أولا - ضرورة الرسالة:
وينبغي-بعد وضوح إمكان الوحي والإلهام- أن نبحث عما إذا كان (ضروريا) أن يخاطب الله إنسانا ليبلغ كلامه إلي الناس؟
إن أكبر دليل علي هذه الضرورة هو أن الأمر الذي يخبر عنه الرسول من أهم الأمور التي تتعلق بحياة الإنسان ومصيره ، والإنسان لا يستطيع أن يصل إلي تلك الحقائق بجهوده الشخصية ، إنه يبحث منذ آلاف السنين عن حقيقة الكون كي يفهم أسرار بدء الحياة ونهايتها ، وحقائق الشر والخير وكيفية صوغ الإنسان من أجل الإنسانية ، وتنظيم أجهزة الحياة حتى تستطيع الإنسانية أن تسير قدما في طريق الخير والرفاهية. . ولم تكلل هذه الجهود بالنجاح إلي يوم الناس هذا. فقد كشفنا عن أسرار الحديد والبترول ، وتعرفنا علي حقائق الطبيعة بعد جهد قصير ، ولكننا عاجزون عن كشف (علم الإنسان) رغم أن جهود أعظم عقولنا العبقرية تواصل البحث عن هذا العلم ولم تستطع حتى الآن تحديد مبادئه وأسسه. إن هذا هو أكبر دليل علي أن الإنسان يحتاج إلي هدي الله من أجل أن يعرف نفسه!
ومن المسلم عند الإنسان الجديد أنه لم يفلح بعد في كشف لغز الحياة ، ولكنه علي كل حال يأمل في أن يساعده القدر يوما لرفع القناع عن هذا السر المعقد ، ولا ريب أن عجز مجتمع العلم الصناعة عن إشباع الحاجات النفسية للإنسان يؤكد الفكرة التي تقول: (إننا أعطينا أهمية غير عادية للعلوم المادية ، علي حين تركنا العلوم الإنسانية في مراحلها البدائية) ، أما الذين دفع بهم طموحهم الجارف إلي العمل في هذا المجال ، مجال (العلوم الإنسانية) فهم كذلك لم يستطيعوا كشف شيء ما ، بل لجوا في ضلال يعمهون ، يقول الدكتور إلكسيس كيريل (الحائز علي جائزة نوبل للعلوم) :
(إن مبادئ الثورة الفرنسية ، وأفكار ماركس ، ولينين ، لا تنطبق إلا علي الإنسان العقلي المثالي. ومن الواجب أن نشعر بصراحة تامة بأن قوانين العلاقات الإنسانية لم تكشف بعد.
أما الاجتماع والاقتصاد وما أشبههما ، فهي علوم افتراضية محضة ، بدون أدلة يمكن إثباتها بها (111 ) ) .
ولا شك أن علومنا الجديدة قد فتحت مجالات أمام الإنسان ، ولكنها في نفس الوقت جعلت المسألة أكثر تعقيدا ، ولم تساعد في حل الأزمة في أية مرحلة.
ويقول الأستاذ ج. و. ن. سوليفان:
(إن الكون الذي كشفه العلم الحديث هو أكثر غموضا وإبهاما من التاريخ الفكري بأكمله ، ولا شك في أن علمنا عن الطبيعة أكثر غزارة من أي عصر مضي ، ولكن هذه المعلومات كلها غير مقنعة ، فنحن نواجه اليوم الإبهام والمتناقضات في كل ناحية(112 ) ) .
هذه الكارثة المؤسفة التي نقف أمامها ، بعد بحث طويل في العلوم المادية عن سر الحياة ، تدلنا علي أن إدراك سر الحياة لن يتاح للإنسان (113) .
إن أحوالنا تحتم علينا معرفة سر الحياة ، إذ أننا لا نستطيع مواصلة الحياة في أكمل صورها دون معرفته ؛ ولذلك كان خير ما نتمنى بقلوبنا أن ندركه ، ولا يرضي أسمي جزء من شخصيتنا ، وهو العقل ، أن يطمئن بدونه. فحياتنا مبعثرة لفقداننا هذه الحقيقة.
سر الحياة هو ضرورتنا الكبرى ، هذا من ناحية ، ولكننا ، من ناحية أخري ، لا نستطيع أن نظفر به جهودنا وحدها. .
هذه الحالة وحدها تكفي لنتبين حاجتنا الشديدة إلي (الوحي) ، فأهمية سر الحياة ، ثم خروج هذا السر عن دائرة قوي الإنسان ، يدل علي أنه لابد أن تأتي المعرفة من الخارج أيضا ، كالضوء والحرارة اللذين توقف عليهما حياة الإنسان ، ولكنهما هيئا من الخارج (114) .
إن مهمتنا بعد التسليم بإمكان الوحي وضرورته ، هي أن نبحث عن الإنسان الذي يدعي أنه نبي. . هل هو صاحب الوحي في الحقيقة؟. . لقد نصت العقيدة الدينية علي مجيء عدد كبير من الأنبياء ، ولكننا سوف نبحث في هذا الباب عن نبوة رسول الإسلام: سيدنا محمد بن عبد الله (صلي الله عليه وسلم) ؛ فإن سائر الأنبياء من قبله تثبت تلقائيا لو ثبتت نبوته ، لكونه آخر الأنبياء ، ولأنه يصدقهم ولا ينكرهم ، ولأن نجاة البشرية أو هلاكها في معركة الحياة رهن بإيمانها بهذا النبي ، أو تكذيبها إياه.
لقد ولد الطفل بمكة صبيحة يوم29 أغسطس من عام 570م وعندما بلغ الأربعين من عمره ، أعلن أن الله تعالي أرسله خاتما للنبيين وكلفه بإبلاغ رسالته إلي جميع فئات الجنس البشري ، وأن من اتبعه نجا في الحياة الآخرة ، ومن كذبه فهو في خسران مبين.
إن أصداء هذا الصوت تمر فوق رؤوسنا اليوم بأشد قوتها ، وهو ليس بصوت عادي تتجاهله الآذان. . فهو أكبر نداء في تاريخنا يدعونا إلي تفكير دقيق ، وعلينا أن ندرسه بدقة فإما قبلناه وهو صادق وإما رفضناه لو وجدناه كاذبا. . . وهيهات.
ثانيا- مقياس الرسالة:
كل فكر يمر بثلاث مرحل ، حتى يصبح حقيقة علمية:
المرحلة الأولي: الفرض Hypothesis
المرحلة الثانية:الملاحظة Observation
المرحلة الثالثة: التحقق Verification
والمرحلة الأولي من الحقائق هي أن نفترضها ، ثم نشاهدها وندرسها ، لنتبين صدقها أو كذبها ، فإن وجدناها صحيحة في ضوء الدراسة ، قبلناها ؛ لتصبح حقيقة علمية ، وقد ينقلب هذا الوضع فإننا في بعض الأحيان نشاهد أشياء نتوصل بها إلي نظرية ثم نبدأ البحث في ضوئها.
وبناء علي هذا الأساس فإن دعوى النبوة (فرض) . وعلينا أن نفتش عما إذا كانت (الملاحظات) تؤيد هذا الفرض؟ فإذا أيدته المشاهدات أصبح (حقيقة) مصدقة ،يلزمنا قبولها. .
ولكن ما الملاحظات التي نحتاج إليها لاختبار هذا الفرض؟
وما المظاهر الخارجية التي تؤيد كون محمد (صلي الله عليه وسلم) نبيا حقا؟
وما الخصائص والميزات التي اجتمعت في الرسول ، ولا نجد لها تفسير إلا إذا قلنا: إنه كان نبيا!
في رأيي أنه لابد من مقياسين لاختيار الأنبياء:
أولا: أن يكون رجلا مثاليا بصورة غير عادية ، فإن الذي يصطفي ليكون كليم الله ، وليكشف للإنسان برنامج الحياة وسرها ، لابد أن يكون أسمي شخصية في النوع الإنساني ، كما لابد أن يكون حاملا مثل الحياة العليا. فإذا كانت حياته الذاتية متصفة بهذه الصفات فهي أكبر دليل علي ما يقول ؛ إذ لو كانت دعواه باطلة لما كان ممكنا أن تتجلي هذه الحقيقة الكبرى في حياته الذاتية ، حتى تسمو به فوق سائر الإنسانية ، خلقا وشمائل.
ثانيا: أن يكون كلامه ورسالته مملوئين بجوانب يستحيل حصولها لإنسان العادي ، ولا تؤمل إلا ممن ظفر بمعرفة رب الكون ، بحيث لا يمكن للعامة محاكاة ما جاء به النبي من وحي الله.
إننا سوف نبحث عن الرسول في ضوء هذين المقياسين.
لقد شهد التاريخ بكل قطعية أن محمدا صلي الله عليه وسلم كان يتمتع بسيرة غير عادية ، ومن الممكن للمتعصبين إنكار أية حقيقة مهما كانت واضحة ، كما أن من الممكن للمنكرين ادعاء أي شيء في سبيل الاستغلال ، إذا كانوا غير راضين بالنتيجة مهما كانت صادقة وبدهية! وحسبنا أن نذكر علي ذلك موقفا من حياتنا الحديثة! فقد شاهدنا منذ سنين قليلة مثالا ساخرا لهذا المبدأ ، عندما هاجمت الصين الشعبية حدود الهند الدولية ، وأخذت الصين إزاء احتجاج الهند تتهم الهند نفسها بالعدوان! !
وفي الخطاب الذي أرسله رئيس وزراء الصين إلي الهند والذي أذيع نصه بدلهي في يناير عام 1960 ، ادعت الصين أن لها حقا في أراض هندية تبلغ مساحتها 220.000 كم مربعا! ! ويقول رئيس وزراء الصين: إن القوات الصينية لم تتقدم إلا لتدفع بالقوات الهندية المحتلة إلي الوراء! !
أليس هذا منطق التعصب والاستغلال! !
أما الذي لا يشكو من داء التعصب ، ويهيئ عقله لمطالعة الحقائق بقلب مفتوح واع ، فإنه سيسلم بعد دراسته بأن حياة محمد صلي الله عليه وسلم كانت أرقي وأحلي حياة شهدها البشر.
لقد أخبر محمد بن عبد الله بالنبوة وهو في الأربعين من عمره ، وكان قد اشتهر قبل هذا بدور أخلاقي ممتاز حتى لقبه الناس (بالصادق الأمين) ، وكانت قريش قد أجمعت علي أنه يستحيل أن يكذب أو يخون الأمانة.
ومن الأحداث التي جرت قبل إعلانه النبوة بخمس سنين أن أهل مكة أرادوا بناء الكعبة من جديد وكانت قريش هي صاحبة الأمر فاختلفت فيمن سيضع الحجر الأسود في مكانه ، واستمر الخلاف أربعة أيام أو خمسة ، وأوشكت السيوف أن تبرز وكاد القوم أن يتناحروا ، ثم اتفقوا علي أن يكون الفيصل في هذه القضية أول من يدخل البيت الحرام صباح غد ، وفي اليوم التالي شاهدوا أن الإنسان الأول الذي دخل البيت كان محمدا فنادوه قائلين: (هذا الأمين ، رضينا(115) ).
إنا لا نعرف شخصية في التاريخ الإنساني تمتعت بهذا الإجلال والتكريم والتقدير وبهذه السيرة غير العادية ، ثم أصبحت موضع نزاع بعد مضي أربعين سنة من عمرها.