والرسالة التي نحن بصددها هي من هذا النوع المُعِين على الوقوف على حال
الأمة وواقعها بعد عهود من انفراج خط الانحراف ، حتى وصل إلى مرحلة يصعب
فيها إلا على من وفقه الله (عز وجل) إبصار الصراط المستقيم ، وسط تشويش
الداعين إلى أبواب الضلال .
وهذه الرسالة من الأهمية بمكان في هذا المجال ، حتى قال عنها مقدمها
والمشرف عليها الشيخ محمد قطب (وفقه الله) في تقدير بالغ ممزوج بتواضع جم:
( .. ولكني أشهد أن رؤيتي لهذه القضية كانت رؤية الخطوط العريضة فحسب ، أما
الباحث: فقد حاول وبنجاح أن يقرأ الخطوط الدقيقة ، وقد فوجئت وأنا الذي وجهته
ووجهت طلابي إلى هذه النقطة بأن واقع الأمة الذي أحدثهم عنه كان أسوأ بكثير مما
حدثتهم عنه ، وأسوأ بكثير مما كنت أعرف منه .. ) .
( ولقد وضع يده على أخبار وحوادث لم أكن على علم بها ، وهذه شهادة مني
له ، شهادة تقدير للعمل الذي قام به) .
وموضوع الرسالة:(الانحرافات العقدية والعلمية في القرنين الثالث عشر
والرابع عشر الهجريين وآثارها في حياة الأمة) [*] .
وهي رسالة علمية تقدم بها مؤلفها الباحث (علي بن بخيت الزهراني) إلى قسم
الدراسات العليا الشرعية ، فرع العقيدة ، بجامعة أم القرى بمكة المكرمة ، ونال
عنها درجة الماجستير في الشريعة الإسلامية فرع العقيدة ، بتقدير ممتاز ، مع
التوصية بطبع الرسالة وتبادلها ، وخرجت الرسالة بعد طبعها فيما يزيد عن ألف
صفحة ، من القطع العادي (17سم) .
وقد قسم الباحث أطروحته التي أمضى خمس سنوات لإتمامها إلى:
مقدمة ، وتمهيد ، وأربعة أبواب ، وخاتمة:
اشتملت المقدمة على بيان الموضوع ، وأهميته ، والأسباب التي دعت إلى
اختياره ، وبعض ما اعترضه من عقبات ، وعرض خطة البحث .
أما التمهيد: فتناول فيه باختصار: أحوال الأمة الإسلامية قبل القرنين محل
الدراسة ، وركز فيه على أهمية العقيدة في حياة الأمة ، مع بيان حال الصدر الأول
من الصحابة ، وأثر العقيدة فيهم ، ثم عرّج على ظهور الفِرَق وبذور الانحرافات
قبل القرنين المقصودين بالدراسة .
وكان موضوع الباب الأول: الأحوال العقدية والعلمية عند المسلمين في
القرنين الماضيين ، ويعتبر هذا الباب عمدة الرسالة وأساسها ، وقد حوى تسعة
فصول:
ناقش في الأول: انحصار مفهوم العبادة ، والآثار السيئة التي ترتبت على
ظن كثير من الناس أن العبادة هي مجرد أداء الشعائر التعبدية فقط .
وعرض في الثاني: الفكر الإرجائي الذي يخرج العمل من الإيمان ، وخطورة
هذا الانحراف الذي هيمن على ساحة الفكر الإسلامي .. حتى قال عنه الأزهري:
(ما ابتدعت في الإسلام بدعة أضر على أهله من الإرجاء) .
وكان الفصل الثالث عن: ضعف عقيدة الولاء والبراء ، التي تحولت إلى
عقيدة عمياء عند أبناء المسلمين ، وأوضح الأدوار التي أسهمت في إضعافها ، بدءًا
من دور السلطان العثماني (محمود الثاني) الذي قال: (إنني لا أريد ابتداءً من الآن
أن يميز المسلمون إلا في المسجد ، والمسيحيون إلا في الكنيسة ، واليهود إلا في
المعبد ، إني أريد ما دام يتوجه الجميع نحوي بالتحية ( ! ) أن يتمتع الجميع
بالمساواة في الحقوق ، وبحمايتي الأبوية .. ) .
ثم عرض الباحث لأدوار أخرى أضعفت هذه العقيدة .
وفي الفصل الرابع: بيّن غربة العقيدة الصحيحة ومقاومتها ، والافتراءات
الكاذبة والتهم الباطلة التي حوربت بها دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب(رحمه
الله).
ثم أوضح في الفصل الخامس: هيمنة الفلسفة وعلم الكلام على علماء العقيدة
ومؤلفاتها ، بدءًا من العصر العباسي ، وكيف انتهت دراسة العقيدة إلى مجرد
دراسات لعلم الكلام في الكليات الشرعية في الجامعات الإسلامية المشهورة .
وأما الفصل السادس: فقد أطنب في بيان انتشار مظاهر الشرك والبدع
والخرافات ، وقسمه إلى قسمين: أولًا: انتشار مظاهر الشرك ، ثانيًا: انتشار
البدع والخرافات .
فتحدث في القسم الأول: عن بناء المساجد على الأضرحة والقبور ، ...
والاستغاثة والاستعانة بأصحاب هذه الأضرحة ، والذبح والنذر لها ، ... وغير ذلك
من مظاهر الشرك الأكبر والأصغر التي هيمنت على حياة الناس ، الذين وصل
الغلو ببعضهم إلى القول ( بإسقاط فريضة الحج عمن يشد الرحال إلى بعض ...
الأضرحة التي يعظمونها ويعبدونها من دون الله (عز وجل [ ، وأصبح عندما
(يداهم الأمة عدو أو ينزل بها خطب فلا تستعد كما يجب إن هي استعدت أصلًا ؛
لأن عندها من (الأرباب) ما لم يخل منهم قُطر ولا مصر ، فإذا دهمهم خطر
فسرعان ما يهرع كل أهل بلد إلى مربوبهم ! (مقبورهم) ... فيلوذون به ويستغيثون
بجنابه ... ) ! نعوذ بالله من الخذلان .
وفي القسم الثاني: تحدث عن انتشار البدع والخرافات ، ومنها الموالد
والاحتفالات .
ثم كان طبيعيًّا أن يكون الحديث في الفصل السابع عن: الصوفية في هذين
القرنين: نشأتها ، وأسباب انتشارها ، ونفوذ أربابها في العالم الإسلامي ، ونظرتهم
إلى العلم والحياة ، ودعائم نظامهم التربوي وعقائدهم المنحرفة .
ثم تحدث في الفصل الثامن عن: ازدياد نشاط الفرق المنحرفة وحربها
للمسلمين في هذين القرنين ، من رافضة ، ونصيريّة ، ودروز ، وإسماعيلية .
وبهائية ، وقاديانية ...
وكان الفصل التاسع والأخير من أهم فصول هذا الباب ، حيث تحدث عن:
موقف العلماء ، وأنه لم يكن على المستوى المطلوب ، فقد تجافى كثير منهم عن
المشاركة في الحياة العامة والتأثير في الأحداث ، كما شارك كثير منهم في الابتداع
في الدين ، مما جعل الإسلام أشبه ما يكون بالديانات المحرفة ؛ لكثرة ما ابتُدِعَ فيه ،
كما انغمس كثير منهم في متاع الحياة الدنيا ، فكانت النتيجة: عدم قيامهم بالأمانة
التي حمّلهم الله (عز وجل) إياها ،(بينما البقية الصالحة منهم قد قبعت في بيوتها ،
أو انزوت في الدرس والكتاب ، تحسب أن مهمتها قد انتهت إذا لقنت الناس العلم).
وبذلك انتهى الباب الأول الذي استغرق حوالي نصف الرسالة ، إذ هو كما
يقول الباحث: (المقصود الأعظم من البحث) .
أما الباب الثاني: فقد كان موضوعه: الانحرافات العلمية في القرنين الثالث
عشر والرابع عشر الهجريين ، وقد فصله إلى فصول ثلاثة:
تحدث في الفصل الأول عن: المستوى التعليمي ومناهج التعليم ، حيث
(حدث تقلص ضخم(في مناهج التعليم) أبعد بالتدريج كل العلوم (الدنيوية) من معاهد
العلم ، في ذات الوقت الذي اقتصرت فيه العلوم الشرعية على فكر القرن الخامس
على أكثر تقدير .. ) وبدون أي تغيير ، فكان المستوى التعليمي مقيدًا بالمختصرات
والشروح والحواشي والتقريرات ، مع عدم اهتمام العلماء بعلم الحديث .
وفي الفصل الثاني: تناول: التعصب المذهبي وآثاره السيئة على الحياة
العلمية في هذين القرنين .
وختم هذا الباب بالحديث في الفصل الثالث عن رفض إعادة فتح باب الاجتهاد
الذي أغلق منذ القرن الخامس الهجري ؛ لعدم الحاجة إليه آنذاك ! ! ، وقد أشار
الكاتب إلى الأسباب التي دعت إلى إعلان غلق باب الاجتهاد ، ونوّه بجهود الإمام
الشوكاني في مقاومة تلك المشكلة ، وذَكَر الآثار المترتبة على رفض إعادة فتح باب
الاجتهاد ، التي كان من أهمها: تجميد حياة الأمة وتوقفها عن النمو ، لأنها محكومة
بقوالب لم تعد تلائمها ، ثم خروج هذه الحياة عن هذه القوالب ، في الوقت الذي
تخرج فيه من ظل الشريعة ، فكان استيراد المبادئ والنظم الأوروبية بديلًا عن
مرونة الاجتهاد الذي أُغلق بابه .
وكان الباب الثالث: نتيجة حتمية للبابين السابقين ، حيث تحدث عن الآثار