فهرس الكتاب

الصفحة 1942 من 3028

تتصادم هذه القيم المحملة في برامج الإعلام والاتصال الوافدة مع القيم والهوية

الثقافية للدول المستوردة أو المستقبلة [9] .

وقد طرح على ساحة أدبيات الاتصال العديد من التفسيرات والنظريات لتفسير

ظاهرة سيطرة الغرب بشكل عام وأمريكا بشكل خاص على المادة التلفزيونية ،

سواء في شكل أخبار أو معلومات أو إعلانات أو مسلسلات أو أفلام أو برامج

متنوعة ..

-اتجاهان لتفسير الظاهرة:

الاتجاه الأول وهو:

الاتجاه الذي يركز على نظرية التبعية Dependency Theory

الاتجاه الثاني وهو:

الاتجاه الذي يركز على نظرية الانتشار Diffusion Theory

أ -الاتجاه الأول لتفسير الظاهرة:

والاتجاه الأول يعود إلى عدة رواد مثل فرانك [13] ، ومن أنصاره المحدثين: ولرشتاين في دراسته عن (النسق العالمي الجديد) [14] .

وتقوم نظرية التبعية بأشكالها المختلفة على تقسيم العالم إلى مراكز وأطراف ،

فالقوى والدول الصناعية الكبرى هي المراكز ، تتخذ من الدول الفقيرة والنامية

(الأطراف) ميدانًا لزيادة ثرائها ، وهذا يعني استغلال المراكز للأطراف اقتصاديًّا

وسياسيًّا واجتماعيًّا ، وتهيمن دول المركز على الأطراف لإلغاء هويتها ، ومن

مظاهر هذه الهيمنة أو السيطرة: الهيمنة الاقتصادية والسياسية والاتصالية أو

الإعلامية ، وهنا تصبح الهيمنة الاتصالية أحد أشكال الهيمنة الشاملة ، وهي أخطر

هذه الأشكال لأنها تمهد السبيل لكل الأشكال الأخرى من الهيمنة ، ولأنها تستهدف

عقول الناس وقيمهم وشخصياتهم ، تمامًا كما تستهدف ثرواتهم وسياساتهم .

فدول المركز تستهدف في نظر أصحاب نظرية التبعية إلغاء الهوية الثقافية

للدول الطرفية ، وتشكيل ثقافة عالمية متجانسة هي الثقافة الاستهلاكية التحررية ،

وتوظيف إمكانات الدول الطرفية في خدمة الرأسمالية العالمية ، وهذا يعني تحويل

هذه الدول إلى سوق يتم فيه تسويق:

1-المنتجات الثقافية الغربية(القيم والعادات ، والسلوكيات ، والتفضيلات ،

وأساليب الفهم والفكر ، والتحليل والتفسير ، ورؤية العالم).

2-المنتجات الاقتصادية الغربية .

3-الانتماء الفكري للغرب بكل نظمه وأيديولوجياته ومبادئه .

وقد أفاض كل من فيجيس و شيلر و نورد نسترونج و فارس و أرجيومندو في

عرض هذا الاتجاه [15] .

وهذا يعني أن الهيمنة الثقافية من خلال وسائل الاتصال تدعم حالة عدم

التوازن وعدم العدالة والانقسام الدولي الراهن إلى دول مركز مسيطرة ، ودول تابعة

خاضعة مستنزفة ومستغلة لصالح دول المركز .

والواقع أن السيطرة على المعلومات وعلى التكنولوجيا وعلى البرامج في

مجال الاتصالات ، تؤدي إلى تزايد القدرة على السيطرة على أذواق الناس وفكرهم

وسلوكهم الاستهلاكي ، والتكنولوجيا المتقدمة تعني مزيدًا من القدرة على الوصول

بالرسائل إلى دول أكثر وجمهور أكبر ، وبشكل أكثر إغراءً وجاذبية ، وبالتالي:

تعني فتح أسواق أوسع أمام القيم وأمام السلع الغربية في آنٍ واحد ، وكل هذا يعني

مزيدًا من السيطرة الاقتصادية والفكرية والثقافية [1] ، فالغرب هو الذي يسيطر

على الأجهزة والمعدات المتصلة بالاتصالات ، وهو المسيطر على صناعة الرسائل

والمواد الاتصالية ، وهو الذي يسيطر على صناعة الأخبار وصياغة الأنباء

وتوظيف الأخبار بما يخدم أهدافهم ، فأهم وكالات الأنباء المسيطرة على توزيع

الأخبار على تلفزيونات وصحافة العالم هي الوكالات الغربية (الأسوشيتدبرس) ، و

(اليونيتيدبرس) ، و (رويتر) ، ووكالة الصحافة الفرنسية ، وكذلك وكالات الأنباء

التلفزيونية المصورة في أنحاء العالم المختلفة [1] .

وأغلب الدول النامية لديها قناتان تلفزيونيتان ، تبث خلالهما ساعات إرسال

طويلة على مدى النهار والليل ، بينما لا تملك برامج ومواد وطنية تغطي أكثر من

عشر ساعات على الأكثر ، ولهذا تضطر للاعتماد على استيراد المواد الاتصالية

وغالبيتها من الولايات المتحدة الأمريكية ، وقد وجد أن أكثر من نصف البرامج

المستوردة التي تبثها الدول الآسيوية هي برامج أمريكية ، و25% من البرامج

الإنجليزية ، وأغلب دول أمريكا اللاتينية تستورد 50% من البرامج التي تبثها ،

وتصل النسبة في بعض الدول أكثر من ذلك ، فهي في (أورجواي) 62% وفي

(جواتيمالا) 48% وأغلب هذه البرامج تستورد من الولايات المتحدة الأمريكية ،

ويقدر مجموع مبيعات المواد الاتصالية (برامج ومسلسلات وأفلام سينمائية) في

أمريكا سنة 1985 إلى ما يقرب من 290 مليون دولار [1] .

كل هذا يشير إلى الهيمنة الثقافية والاتصالية ، وإلى تبعية دول العالم الثالث

أو النامي للدول الغربية ، خاصة الولايات المتحدة ، ومع تقدم تقنية القنوات

الفضائية: يكون العالم الثالث قد سلّم آخر ما لديه من أسلحة لمقاومة الغزو الفكري ، وهو سلاح التحكم أو السيطرة النسبية أو الرقابة ، التي ما يزال يستخدمها بقدرٍ ما

من الفاعلية إزاء المطبوعات وإزاء المادة التلفزيونية المستوردة [15] .

كل هذا يثير قضية الهوية الدينية والثقافية والقيمية والوطنية ، كما يثير قضية

السلوك الاستهلاكي والتنمية الاقتصادية ، ويثير أيضًا قضية السيطرة السياسية

والتنشئة الاجتماعية والسياسية والدينية ، ويثير قضية اختراق العقل الوطني ، أو

تغريب عقول أبناء الدول النامية .. إلخ داخل الدول التي يطلق عليها الأطراف ،

الأمر الذي يتطلب حلولًا فعالة لمواجهة هذه الأزمة ، على أن تتسم هذه الحلول

بالحكمة والتخطيط والتعقل ، هذا عن الاتجاه الأول ، وهو اتجاه نظرية التبعية التي

تتحدث عن الهيمنة الثقافية ، التي يعرفها شيلر بأنها: جهود واعية ومنظمة تقوم بها

الاحتكارات الأمريكية في المجالين العسكري والاتصالي للحفاظ على تقدمها ،

وبالتالي: على نفوذها في المجالات المختلفة [15] .

ويؤكد شيلر أن هذه الجهود تنبثق عن وزارة الدفاع الأمريكية التي تسهم في

وضع السياسة الأمريكية في مجال الاتصالات ، وهذا هو الشكل المباشر للجهود ،

كذلك تنبثق عن الشركات الأمريكية الخاصة (RCA-NBA) وهي من أكبر

الشركات المرتبطة بعقود مع الوزارة المذكورة [15] ، وإذا كانت وسائل الاتصال

الأمريكية مرتبطة بالسياسات الاقتصادية والخارجية والدفاعية الأمريكية ، فإن هذا

يعني أنها أداة من أدوات الهيمنة السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية الأمريكية

على العالم من جهة ، وأداة من أدوات استمرار التخلف والتبعية الشاملة للدول

النامية استمرارًا للمصالح الغربية والأمريكية من جهة أخرى [15] .

ب - الاتجاه الثاني لتفسير الظاهرة:

وهو تفسير أنصار نظريات الانتشار والتحديث الثقافي [16] ، ويرى أنصار

هذا الاتجاه وجوب عدم إطلاق أحكام فضفاضة مثل (الهيمنة الثقافية) أو(الاستعمار

الاتصالي)، فهذه أحكام لا أساس لها من الصحة ، فانتشار وسائل الإعلام الغربي

والمواد الاتصالية الغربية داخل الدول النامية ، سواء من خلال محطات التلفزة

الوطنية أو الأقمار الصناعية: لا يشير إلى أي شكل من الهيمنة أو الاستعمار أو

السيطرة ، ولكنها عملية احتكاك ثقافي ضروري من أجل التنمية والانتقال من حالة

التخلف إلى حالة التنمية ، وهم يفسرون قضية انتشار الإنتاج الغربي في ضوء

مفاهيم تجارية اقتصادية وهي رغبة الدول الغربية في تحقيق أرباح ، كما أنهم

يفسرونها في ضوء حاجات الدول النامية إلى الأخذ بالنظم السائدة في الدول المتقدمة

اقتصاديًّا للانتقال من مرحلة إلى مرحلة حتى تصل إلى المستوى نفسه للدول

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت