تتصادم هذه القيم المحملة في برامج الإعلام والاتصال الوافدة مع القيم والهوية
الثقافية للدول المستوردة أو المستقبلة [9] .
وقد طرح على ساحة أدبيات الاتصال العديد من التفسيرات والنظريات لتفسير
ظاهرة سيطرة الغرب بشكل عام وأمريكا بشكل خاص على المادة التلفزيونية ،
سواء في شكل أخبار أو معلومات أو إعلانات أو مسلسلات أو أفلام أو برامج
متنوعة ..
-اتجاهان لتفسير الظاهرة:
الاتجاه الأول وهو:
الاتجاه الذي يركز على نظرية التبعية Dependency Theory
الاتجاه الثاني وهو:
الاتجاه الذي يركز على نظرية الانتشار Diffusion Theory
أ -الاتجاه الأول لتفسير الظاهرة:
والاتجاه الأول يعود إلى عدة رواد مثل فرانك [13] ، ومن أنصاره المحدثين: ولرشتاين في دراسته عن (النسق العالمي الجديد) [14] .
وتقوم نظرية التبعية بأشكالها المختلفة على تقسيم العالم إلى مراكز وأطراف ،
فالقوى والدول الصناعية الكبرى هي المراكز ، تتخذ من الدول الفقيرة والنامية
(الأطراف) ميدانًا لزيادة ثرائها ، وهذا يعني استغلال المراكز للأطراف اقتصاديًّا
وسياسيًّا واجتماعيًّا ، وتهيمن دول المركز على الأطراف لإلغاء هويتها ، ومن
مظاهر هذه الهيمنة أو السيطرة: الهيمنة الاقتصادية والسياسية والاتصالية أو
الإعلامية ، وهنا تصبح الهيمنة الاتصالية أحد أشكال الهيمنة الشاملة ، وهي أخطر
هذه الأشكال لأنها تمهد السبيل لكل الأشكال الأخرى من الهيمنة ، ولأنها تستهدف
عقول الناس وقيمهم وشخصياتهم ، تمامًا كما تستهدف ثرواتهم وسياساتهم .
فدول المركز تستهدف في نظر أصحاب نظرية التبعية إلغاء الهوية الثقافية
للدول الطرفية ، وتشكيل ثقافة عالمية متجانسة هي الثقافة الاستهلاكية التحررية ،
وتوظيف إمكانات الدول الطرفية في خدمة الرأسمالية العالمية ، وهذا يعني تحويل
هذه الدول إلى سوق يتم فيه تسويق:
1-المنتجات الثقافية الغربية(القيم والعادات ، والسلوكيات ، والتفضيلات ،
وأساليب الفهم والفكر ، والتحليل والتفسير ، ورؤية العالم).
2-المنتجات الاقتصادية الغربية .
3-الانتماء الفكري للغرب بكل نظمه وأيديولوجياته ومبادئه .
وقد أفاض كل من فيجيس و شيلر و نورد نسترونج و فارس و أرجيومندو في
عرض هذا الاتجاه [15] .
وهذا يعني أن الهيمنة الثقافية من خلال وسائل الاتصال تدعم حالة عدم
التوازن وعدم العدالة والانقسام الدولي الراهن إلى دول مركز مسيطرة ، ودول تابعة
خاضعة مستنزفة ومستغلة لصالح دول المركز .
والواقع أن السيطرة على المعلومات وعلى التكنولوجيا وعلى البرامج في
مجال الاتصالات ، تؤدي إلى تزايد القدرة على السيطرة على أذواق الناس وفكرهم
وسلوكهم الاستهلاكي ، والتكنولوجيا المتقدمة تعني مزيدًا من القدرة على الوصول
بالرسائل إلى دول أكثر وجمهور أكبر ، وبشكل أكثر إغراءً وجاذبية ، وبالتالي:
تعني فتح أسواق أوسع أمام القيم وأمام السلع الغربية في آنٍ واحد ، وكل هذا يعني
مزيدًا من السيطرة الاقتصادية والفكرية والثقافية [1] ، فالغرب هو الذي يسيطر
على الأجهزة والمعدات المتصلة بالاتصالات ، وهو المسيطر على صناعة الرسائل
والمواد الاتصالية ، وهو الذي يسيطر على صناعة الأخبار وصياغة الأنباء
وتوظيف الأخبار بما يخدم أهدافهم ، فأهم وكالات الأنباء المسيطرة على توزيع
الأخبار على تلفزيونات وصحافة العالم هي الوكالات الغربية (الأسوشيتدبرس) ، و
(اليونيتيدبرس) ، و (رويتر) ، ووكالة الصحافة الفرنسية ، وكذلك وكالات الأنباء
التلفزيونية المصورة في أنحاء العالم المختلفة [1] .
وأغلب الدول النامية لديها قناتان تلفزيونيتان ، تبث خلالهما ساعات إرسال
طويلة على مدى النهار والليل ، بينما لا تملك برامج ومواد وطنية تغطي أكثر من
عشر ساعات على الأكثر ، ولهذا تضطر للاعتماد على استيراد المواد الاتصالية
وغالبيتها من الولايات المتحدة الأمريكية ، وقد وجد أن أكثر من نصف البرامج
المستوردة التي تبثها الدول الآسيوية هي برامج أمريكية ، و25% من البرامج
الإنجليزية ، وأغلب دول أمريكا اللاتينية تستورد 50% من البرامج التي تبثها ،
وتصل النسبة في بعض الدول أكثر من ذلك ، فهي في (أورجواي) 62% وفي
(جواتيمالا) 48% وأغلب هذه البرامج تستورد من الولايات المتحدة الأمريكية ،
ويقدر مجموع مبيعات المواد الاتصالية (برامج ومسلسلات وأفلام سينمائية) في
أمريكا سنة 1985 إلى ما يقرب من 290 مليون دولار [1] .
كل هذا يشير إلى الهيمنة الثقافية والاتصالية ، وإلى تبعية دول العالم الثالث
أو النامي للدول الغربية ، خاصة الولايات المتحدة ، ومع تقدم تقنية القنوات
الفضائية: يكون العالم الثالث قد سلّم آخر ما لديه من أسلحة لمقاومة الغزو الفكري ، وهو سلاح التحكم أو السيطرة النسبية أو الرقابة ، التي ما يزال يستخدمها بقدرٍ ما
من الفاعلية إزاء المطبوعات وإزاء المادة التلفزيونية المستوردة [15] .
كل هذا يثير قضية الهوية الدينية والثقافية والقيمية والوطنية ، كما يثير قضية
السلوك الاستهلاكي والتنمية الاقتصادية ، ويثير أيضًا قضية السيطرة السياسية
والتنشئة الاجتماعية والسياسية والدينية ، ويثير قضية اختراق العقل الوطني ، أو
تغريب عقول أبناء الدول النامية .. إلخ داخل الدول التي يطلق عليها الأطراف ،
الأمر الذي يتطلب حلولًا فعالة لمواجهة هذه الأزمة ، على أن تتسم هذه الحلول
بالحكمة والتخطيط والتعقل ، هذا عن الاتجاه الأول ، وهو اتجاه نظرية التبعية التي
تتحدث عن الهيمنة الثقافية ، التي يعرفها شيلر بأنها: جهود واعية ومنظمة تقوم بها
الاحتكارات الأمريكية في المجالين العسكري والاتصالي للحفاظ على تقدمها ،
وبالتالي: على نفوذها في المجالات المختلفة [15] .
ويؤكد شيلر أن هذه الجهود تنبثق عن وزارة الدفاع الأمريكية التي تسهم في
وضع السياسة الأمريكية في مجال الاتصالات ، وهذا هو الشكل المباشر للجهود ،
كذلك تنبثق عن الشركات الأمريكية الخاصة (RCA-NBA) وهي من أكبر
الشركات المرتبطة بعقود مع الوزارة المذكورة [15] ، وإذا كانت وسائل الاتصال
الأمريكية مرتبطة بالسياسات الاقتصادية والخارجية والدفاعية الأمريكية ، فإن هذا
يعني أنها أداة من أدوات الهيمنة السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية الأمريكية
على العالم من جهة ، وأداة من أدوات استمرار التخلف والتبعية الشاملة للدول
النامية استمرارًا للمصالح الغربية والأمريكية من جهة أخرى [15] .
ب - الاتجاه الثاني لتفسير الظاهرة:
وهو تفسير أنصار نظريات الانتشار والتحديث الثقافي [16] ، ويرى أنصار
هذا الاتجاه وجوب عدم إطلاق أحكام فضفاضة مثل (الهيمنة الثقافية) أو(الاستعمار
الاتصالي)، فهذه أحكام لا أساس لها من الصحة ، فانتشار وسائل الإعلام الغربي
والمواد الاتصالية الغربية داخل الدول النامية ، سواء من خلال محطات التلفزة
الوطنية أو الأقمار الصناعية: لا يشير إلى أي شكل من الهيمنة أو الاستعمار أو
السيطرة ، ولكنها عملية احتكاك ثقافي ضروري من أجل التنمية والانتقال من حالة
التخلف إلى حالة التنمية ، وهم يفسرون قضية انتشار الإنتاج الغربي في ضوء
مفاهيم تجارية اقتصادية وهي رغبة الدول الغربية في تحقيق أرباح ، كما أنهم
يفسرونها في ضوء حاجات الدول النامية إلى الأخذ بالنظم السائدة في الدول المتقدمة
اقتصاديًّا للانتقال من مرحلة إلى مرحلة حتى تصل إلى المستوى نفسه للدول