي بعض
الملحوظات العامة بصدد الظاهرة المدروسة:
أولًا: يكشف الواقع عن ظاهرة التسلط الثقافي الغربي على أجهزة التلفاز
الوطنية والقنوات الفضائية التابعة للدول النامية والمتقدمة صناعيًّا في الوقت نفسه .
ثانيًا: أن هذه السيطرة أمر مهدد للهوية الثقافية للدول النامية ، ومن بينها
الدول الإسلامية والعربية .
ثالثًا: هناك العديد من المخاطر التي تهدد الدول المستقبلة للبرامج الغربية
للاتصالات ، منها مخاطر اقتصادية وسياسية ودينية وثقافية ، ومخاطر تتهدد برامج
التنمية داخلها ، ولعل أكبر هذه المخاطر هي المخاطر الدينية والثقافية والتربوية
لأنها تؤدي إلى محاولة تغريب العقل العربي وعقول الناس في الدول الإسلامية ،
الأمر الذي يفصلهم عن مصدر قوتهم وسموهم ورفعتهم وهو الإسلام وأسس
الشخصية الإسلامية .
رابعًا: توظف الدول الغربية المتقدمة صناعيًّا هذه البرامج بشكل مدروس
لضرب الفكر الإسلامي والشخصية الإسلامية ، حفاظًا على الاحتكارات والمصالح
الغربية .
خامسًا: لا شك أن العوامل الداخلية التي تحدث عنها أنصار نظرية الانتشار
لها أهميتها الكبرى في تفسير هذه الظاهرة ، ولا شك أيضًا أن البث المباشر له
بعض إيجابياته المتصلة بالتفاهم بين الشعوب والاحتكاك الثقافي ونشر المعلومات
ونشر العلوم والتقنية .. لكن سلبيات هذه الظاهرة (سيطرة الغرب على الاتصالات)
تفوق بكثير هذه الإيجابيات ، ومن هنا يثار التساؤل حول مدى إمكان الإبقاء على
الإيجابيات والتخطيط لتجنب السلبيات الخطيرة التي تحدثها هذه الظاهرة ، أو بقول
آخر: ما الحل أو الحلول المدروسة المخططة التي يجب أن تتبناها الدول الإسلامية
والعربية للقضاء على سلبيات هذه الظاهرة ؟ هذا ما يحتاج لدراسات أخرى قادمة
إن شاء الله تعالى .
(1) كرم شلبي: البث المباشر بالأقمار الصناعية ، مجلة الدراسات الدبلوماسية العدد (5) ص135 ، 136 ، 137 .
(2) عبد القادر ياسين: أجهزة الإعلام والغزو الثقافي ، جريدة الرأي الأردنية العدد 6717 .
(3) تقرير وتوصيات ندوة الإعلام العربي والبث المباشر ، المجلة العربية للثقافة 1990م ، ص180 ، 182 .
(4) ماكبرايد وآخرون: أصوات متعددة وعالم واحد ، ص303 .
(5) زين العابدين الركابي: حديث منشور بمجلة (الحرس الوطني) ديسمبر 1991م .
(6) عواطف عبد الرحمن: قضايا التبعية الإعلامية والثقافية في العالم الثالث .
(7) مجدي الواعد: تحقيق عن إيدز العصر ، البث المباشر: مجلة (منار الإسلام) إبريل 1994م ، ص66 .
(8) عبد الصبور مرزوق: بحث حول التحديات الفكرية ، مجلة منار الإسلام ، إبريل 1990م ، ص6.
(9) وبستر: أضواء على عصر الأقمار الصناعية ، ترجمة فؤاد صندوق ، مجلة الإذاعات العربية ، العدد (5) ص39 ، 42 ، 49 .
(10) محمد عبده يماني: التلفزيون العالمي هل يؤدي إلى نمو الجريمة في العالم الإسلامي ، مجلة الأمن والحياة العدد (104) .
(11) عبد الرحمن عسيري: البث المباشر ، التحدي الجديد ، ص12 .
(12) شعبان أبو اليزيد شمسي: ضرورة الإعلام التربوي في ظل المتغيرات الاتصالية الحديثة ، ص47 ، 15 ، 16 .
(13) أندرجانز فرانك: تراكمية التبعية .
(14) والرشتاين: النسق العالمي الجديد .
(15) محمد نجيب الصرايرة: الهيمنة الاتصالية ص130- 135 .
(16) التنمية والتحديث الحضاري للكاتب .