(ج) الحياة بعد الموت:
المسألة الثانية في هذا البحث هي مسألة الحياة بعد الموت.
(هل هناك حياة بعد الموت ؟ ؟) هذا السؤال يتردد دائما في العقل الحديث ، ثم يستطرد قائلا: (لا. . . لا حياة بعد الموت ، لأن الحياة التي أعرفها لا توجد إلا في ظروف معينة من تركيب العناصر المادية. وهذا التركيب الكيماوي لا يوجد بعد الموت ، إذن فلا حياة بعد الموت) .
ويعتقد (ت. ر. مايلز) بأن: (البعث بعد الموت حقيقة تمثيلية ، وليس بحقيقة لفظية) . ثم يضيف قائلا:
(إنها قضية قوية عندي أن الإنسان يبقي حيا بعد الموت ، وهذه القضية من الممكن-لفظيا- أن تكون حقيقة ، وهي قابلة لاختبار صحتها أو بطلانها بالتجربة ، ولكن المسألة الرئيسية في طريقنا هي أننا لا نملك وسيلة لمعرفة الإجابة القطعية عن هذا السؤال إلا بعد الموت ، ولذلك يمكننا أن نقيس) .
وحيث إن قياسه لا يصدق هذه القضية فهي ليست بحقيقة لفظية. وقياسه كما يلي:
(بناء علي علم الأعصاب(Neurology) لا يمكن معرفة العالم الخارجي والاتصال به ، إلا عندما يعمل الذهن الإنساني في حالته العادية ، وأما بعد الموت فهذا الإدراك مستحيل ، نظرا إلي بعثرة تركيب النظام الذهني (81 ) ) .
ولكن هناك قياسات أخري أقوي من هذا القياس ؛ وهي تؤكد أن بعثرة الذرات المادية في الجسم الإنساني لا تقضي علي الحياة ؛ فإن (الحياة) شيء آخر ،وهي مستقلة بذاتها باقية بعد فناء الذرات المادية وتغيرها.
ومن المعلوم أن الجسم الإنساني يتألف من أجزاء (ذرات) ، تسمي (الخلايا) ، ومفردها: خلية (Cell) . وهي ذرات صغيرة جدا ومعقدة ، يزيد عددها في الجسم الإنساني العادي علي 260.000.000.000.000.000 خلية. ويبدو أن هذه الخلايا مثل الطوب الصغير ، ينبني منه هيكل أجسامنا. ولكن الفرق بين طوب أجسامنا والطوب الطيني شاسع جدا . . فطوب الطين الذي يستخدم في العمارات يبقي كما هو- نفس الطوب الذي صنع في المصنع ، واستخدم في البناء للمرة الأولي. . بينما يتغير طوب هياكلنا في كل دقيقة ، بل في كل ثانية ، إن خلايا أجسامنا تنقص بسرعة ، كالآلات التي تتآكل باحتكاكها واستهلاكها ، ولكن هذا النقص يعوضه الغذاء ، فهو يهيئ للجسم قوالب الطوب التي يحتاج إليها بعد نقص خلاياه واستهلاكها (82) . فالجسم الإنساني يغير نفسه بنفسه بصفة مستمرة ، وهو كالنهر الجاري المملوء دائما بالمياه ، لا يمكن أن نجد به نفس الماء الذي كان يجري فيه منذ برهة ، لأنه لا يستقر فالنهر يغير نفسه بنفسه دائما ، ومع ذلك فهو نفس النهر الذي وجد منذ زمن طويل ولكن الماء لا يبقي ، بل يتغير.
وجسمنا مثل النهر الجاري ، يخضع لعملية مستمرة حني إنه يأتي وقت لا تبقي فيه أية خلية قديمة في الجسم ، لأن الخلايا أخذت مكانها. هذه العملية تتكرر في الطفولة والشباب بسرعة ، ثم تستمر بهدوء ملحوظ في الكهولة. ولو حسبنا معدل التجدد في هذه العملية فسوف نخرج بأنها تحدث مرة كل عشر سنين. إن عملية فناء الجسم المادي الظاهري تستمر ، ولكن الإنسان في الداخل لا يتغير ، بل يبقي كما كان علمه وعاداته وحافظته وأمانيه وأفكاره ، تبقي كلها كما كانت. إنه يشعر في جميع مراحل حياته بأنه هو (الإنسان السابق) ، الذي وجد منذ عشرات السنين ولكنه لا يحس بأن شيئا من أعضائه قد تغير ، ابتداء من أظافر رجليه حتى شعر رأسه.
ولو كان الإنسان يفني الجسم ، لكان لازما أن يتأثر علي الأقل بفناء الخلايا وتغيرها الكامل ولكننا نعرف جيدا أن هذا لا يحدث ؛ وهذا الواقع يؤكد أن (الإنسان) أو (الحياة الإنسانية) شيء آخر غير الجسم ، وهي باقية رغم تغير الجسم وفنائه ، وهو كنهر مستمر فيه سفر الخلايا بصفة دائمة! وهذا هو الأمر الذي دعا عالما أن يصف الإنسان: بشيء مستقل بذاته وباق غير متغير ، رغم التغيرات المتسلسلة. فهو يعتقد:
(أن الشخصية هي عدم التغير في عالم التغيرات) - (Personality-is Changeless in Change)
ولو كان الموت فناء (للإنسان) ، فمن الممكن أن نقول- بعد كل مرحلة من مراحل حدوث هذا التغير الكيماوي الذي يجري في الجسم- إن الإنسان قد مات ، وإنه يعيش حياة أخري جديدة بعد موته! ومعناه أن الرجل الذي أراه في الخمسين من عمره ، وهو يمشي في الشارع علي رجليه ، قد مات خمس مرات في هذه الحياة القصيرة ؛ فإذا لم يمت هذا الإنسان بعد فناء أجزاء جسمه المادية خمس مرات ، فكيف أستطيع أن أعتقد بأنه مات في المرة السادسة علي وجه اليقين؟ ولا سبيل له الآن إلي الحياة؟
إن بعض الناس لن يسلموا بهذا الاستدلال ، وسيقولون: إن العقل ، أو الوجود الداخلي الذي نسميه (إنسانا) ليس بشيء آخر ، ولم يوجد إلا نتيجة علاقة الجسم بالعالم الخارجي ، وإن الأفكار والأماني لا توجد خلال العمل المادي إلا كالحرارة التي توجد نتيجة احتكاك قطعتين من حديد!
إن الفلسفة الحديثة تنكر (الروح) بشدة ، ويعتقد السير جيمز: أن (الشعور) لا يوجد كوحدةEntity، وإنما هو وظيفة Function ، وتفاعل وتنسيق Process. . وقد أصر الكثيرون من فلاسفتنا المحدثين علي أن (الشعور) في ذاته ليس إلا التفاعل والرد العصبي لما يحدث من حركة ونشاط في العالم الخارجي. وبناء علي هذه النظرية لا مجال للتساؤل عن إمكان الحياة بعد الموت ، نظرا لتحلل النظام الجسماني ، ولأن المركز العصبي في الجسم لم يعد له وجود ، وهو الذي كان يتفاعل وينسق مع العالم الجسماني الخارجي ؛ وهم يعتقدون بناءا علي هذا أن نظرية الحياة بعد الموت أصبحت غير ذات أساس عقلي أو واقعي.
سوف أقول: إنه لو كانت هذه هي حقيقة الإنسان فلنجرب أن نخلق إنسانا حيا ذا شعور ن ونحن-اليوم- نعرف بكل وضوح جميع العناصر التي يتألف منها جسم الإنسان ، وهذه العناصر توجد في الأرض وفي الفضاء الخارجي ، بحيث يمكننا الحصول عليها ، وقد علمنا دقائق بناء النظام الجسماني ، وعرفنا هيكله وأنسجته ، ولدينا فنانون مهرة يستطيعون أن يصنعوا أجسامنا كجسم الإنسان ، بكل مواصفاتها ، فلنجرب-لو كان معارضوا الروح يصرون علي حقيقة مبدئهم- ولنصنع مئات من أمثال هذه الأجسام ، ولنضعها في شتي الميادين في بقعة الأرض الفسيحة ، ثم لننتظر ذلك الوقت الذي تمشي فيه هذه الأجسام وتتكلم وتأكل (بناء علي تأثيرات العالم الخارجي) ! ؟
فهذا عن إمكان بقاء الحياة بعد الموت.
ثانيا: ضرورة الآخرة:
لنفكر الآن في الأسباب التي أقام الدين عليها دعوته إلي الإيمان بهذه النظرية: إن الحياة كما نتصور ليست (غدوا ورواحا) ، كما يراها الفيلسوف الألماني (نيتشه) ، والتي تمتلئ وتخلو كالساعة ، ولا هدف لها أكثر من ذلك. . إن الحياة (الآخرة) ذات هدف عظيم هو المجازاة علي أعمال الدنيا ، خيرا أو شرا. وهذا الجزء من نظرية الآخرة يكاد يتضح جليا حين نعلم أن أعمال كل إنسان تحفظ وتسجل بصفة دائمة ، وبغير توقف. وللإنسان ثلاثة أبعاد ، يعرف من خلالها ، هي: نيته ، وقوله ، وعمله. وهذه الأبعاد الثلاثة تسجل بأكملها. فكل حرف يخرج عن لساننا ، وكل عمل يصدر عن عضو من أعضائنا-يسجل في الأثير (الفضاء) ؛ ويمكن عرضه في أي وقت من الأوقات بكل تفاصيله ، لنعرف- إذا شئنا- كل ما قاله أو فعله أي إنسان في هذه الحياة الدنيا ، من خير أو شر.
إن الأفكار تخطر علي بالنا ، وسرعان ما ننساها ، ويبدو لنا أنها انتهت ، فلم يعد لها وجود ولكنا ، بعد فترة طويلة ، نراها رؤى خلال النوم ، أو نذهب نتكلم عنها في حالات الهستريا أو الجنون ، دون أن ندري شيئا مما نقول. وهذه الوقائع تثبت قطعيا أن العقل أو الحافظة ليست تلك التي نشعر ونحس بها فحسب ، وإنما هناك أطراف أخري من هذه الحافظة لا نشعر بها ، وهي ذات وجود مستقل ، وذات كيان قائم بنفسه.
ولقد أثبتت التجارب العلمية أن جميع أفكارنا تحفظ في شكلها الكامل ، ولسنا قادرين علي محوها أبدا ، وأثبتت هذه التجارب أيضا أن الشخصية الإنسانية لا تنحصر فيما نسميه (الشعور) ، بل هناك أجزاء أخري من الشخصية الإنسانية تبقي وراء الشعور ، يسميها فرويد: (ما تحت الشعور) ، أو (اللاشعور) . وهذه الأجزاء تشكل جانبا كبيرا من شخصيتنا ، بل هي الجانب الأكبر منها ؛ ومثلها كمثل جبل من الجليد في أعالي البحار ، أجزاؤه الثمانية مسكنة تحت الماء ، علي حين يطفو منه إلا الجزء التاسع. وتلك هي ما نسميه: (تحت الشعور) ، الذي يسجل ويحفظ كل ما نفكر فيه ، أو ننتويه.
يقول (فرويد) في محاضرته الحادية والثلاثين:
(إن قوانين المنطق ، بل أصول الأضداد أيضا ، لا تحول دون عمل(اللاشعور) I D وإن الأماني المتناقضة موجودة فيه جنبا إلي جنب ، دون أن تقتضي واحدة منها علي الأخرى ، ولا شيء في اللاشعور يشبه أن يكون (رفضا) لشيء من هذه المتناقضات. إننا نتحير لما نشاهده من أن اللاشعور يبطل رأي فلاسفتنا القائلين بأن جميع أفعالنا العقلية الشعورية تتم في زمن محدد ، ولكن لا شيء في اللاشعور يطابق الفكر الزمني ، ولا يوجد فيه أي رمز لمضي الوقت وسريانه ، وهي حقيقة محيرة. ولم يحاول الفلاسفة أن يتأملوا حقيقة ، هي أن مضي الزمن لا يحدث أي تغيير في العمل الذهني ؛ إن الدوافع الحبيسة (Conative impulses) التي لم تخرج قط عن اللاشعور ، وحتى التأملات الخيالية التي دفنت في اللاشعور-تكون أزلية في الحقيقة والواقع ، وتبقي محفوظة لعشرات السنين وكأنها لم تحدث إلا بالأمس (83 ) ) .
وقد سلم علماء النفس بهذه النظرية بصفة عامة اليوم ، ومعناها أن كل ما يخطر علي بال الإنسان من الخير والشر ، ينقش في صفحة اللاشعور ، فلا يزول إلي الأبد ، ولا يؤثر فيه تغير الزمان وتقلب الحدثان ، ويحدث هذا علي رغم الإرادة الإنسانية-طوعا أو كرها.
ولم يستطع (فرويد) أن يدرك ما يكمن خلف هذه العملية من أسباب وعلل ، وأية خدمة تؤديها في مصنع الكون؟ ولهذا نراه يدعو الفلاسفة إلي التفكير والتأمل. ولكنا لو قارنا هذا الواقع مقرونا إلي نظرية الآخرة لاستطعنا أن نصل إلي حقيقتها بسرعة ، إن هذا الواقع يؤكد بكل صراحة إمكان وجود سجل كامل لأعمال الإنسان في حيازته ، عندما يبدأ حياته الأخرى ، فإن وجوده نفسه سوف يشهد علي الأعمال والنيات التي عاشها:
(ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ، ونحن أقرب إليه من حبل الوريد(84) .
(أ) مسألة القول:
ولنتناول هنا مسألة (القول) : إن نظرية الآخرة تقول بأن الإنسان مسئول عن (أقواله) ، فجميع ما نلفظه من كلام ، حسنا كان أو قبيحا ، حمدا أو سخطا ؛ وسواء استعملنا اللسان في إبلاغ رسالة الحق ، أو استعملناه في إبلاغ رسالة الشيطان ، كل ذلك يحفظ في سجل كامل: (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد(85 ) ) . وهذا السجل سوف يعرض أمام محكمة ليتم حساب الإنسان.
وإمكان وقوع هذا لا ينافي العلم الحديث ، فنحن نعرف قطعا أن أحدا عندما يحرك لسانه ليتكلم ، يحرك بالتالي موجات في الهواء ، كالتي توجد في الماء الساكن عندما نرمي فيه بقطعة من الحجر. . إنك لو وضعت جرسا كهر بائيا في زجاج محكم الإغلاق من كل جانب ، ثم تضغط عليه ، فلن تسمع صوته ، رغم أن الجرس علي مرأى منك. . لأنه لا يرسل الموجات إلي الخارج ، فهو مكتوم داخل الزجاج ، وهذه الموجات في الظروف العادية تصطدم بطبلة الأذن ، التي تقوم آليا بإرسال هذه الموجات إلي العقل ، فما نفهمه من المعني ، يسمي (سماعا!)
ولقد ثبت قطعيا أن هذه الموجات تبقي كما هي في (الأثير) إلي الأبد ،بعد حدوثها للمرة الأولي ، ومن الممكن سماعها مرة أخري. ولكن علمنا الحديث عاجز حتى الآن عن إعادة هذه الأصوات ، أو بعبارة أصح: عن أن يضبط هذه الموجات مرة أخري ،مع أنها لا تزال تتحرك في الفضاء من زمن بعيد. ولم يبد العلماء اهتماما خاصا بهذا المجال حتى الآن ، بعد أن سلموا-نظريا- بإمكان إيجاد آلة لالتقاط أصوات الزمن الغابر.كما يلتقط المذياع الأصوات التي تذيعها محطات الإرسال. علي أن المسألة الكبرى التي نواجهها في هذا الصدد ، ليست هي التقاط الأصوات القديمة ، وإنما التمييز بين الأصوات الكثيرة-الهائلة الكثرة-حتي نتمكن من سماع كل صوت علي حدة. . وهذه هي مسألة الإذاعة التي وصلنا فيها إلي حل ؛ فإن آلاف المحطات الإذاعية في العالم تذيع برامج كثيرة ليل نهار ، وتمر موجات هذه البرامج في الفضاء ، بسرعة 186.000 ميلا في الثانية. وكان من المعقول جدا عندما نفتح المذياع أن نسمع خليطا هائلا من الأصوات لا نفهم منه شيئا ، ولكن هذا لا يحدث ، لأن جميع محطات الإذاعة ترسل برامجها علي موجات يختلف طولها ، فمنها ما يرسل برامجه علي موجات طويلة ؛ ومنها ما يرسل موجات قصيرة ، ومتوسطة. وهكذا تمر هذه البرامج في الفضاء بموجات مختلفة طولا ، فتستطيع أن تسمع أية موجة من المذياع ، بمجرد أن تدير عقربه إلي المكان المطلوب.
إن علمائنا لم ينجحوا في اختراع آلة تفرق بين أصوات الزمن القديم ، ولولا ذلك لكنا قد سمعنا تاريخ كل عصر وزمان بأصواته. وبناء علي هذا يثبت إمكان سماع الأصوات القديمة في المستقبل ، فيما لو نجحنا في اختراع الآلة المطلوبة ؛ ومن ثم لا تبقي نظرية الآخرة بعيدة عن القياس ، وهي القائلة بأن كل ما ينطق به الإنسان يسجل ، وهو محاسب عليه يوم الحساب.
وربما كان قياسا مع الفارق الكبير أن نذكر هنا ما حدث عندما كان الدكتور مصدق رئيس وزراء إيران الأسبق مسجونا أثناء محاكمته عام 1953 ، فقد ركبت في غرفته آلة للتسجيل تتحرك آليا ، وسجلت هذه الآلة كل ما نطق به الدكتور مصدق في غرفته ، وقد عرضوا أشرطة التسجيل أمام المحكمة ، شهادة عليه. . وهو نموذج لما يمكن أن يحدث في الآخرة.
إن مناقشتنا لجوانب المسألة لا تنفي وجود ملائكة لله-أو بلفظ آخر-وجود (مسجلين) غير مرئيين ، ينقشون علي صفحة الفضاء كل ما ننطق به من الكلام ، وهو ما يصدق قول الله سبحانه: (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) .
(ب) مسألة العمل:
ولننظر الآن في مسألة (العمل) : ومعلوماتنا في هذا الصدد تصدق بصورة مدهشة إمكان حدوث الآخرة.
فالعلم الحديث يؤكد إيمانه بأن جميع أعمالنا-سواء أباشرناها في الضوء ، أم في الظلام ، فرادي ، أم مع الناس- كل هذه الأعمال موجودة في الفضاء في حالة الصور ، ومن الممكن في أية لحظة تجميع هذه الصور ، حتى نعرف كل ما جاء به إنسان من أعمال الخير والشر طيلة حياته ؛ فقد أثبتت البحوث العلمية أن كل شيء-حدث في الظلام أو في النور ، جامدا كان أو متحركا- تصدر عنه (حرارة) بصفة دائمة ، في كل مكان ، وفي كل حال ، وهذه الحرارة تعكس الأشكال وأبعادها تماما ، كالأصوات التي تكون عكسا كاملا للموجات التي يحركها اللسان ، وقد تم اختراع آلات دقيقة لتصوير الموجات الحرارية التي تخرج عن أي كائن ، وبالتالي تعطي هذه الآلة صورة فوتوغرافية كاملة للكائن حينما خرجت منه الموجات الحرارية (Heat Waves) . ومثاله أنني أكتب الآن في مكتبتي ، وسوف أغادرها بعد ساعة ، ولكن الموجات التي خرجت من جسدي أثناء وجودي ههنا ،ستبقي دائما ، ويمكن الحصول علي تسجيل كامل لجلستي في المكتبة في أي وقت بساطة تلك الآلة ، غير أن الآلات التي تم اختراعها إلي الآن ، لا تستطيع تصوير الموجات الحرارية إلا خلال ساعات قليلة من وقوع الحادث. أما الموجات القديمة فلا تستطيع هذه الآلة تصويرها لضعفها.
وتستعمل في هذه الآلة (أشعة إنفرارد) التي تصور في الظلام والضوء ، علي حد سواء. ولقد بدأ العلماء في بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية استغلال هذه الآلة في تحقيقاتهم ، وذات ليلة حلقت طائرة مجهولة في سماء نيويورك ، فصوروا الموجات الحرارية لفضاء نيويورك بهذه الآلة ، وأدي ذلك إلي معرفة طراز الطائرة ونوعها (86) . . ولقد أطلق علي هذه الآلة اسم: (آلة تصوير الحرارة) Evaporagraph. ونشرت جريدة هندوستان تايمس الهندية تعليقا بمناسبة هذا الاختراع ، تقول: (إننا بفضل هذه الآلة سوف نستطيع أن نشاهد تاريخنا السينما ، ومن الممكن أن تنتهي هذه العملية إلي كشوف عجيبة ، تغير أفكارنا عن التاريخ من جذورها. .)
وإنني أعتبر هذا الاختراع عجيبا كل العجب ، فمعناه أن حياة كل منا تصور علي مستوي عالمي ، كما نسجل آلات التصوير الأوتوماتيكية السريعة جميع تحركات الممثلين السينمائيين. إنك لو صفعت فقيرا ، أو حملت عبئا عن أحد الغرباء ، أو شغل بالك أمر من الخير أو الشر. . فإن جميع تحركاتك تسجل علي شاشة الكون ، حيث لا يسعك منعها أو الهرب منها ، سواء أكنت في الظلام أم في النور. فحياتك كالقصة التي تصور في الاستديو ، ثم تشاهدها علي شاشة السينما بعد حقب طويلة من الزمن ، وعلي بعد كبير من مكان التسجيل ، ولكنك تشعر كأنك موجود في مكان الأحداث ، وهكذا شأن كل ما يقترفه الإنسان ، وشأن الأحداث التي يعيشها ، فإن فيلما كاملا لتلك الأحداث سوف يوضع بين يدي كل فرد يوم القيامة ، حتى يصرخ الناس قائلين:
(يا ويلتنا! ! ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها(87) ؟)