فهرس الكتاب

الصفحة 1095 من 3028

لا يجب أن نتوقع من الغرب أن يغير من سياسته تجاه العالم الإسلامي، فهذا تفكير سفيه، حيث أن الغرب سيستمر بسياساته المبنية على الصراع بين أمن الطاقة وعولمة الرأسمالية وترويج الديمقراطية العلمانية وأقلمة الإسلام المعتدل. وبالتالي فإن أي محاولة من الغرب لفرض الديمقراطية بالقوة وعن طريق الاحتلال في العالم الإسلامي ستؤدي فقط إلى تقوية الحركة الإسلامية. كما أن الاستمرار في دعم الأنظمة الديكتاتورية والملكية التي تهدف إلى القضاء على الحركة الإسلامية وتعارض قيام الخلافة يؤكد للجماهير أن الغرب ينوي الاستمرار بشن حملته الصليبية عليهم. وقد وفرت هذه الظروف البيئة المناسبة لانهيار الأنظمة المحلية وقيام الخلافة وبالتالي وقوع تغيير جذري في النظام العالمي.

جذور إحياء الحركة الإسلامية

إن الفراغ الأيديولوجي الذي وجد بعد فشل التجربة الشيوعية في روسيا حول تركيز النقاش الدولي إلى الإسلام وإذا ما كان بإمكانه أن يملأ هذا الفراغ ويصبح تحديًا أمام النظام العلماني الليبرالي العالمي المنتصر بقيادة الولايات المتحدة وأوروبا. وبعد الانهزام الأيديولوجي وغير المتوقع للشيوعية، اعتبر الأكاديميون الذين ترعرعوا في بيئة من التقاليد الغربية العلمانية الليبرالية أن إحياء الحركة الإسلامية هي عبارة عن رد فعل لسمو الأيديولوجية الغربية ولغز استراتيجي ولكن ليس بمقدورها أن تقف كتحدي أمام النظام الغربي العالمي. لقد سيطر هذا التفكير على الأدب الغربي وأدى إلى خطأ فادح في فهم وتفسير أساس إحياء الإسلام وتحديه للنظام العالمي.

لقد ارتكب الأكاديميون وصناع السياسة الغربيين خطأً كبيرًا عندما حللوا مصدر إحياء الإسلام والظروف التي حفزته على أنهم أمرًا واحدًا، فلم يتم فصل ينبوع الأفكار عن البيئة السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي عززت نموها. أما بناء الحركة الإسلامية، التي تهدف إلى إعادة إحياء الإسلام بأكمله عن طريق قيام الخلافة، فتعود جذوره إلى مصدر إلهامه ألا وهو القرآن الكريم.

يعتبر القرآن في العالم الإسلامي المشروع المثالي للأفكار ويعود الفضل له في وضع نهاية للتاريخ قبل 1200 عامًا قبل أن يضع فرانسس فوقياما"العلامة القياسية"من خلال الثورة الفرنسية. إن الإيمان بكمال القرآن وبالتالي بقوانين الله النابعة منه يزرع جذور الغضب الإسلامي ويجعل من قيام تضارب الحضارات بين الإسلام والليبرالية العلمانية أمرًا لا مفر منه.

وفيما يتعلق بفشل الإسلام السياسي المذكور، فإن النقاش الأكاديمي الغربي يلحق العولمة الغربية لدرجة أنه يكوِّن فرضية عن الإسلام بصورته الخاصة المنتزعة من القرآن ومن إرث الفقه الإسلامي وكذلك قوة الحركة الإسلامية، إن الإيمان بأن القرآن عالمي وأن هنالك توافق بين المادة والروح يجعلان من عملية حرف الإسلام أمرًا غير ممكنًا.

وهنالك نقاش حاد من قبل الحركة الإسلامية مبني على آيات القرآن، حول القاعدة التي يقوم عليها الغرب العلماني"أعط ما لله لله، وما لقيصر لقيصر"، وتضيف أنه لا يوجد مرادفات للمفاهيم الغربية التشريعية في الحوار الإسلامي الكلاسيكي أو المعاصر.

وفي الواقع، إن القول بأن الإسلام السياسي قد فشل لأنه لم يتمكن من التأقلم مع الحداثة الغربية ومع البنية السياسية الغربية لا يعتبر محاكمةً لفشل الإسلام السياسي، بل إنه برهان آخر على أن الإسلام وهندسة السياسة الغربية لا يتلاءمان من الأصل. ومن ناحية أخرى فإن قيام الحركات الإسلامية بتقديم بنية الخلافة، كبديل سياسي ونظامي للأنموذج الغربي العلماني الحالي، يمثل نجاحًا للإسلام السياسي.

بلا شك إن الوضع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي في العالم الإسلامي قد دعم قضية الحركات الإسلامية ولكن على عكس افتراضات الغرب فإن الحل لا يكمن في الليبرالية العلمانية أو الرأسمالية بل في الإسلام. ولا بد من التوصل لمثل هذه النتيجة نظرًا لما تحمله العالم الإسلامي خلال عقود من التدخل الغربي سواء عن طريق الاستعمار أو صراع القوى الكبرى أو الصداقات القاسية مع الديكتاتوريات غير الإسلامية باسم الاستقرار ومصالح الأمن فيما يتعلق بالنفط. والاستعمار الغربي والذل والتدخل يؤكد للجماهير الإسلامية أن الغرب هو سبب معاناتهم، وليس الإسلام. ولهذا فقد شرعت الجماهير الإسلامية بالبحث عن بديل في الإسلام على أمل أن يعيد لهم كرامتهم وقوتهم ويوفر لهم الحماية والاستقرار من خلال نظام مكرس للفرد والدولة والمجتمع. وإذًا إنه لأمر طبيعي أن يربطوا آمالهم هذه بالقرآن والإرث الإسلامي وبالخلافة. وإن محاولات الغرب إبطال عملية الإحياء هذه وقيام الخلافة عن طريق التدخل العسكري والسياسي والثقافي والاقتصادي سيشعل نار المسلمين أكثر فأكثر.

البعث (الإحياء)

إن النداء إلى قيام الخلافة على يد الحركة الإسلامية يتجاوز الحدود الاستعمارية الزائفة التي رسمها الغرب بعد زوال الخلافة العثمانية. فاليوم، يواجه كل نظام في العالم الإسلامي خطرًا يهدد وجوده بسبب قيام الحركة الإسلامية التي تتعدى الوطنية. علمًا بأن رفض الوطنية باعتبارها هدامة ومفرقة، مدعوم بمراجع من القرآن والشريعة والتاريخ مما يعزز المطالبة بإلغاء الدول القائمة على الوطنية في العالم الإسلامي وإقامة خلافة واحدة بدلًا منها. كما ونتج عن الانهيار السوفيتي توسع سريع للحركة حيث ملأت الفراغ في القوقاز وآسيا الوسطى مكملةً المساحة التي شملها الإحياء الإسلامي.

إن الإيمان بأن الإسلام هو مصدر شامل للتشريع موجه للفرد والدولة والمجتمع إضافةً إلى الحركة العالمية في الهجرة والأفكار والمعلومات قد مكن العالم الإسلامي من تخطي شعورهم بالانحطاط الفكري والتكنولوجي والسياسي أمام الحضارة الغربية. يتوفر في العالم الإسلامي ثروة معدنية واستراتيجية وفكرية ومصادر إنسانية مما يضمن وجود ثقة فكرية حول القدرة على إقامة خلافة تتحدى وتتفوق على السمو الغربي العسكري والتكنولوجي. وبالتالي ليس من المفاجئ أن يعمل أعضاء في الحركة الإسلامية ذو ثقافة وتعليم عالي من بوتقة الحضارة الغربية في واشنطن وباريس وروما على قيادة الترويج العالمي للخلافة وبنجاح.

أدت عدة عوامل، بدايةً بقيام إسرائيل وحتى غزو العراق، إلى تغيير جذري في الجو والبنية السياسية في العالم الإسلامي. إن البلوغ السياسي في العالم الإسلامي لم يعد عاجزًا كما كان في المرحلة الأخيرة من الخلافة العثمانية وذلك بفضل تثقيف الحركة الإسلامية للجماهير الإسلامية وأيضًا بمساعدة السياسية الغربية، ومؤخرًا تلاقي المشاريع التي طورتها القوى الغربية بمشاركة الأنظمة المحلية لصرف نظر الشعوب عن الحركة الإسلامية وسحقها خلال الثمانين عامًا الأخيرة تمثل تهديدًا متزايدًا نظرًا لانتشار الوعي السياسي. وقد لاقت الحرب على الإرهاب وغزو العراق تحليلًا في العالم الإسلامي مفاده أن هذه حرب على الإسلام وسياسة متبعة لإبطال قيام الخلافة. ومن هنا، لم تعد الحركة الإسلامية تفرق بين السياسة الغربية والحكومات المحلية. ومع مزيدًا من التثقيف السياسي، فإن الاتجاه نحو تغيير النظام يصبح واقعيًا أكثر بنظر الحركة الإسلامية عنه بنظر القوى الغربية.

تحدي النظام العالمي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت