فهرس الكتاب

الصفحة 2781 من 3028

والواقع ان الحروب المحمدية لم تكن سوى مظهر من مظاهر الثورة الاجتماعية التي قام بها. والثوار في جميع الازمان يتبعون في بدء دعوتهم طريق السلم، فاذا اجتمع لديهم من الانصار عددا كافيا عبأوهم تعبئة القتال وأخذوا يشنون على خصومهم حربا شعواء قد تقضى على ما كان لهم من مكانة اجتماعية وترف باذخ.

هذا هو"الحق"الذي فهمه علي بن أبي طالب وجاهد في سبيله. فالامر ليس جهادا في سبيل الفتح والغلبة كما ظن معاوية ومن لف لفه من وعاظ السلاطين. والامام علي اذن لا يهتم بمصلحة الدولة بقدر اهتمامه بمصلحة الشعوب التي تحكمها تلك الدولة.

يقول وعاظ السلاطين: ان معاوية كان أقدر على سياسة الشعوب من علي. فعلي شتت بسياسته الديمقراطية شمل الجماعة، اما معاوية فقد كانت خلافته مصدر بركة واتحاد ونصر للمسلمين.

ما درى هؤلاء ان المجتمع البشري لا يمكن توحيده على رأي واحد، حتى ولو جاء جبرئيل نفسه يقوده. فالتنازع البشري طبيعة اجتماعية لا مناص منها ومن يحاول توحيد الناس على رأي واحد هو كالذي يريد صد تيار المياه الدافقة عن المسير. ولهذا كانت وحدة الجماعة التي أقامها معاوية مؤقتة. فلم يكد يموت معاوية حتى رجع المسلمون الى تناحر أبشع مما كان قبلا. ولم يتحد المسلمون في عهد معاوية إلا لكي يتفرقوا بعده على شكل أضرّ وأعمق.

وقد يصح ان نقول بان الذي يريد توحيد الجماعة في حزب واحد، انما هو يزيد في التفريق عاملا جديدا. وخلاصة ما يفعله هو انه يضيف الى الاحزاب المتناحرة حزبا آخر.

وإذا أجبر السلطان رعاياه على طاعته رغم آنافهم، أدى ذلك الى ازدياد النفرة منه. والذي لا يعترض عليه علانية ينقم عليه سرا. وكل ضغط يولد انفجارا، كما قيل.

حاول يزيد ان يدخل المسلمين في طاعته عن طريق العنف. فحدث من جراء ذلك مجزرة كربلاء ومجزرة المدينة وهدم الكعبة. وكان أهل الشام بعد واقعة الحرة يقولون للفرد من أهل المدينة:"بايع على انك عبد قن ليزيد". فان أبى ضربوا عنقه، فكانت مذبحة ذريعة. وكانوا يرمون الكعبة بالمنجنيق ويصيحون:"الطاعة الطاعة".

فكان من نتائج هذه المذابح ان انتشر التذمر بين الناس. ولقد نسى دعاة"الطاعة"ان كل فرد يقتل على يدهم في سبيل هذه الطاعة يجعل عشرة أفراد من وراءه متذمرين ينتهزون الفرصة للانتقاض على"أمير المؤمنين".

وصف الخصوم عليًا بأنه سفك دم المسلمين. وهذا الوصف ذاته هو الذي قال به اعداء محمد حين سموه"نبي الحرب". كأنهم يظنون ان مكافحة الظلمة والمترفين أمر هين جدا يستطيع ان يقوم به المصلح عن طريق الخطب والمواعظ الرنانة.

يقول علي في احدى خطبه:"ولقد كنا مع رسول الله نقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وأعمامنا: ما يزيدنا ذلك إلا ايمانا وتسليما... وصبرا على مضض الألم، وجدا في جهاد العدو ... ولعمري لو كنا نأتي ما أتيتم ما قام للدين عمود، ولا اخضر للايمان عود وايم الله لتحتلبنها دما ولتتبعنها ندما". وهذه الكلمة من علي تشبه في مغزاها الاجتماعي تلك الآية التي أذنت بالقتال للمهاجرين والانصار عند الهجرة. وهي تشير الى ان الدين لا يقوم إلا بالكفاح والتدافع الاجتماعي. وما الهجرة في الواقع إلا نضال وتضحية، وترك للمال والاهل في سبيل مكافحة الطغاة المترفين.

فعلي كان يعتقد ان الهجرة انقطعت بعد معركة بدر. وقد أشار الى ذلك في أحد كتبه الى معاوية. فقد كان معاوية يستعين ببعض المهاجرين الذين التحقوا بالنبي بعد بدر كأبي هريرة وابن العاص. فكان من رأى الامام علي ان هؤلاء ليسوا بمهاجرين صادقين، اذ هم قد هاجروا الى المدينة بعد ان اتضحت معالم النصر بجانب محمد. فالمهاجرون في نظر علي هم اولئك الذين التحقوا بمحمد يوم كان الاسلام مكافحا غير منتصر.

والغريب أن نجد قريشا تعتبر الهجرة مستمرة، فهي لم تنقطع بمعركة بدر ولا بفتح مكة. ولهذا كانت قريش تسمى الشام في عهد بني أمية:"دار الهجرة". نستنتج هذا من القول الذي أدلى به القائد الاموي عند هجومه على المدينة في أيام يزيد حيث خاطب أهل الشام قائلا:"انكم أهل البصيرة ودار الهجرة، ووالله ما أظن ربكم أصبح عن أهل بلد من بلدان المسلمين بارضى منه عنكم...".

ويخبرنا ابن خلدون ان أحد أصحاب النبي سكن البادية في أيام الحجاج فقال له الحجاج:"ارتددت على عقبيك، تعرّبت". والحجاج يشير بذلك الى أن الرجوع الى البادية هو بمثابة الارتداد عن الدين وترك الهجرة. ولهذا نرى الامويين يصنفون المسلمين في عهدهم الى نوعين: أعراب ومهاجرين. فالمهاجر في نظرهم هو الذي يترك حياة البادية ويلتحق بجيشهم الفاتح الغانم السائح في الارض.

قلنا ونعيد القول هنا: ان الديمقراطية الحديثة ليست إلا ثورة"بيضاء"، حيث يبدل الشعب حكامه بواسطة الانتخاب حينا بعد حين. والشعوب الآن تستخدم أوراق التصويت لعين الغرض الذي كانت تستخدم السيوف من أجله قديمًا.

وهنا يجب أن لا ننسى ان الثورة الديمقراطية لم تصبح"بيضاء"دفعة واحدة. فلقد كانت في مبدأ أمرها"حمراء"وظلت كذلك زمنا طويلا. ونحن حين نتمتع اليوم بهذه الثورة البيضاء يجدر بنا ان نذكر اولئك الابطال الذي بذلوا في سبيل تصويرها دماءهم.

وعندما نمجد ذكرى الثورة الفرنسية أو الانكليزية أو الامريكية أو غيرها، يجب أن نمجد كذلك ثورة علي والحسين وزيد وغيرهم من اولئك الذين ضحوا بأنفسهم من أجل هذه المبادىء التي نجني ثمارها في هذا العصر.

لقد استبدلت الديمقراطية الحديثة مبدأ الحكم الألهي بمبدأ المحاسبة والمراقبة كما قال مونتسكيو. وأصبح الحاكم اليوم فردا من الناس تستخدمه الامة في شؤونها العامة فاذا رأت منه اعوجاجا صفعته على وجهه وأنزلته عن كرسيه الوثير.

ان الثورة في مفهومها العلمي، كما قال هبرله، لا تعني العنف بالضرورة. فالجالس في بيته قد يعد ثائرًا اذا كان مؤمنا بحقوق الانسان كما جاءت بها الثورة الفرنسية أو غيرها من الحركات الاجتماعية الكبرى.

لو تابعنا وعاظ السلاطين في رأيهم لالغينا الاحزاب الديمقراطية، وسددنا الصحف السياسية، وقمعنا كل رأي يخالف رأينا، بحجة ان هذه الامور تفرق الجماعة وتضعف الامة تجاه العدو الواقف لها بالمرصاد.

نسي هؤلاء ان الظلم يضعف الامة أكثر مما يضعفها الجدال والتنازع. وقد قيل في المأثورات الدينية:"الكفر يدوم والظلم لا يدوم". فالامة التي تتنازع فيها الاحزاب هي أقوى على البقاء من تلك التي يكون الحاكم فيها ظالما والمحكوم ساكتًا. فالتماسك الذي نلاحظه في تلك الامة هو تماسك ظاهري أشبه بالورم المعدي منه بالنسيج الحي. انه تماسك قائم بحد السيف، ولا يكاد ينغمد السيف عنه قليلًا حتى تراه قد تهاوى الى الأرض كما يتهاوى البناء المتداعي.

يعتقد وعاظ السلاطين: ان كفاح الظالمين أمر هين جدا. فهو في نظرهم كغيره من أمور الاصلاح الاجتماعي لا يحتاج إلا الى صب المواعظ الرنانة على رؤوس الناس:"أيها الناس لا تظلموا فان الله لا يحب الظالمين..."وهم حين يقولون ذلك يظنون ان الظالم سوف يرتدع عن ظلمه حالما يستمع اليهم. ونسوا ان الظالم لا يدري بنفسه انه ظالم فهو يتخيل نفسه أعدل الناس وأكثرهم جهادا في سبيل الله.

والظالم حين يسمع الوعاظ يذمون الظلم يفرح كثيرا اذ هو يعتقد بان المقصود بهذا الذم أعداءه. اما هو فلا يمسه شيء من هذا الذم. وكيف يمسه الذم وهو يسير في حكمه على كتاب الله وسنة رسوله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت