فهرس الكتاب

الصفحة 2780 من 3028

والظاهر ان معاوية أحس بضعف موقفه من هذه الناحية. فلقد حاول ان يجتذب اليه عددا كبيرا من المهاجرين والانصار ليوازن بهم ما كان عند علي منهم، وبذل في سبيل ذلك أموالا طائلة، فلم يوفق.

التحق بمعاوية من الانصار اثنان فقط، كما مر بنا. اما المهاجرون فلم يلتحق به منهم سوى اولئك الذين هاجروا الى المدينة قبل الفتح بمدة قصيرة كأبى هريرة وعمر بن العاص والمغيرة بن شعبة. وهؤلاء لا نستطيع ان نعدهم من المهاجرين الصادقين لانهم هاجروا يوم أخذت علائم الانتصار تبدو بجانب محمد وصارت قريش تخشى من هجوم المسلمين عليها في مكة. ولما فتحت مكة بعد ذلك انقطعت الهجرة حيث قيل:"لا هجرة بعد الفتح".

ويخيل لي ان معاوية أخذ يفكر في هذا الامر ويطيل التفكير، لعله يستطيع ان يجد له طريقة تستر عليه ضعف موقفه ذاك. وأظن انه وجد هذه الطريقة أخيرًا. فقد رأينا يهمل ذكر المهاجرين والانصار في كتبه وخطبه ويذكر بدلا منه اسم"الصحابة". واسم"الصحابة"ذو معنى واسع يمكن ان يستوعب عددا كبيرًا من الناس، سواء فيه اولئك الذين قاتلوا النبي أو قاتلوا معه. فبمجرد ان يسمع المسلم حديث النبي أو يحضر مجلسه أو يسلم عليه صار صحابيا ودخل في قائمة"المقدسين".

وجاء ابو هريرة لمعاوية بحديث يرويه عن النبي حيث قال فيه:"أصحابي كالنجوم، ايهم أقتديتم اهتديتم". وأحسب ان معاوية فرح بهذا الحديث كثيرا، فهذا الحديث يعطيه الحق بان يقول لعلي: عندي من الصحابة ما عندك. مثلي مثلك.

والواقع ان معاوية كان يملك بين يديه عددا كبيرا من الصحابة من طراز ابي هريرة والمغيرة بن شعبة ومروان بن الحكم ومن لف لفهم. وأخذ هؤلاء يملأون الدنيا بأحاديث صاحبهم رسول الله صلاة الله وسلامه عليه. وكان معاوية يغدق على كل من يأتيه منهم بحديث نبوي يرضيه مبلغا لا يستهان به من الاصفر الرنان.

اما المهاجرون والانصار الذين كانوا مع علي فقد انكسف شأنهم وصاروا كأنهم قطرة من بحر في هذا الحشد الحاشد من الصحابة رضي الله عنهم.

ولم يكتف معاوية بهذا بل أخذ ينكر على المهاجرين والانصار حق الشورى بتاتا. وليته حول هذا الحق الى الصحابة. انما حوله الى أهل الشام فقط دون الناس جميعا. فلما ذكره الامام علي بحق المهاجرين والانصار في الشورى كتب اليه يقول:"... وقد أبى أهل الشام الا قتالك حتى تدفع اليهم قتلة عثمان. فان فعلت كانت شورى بين المسلمين. وانما كان الحجازيون هم الحكام على الناس والحق فيهم، فلما فارقوه كان الحكام على الناس أهل الشام...".

يلاحظ في هذا الجواب ان معاوية لا يذكر المهاجرين والانصار باسمهم الذي سماهم به القرآن. انما سماهم"الحجازيين". وهو يتهمهم بقتل عثمان، ولهذا فهم قد فارقوا الحق في نظره وفقدوا حق الشورى من جراء ذلك. وأصبح الحكام على الناس اذن أهل الشام لانهم يطالبون بدم عثمان.

ومن يتأمل في وضع أهل الشام حينذاك يجدهم لا يعرفون الشورى ولا يؤمنون بها. وقد اشتهروا في التاريخ بأنهم كانوا من أطوع الناس لولي أمرهم كائنا من كان. ومعنى هذا ان الشورى انقلبت عندهم الى"طاعة". يقول المسعودي ان أهل الشام بلغوا في طاعتهم لامر معاوية انهم صلوا خلفه صلاة الجمعة في يوم الاربعاء، حيث اقتضت مشيئة معاوية ذلك عند مسيره الى صفين.

وكان معاوية قد عود أهل الشام على طاعة السلطان وعلى عدم الجدل في أمره منذ زمان بعيد. ورأيناه في ايام عثمان يمنع كل محدث منطيق من الاختلاط بأهل الشام. فلما اختلط ابو ذر بفقراء الشام وأخذ يحدثهم كتب معاوية الى عثمان يقول له: ان ابا ذر يريد ان يفسد أهل الشام.

واتخذ معاوية لنفسه الحراس والجلاوزة، يسيرون معه في موكب اذا سار في شوارع الشام، كما تفعل القياصرة تماما.

اما علي بن ابي طالب فكان يسير في الكوفة على غير هذه السيرة. قبل انه كان يمشي في شوارع الكوفة منفردا فيتحدث الى البقال والقصاب، ويجالس أصحاب الدكاكين. وحدث مرة اثناء مسيره الى صفين ان بعض دهاقين الانبار رأوه فترجلوا وأخذوا ينحنون بين يديه كما اعتادوا ان يفعلوا في سالف الازمان. فقال لهم:"ما هذا الذي صنعتموه؟"قالوا:"خلق منا نعظم به أمراءنا". فقال:"والله ما ينتفع بهذا أمراؤكم، وانكم لتشقون على أنفسكم في دنياكم وتشقون به في آخرتكم...".

وعند رجوعه من صفين افتقد درعه، ثم وجده عند نصراني. فأمسك به وجاء به الى قاضي الكوفة. ووقف الامام مع النصراني جنبا الى جنب يترافعان بين يدي القاضي. ولما لم يستطع الامام الاتيان ببينة قضى القاضي بالدرع للنصراني فأخذه ومشى والامام ينظر اليه..."."

يقول الاستاذ عباس محمود العقاد: ان النزاع بين علي ومعاوية لم يكن خلافا على شيء واحد ينحسم فيه النزاع بانتصار هذا أو ذاك، ولكنه كان خلاف بين نظامين متقابلين وعالمين متنافسين: أحدهما يمثل الخلافة الدينية والآخر يمثل الدولة الدنيوية.

ولنا ان نقول هنا ان عليا كان ينظر في"الحق"بمنظار آخر، اذ كان يعتبر الاسلام دينا قبل ان يكون دولة، وهو قد جاهد في سبيل العدالة والمساواة أكثر مما جاهد في سبيل الفتح والغلبة.

يتهم بعض المستشرقين محمدا بأنه كان من طراز جنكيزخان، قائدا بدويا وجه أمته نحو الغنيمة والغلبة. ولذلك شرع لاتباعه شرعة الحرب والقتال بخلاف ما فعل المسيح قبله.

نسى هؤلاء ان محمدا سار سيرة المسيح في بدء دعوته، حيث أخذ يدعو الى ربه بالطريقة السلمية ويحض اتباعه على العفو والصبر ومقابلة السيئة بالحسنة. وبقى على ذلك مدة طويلة تناهز ثلاثة عشر عاما. وكانت نتيجة ذلك ان قريشا اجتمعت على قتله وكادت تنجح فيه، لو لم يهيأ الله له خيط العنكبوت وبيض الحمام كما هو معروف. ولو ان قريشا نجحت في قتله آنذاك لذهب محمد في التاريخ كما ذهب أخوه المسيح من قبل، ولما وجد المؤرخون بينهما فرقا كبيرًا.

ولم يكد محمد يصل المدينة سالما، بعد هذه الحادثة، حتى بدأ يغير خطته تجاه قريش. فقد ادرك بعد التجارب المرة التي مرت عليه في مكة ان قريشا لا ترضخ لدعوة إلا اذا اخضعها بحد السيف. وأدرك كذلك ان العرب لا يدخلون في الاسلام إلا اذا انتصر على قريش. وكان العرب يقولون:"دعوا محمدا يقاتل قومه فان نجح فهو نبي حقا".

يتساءل البروفسور توينبي: أكان محمد نصابا يريد الملك أم كان نبيا يريد الإصلاح؟. يقول توينبي في الجواب على ذلك: ان سيرة محمد في بدء دعوته تدل على انه كان صادقا في ايمانه مخلصا لرسالته. اما ما حدث بعد الهجرة من تحول في سيرته فمرده الى انه كان يعيش في مجتمع يختلف عن مجتمع المسيح اختلافا كبيرًا.

وقد أشار البروفسور نكلسون الى ان معركة بدر هي أول حادثة لفتت نظر القبائل البدوية الى محمد وأثارت اعجابهم به. ويقول نكلسون في شأن هذه المعركة:"ومهما كان العرب قليلي الاكتراث بدين محمد، فانهم لم يستطيعوا إلا ان يحترموا الرجل الذي أذل نبلاء مكة". ويعد نكلسون معركة بدر من أعظم المعارك العالية التي غيرت وجه التاريخ.

نستنتج من هذا ان محمدا لم يتبع طريق الحرب حبا بالحرب والغلبة كما زعم المستشرقون من اعداء الاسلام. انما هو لجأ الى الحرب اضطرارا. ولولا ذلك لما قامت للاسلام قائمة في جزيرة العرب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت