فهرس الكتاب

الصفحة 1096 من 3028

سيشهد 1400 عامًا من تاريخ الخلافة في غضون الفكر العلمي والعسكري والاقتصادي والسياسي على قيام انقلاب قريب في البنية الدولية التي تسيطر عليها كل من الولايات المتحدة وأوروبا. وتمامًا كما تعود الحضارة الغربية دائمًا إلى مصادر إلهامها الكلاسيكية القادمة من اليونان وروما، كذلك فإن الحركة الإسلامية قد قررت العودة من ماضيها إلى مستقبلها.

لقد شكل إنجاز الحركة الإسلامية بعث الحياة في مصادر الإسلام الكلاسيكية وتحويلها إلى نموذج حديث يتحدى الأيديولوجية الغربية، وقد شكل هذا نواة مقاومتها ضد الشيوعية بكونها نظام سياسي. ويقاوم نفس هذا النموذج اليوم النظام الرأسمالي العلماني العالمي.

ومن أجل تطبيق هذا النموذج، قامت الحركة الإسلامية بتفصيل النماذج الاقتصادية والاجتماعية والسياسية البديلة. وقد اشتقت القوانين الشاملة من القرآن والمصادر الكلاسيكية وصولًا إلى المعاملات الاقتصادية والعلاقات الاجتماعية وقانون العقوبات والتشريع والحكم والسياسة الخارجية مما زاد من ثقة الجماهير الإسلامية على أن الإسلام والخلافة قادران على تقديم الحلول للمشاكل المعاصرة.

ومما يثبت أن قوى الغرب لن تواجه سوى مشاكل صغيرة مع البنية الاجتماعية ونظام الحكم في الخلافة هو سياستهم الخارجية التي يستخدمونها تجاه الأنظمة الديكتاتورية المتتالية في هذه الأيام. بل أن التحدي الحقيقي الذي سيواجه المصالح الغربية والرأسمالية العالمية يكمن في مبادئ وسياسات الاقتصاد والجيش والعلاقات الخارجية.

إن تعريف الحركة الإسلامية للمشكلة الأساسية التي تواجه الاقتصاد هي مشكلة في التوزيع وليست مشكلة في الإنتاج كما في الفكر الغربي. وكذلك في نظام الخلافة، سيصبح الفصل بين الدولة والملكية العامة والخاصة بديلًا لنظام الخصخصة في النموذج الاقتصادي. وفكرة رفض أن يكون السوق هو الموزع الوحيد للثروة والبضائع الأساسية سيشكل ضربةًَ قويةً في أفريقيا وآسيا والشرق الأوسط وأمريكيا الوسطى والجنوبية حيث لن يتمكن الاقتصاد الحر والرأسمالية الدولية في تلك المناطق من التغلب على الفقر بالرغم من الوعود بقيام العولمة والتجارة متعددة الأطراف.

وسيتم التعامل مع الثروة المعدنية والتي تشمل النفط والغاز وفقًا لمبادئ الاقتصاد الإسلامي حيث تعتبر هذه الثروة من حق كل مواطن وتتولى الدولة مهمة حفظ حق التصرف بها. وإذًا فإن هذا القانون يتطلب إزالة مصالح النفط الغربية في العالم الإسلامي علمًا أن حصول الغرب الآن على هذه الثروات بثمن زهيد في العالم الإسلامي وبدعم من الحكومات المحلية يجعل من إعادة الخلافة أمرًا ذو أهمية بالغة.

ستقوم الخلافة بدورها (كما فعلت في السابق) ، مدعومةً بثروة النفط والثقة السياسية، بنشر التنظيم المالي والاستقرار في البيئة الاقتصادية المحلية والدولية. وربما يصبح سلاح النفط الأساس من أجل تحصيل الذهب الكافي لدعم النقد (المال) . إن هذا الاستقرار المتوقع في الاقتصاد سيشكل عاملًا أساسيًا من أجل إعادة سيطرة الذهب في السوق الدولي والتخلي عن الدولار وذلك بانهيار ثقة قوة سياسية كانت تعتبر العليا.

إن رفض الحركة الإسلامية لفكرة وجود قانون دولي على صرح عقائدي ومبني على فكر هوبس - سيشكل تهديدًا متزايدًا لوجود الأمم المتحدة. فالخلافة ستقاوم فكرة وجود القانون الدولي والأمم المتحدة كمسيّرة لشؤون الغرب العلماني، على عكس الاتحاد السوفيتي، وهذا الرفض موجود منذ وقت طويل في العالم الإسلامي والنامي. وكبديل لهذا الأمر، ستلجأ الخلافة كما فعلت في السابق إلى تسيير العلاقات الدولية عن طريق الأبحاث والعادات وقوة الرأي العام الدولي.

من المتوقع أن تكون الهيمنة العسكرية للخلافة سريعة، كما أنها ستقوم بإزالة جميع القواعد العسكرية الغربية في العالم الإسلامي وبالتالي لن يعود هنالك للغرب أي حق في استخدام الطرق المائية الاستراتيجية والفضاء الجوي والطرق البرية والتعبئة العسكرية، إضافةً إلى أن توفر الخيار النووي سيجعل هذا الأمر مستحيلًا.

لن تواجه الخلافة نقصًا في توفر العقول النابغة وسيكون لها يد في السوق الدولي من العلماء المفتوح أيضًا لواشنطن وأوروبا. إضافةً إلى ذلك، سيتم بالتأكيد استغلال العقول المسلمة الذكية التي تعمل بشغف في أوروبا والاتحاد السوفيتي العسكري الصناعي السابق وذلك عن طريق ترحيلها من الغرب إلى بلدانها (الإسلامية) .

وكما سبق في التاريخ، لا بد أن يسيطر السعي للقيادة العسكرية وذلك من أجل تعزيز مسيرة الخلافة تجاه القيادة الأيديولوجية العالمية. ولكن، إن القيادة العسكرية لم تمنع الفساد الأيديولوجي خلال فترة الخلافة العثمانية، حيث كان السبب سياسي تمامًا كما حدث في انهيار الاتحاد السوفيتي. ويبدو أن الحركة الإسلامية قد تعلمت درسًا من التاريخ وذلك من خلال إبدائها مهارات سياسية حاذقة في قدرتها بالاحتفاظ بقوتها في العالم الإسلامي. ومن دون شك ستخدم هذه الحنكة السياسية كقوة رائعة تطبقها الخلافة خلال سعيها لإقامة ثورة في النظام العالمي.

قبول الخلافة

في خطاب له خلال المرحلة الأخيرة من تفكيك الخلافة العثمانية، رفع رئيس الوزراء البريطاني السابق، وليام جلاستون، القرآن أمام البرلمان وقال"ما دام هذا القرآن موجودًا في أيدي المسلمين فلن تستطيع أوروبا السيطرة على الشرق". وقد تحقق تنبؤه على أرض الواقع عندما بدأ الاجتهاد (وهو منهج ديني لاستخلاص القانون الإسلامي) والذي مكن الحركة الإسلامية من اللجوء إلى القرآن لحل مشاكل معاصرة كبديل لليبرالية العلمانية الغربية.

ولا تستطيع السياسة الغربية أمام هذا التحدي بالاستمرار بمحاربة الإسلام بشكل غير مباشر أي من خلال الحرب على الإرهاب. كلمة"إسلام"تعني السلام ولكن لهذا الإسلام شروطه من خلال الخضوع الكامل لقانون الله. وبالتالي، بالرغم من تملق كل من واشنطن وأوروبا السياسي تجاه الإسلام إلا أنه من غير الممكن أن يكون هنالك تعايش ما بين الإسلام والحضارة الغربية.

ويبدو أن السياسة الأمريكية المتأثرة بحكم الرئيس ريغن السابق والتي تتسم بطابع المحافظين الجدد آخذةً بربط الخلافة بطابع"أيديولوجية الشر". ولكن، يجب على السياسة الغربية أن تتسم بشجاعة أكبر كي تُعرف الإسلام بكونه التهديد الأساسي، تمامًا كما كان الحال مع الشيوعية. كما أن استمرار حالة الإنكار لدى واشنطن وأوروبا فيما يتعلق بوقوع صراع مع الإسلام، سيولد مزيدًا من الارتباك والإحباط والتناقض بين الأكاديميين والدوائر السياسة الذين يعون جيدًا عدم التوافق بين النظامين.

إلا أن العالم الإسلامي، من جهته، لا يعاني من حالة الارتباك تلك، حيث لا شك أن ما لديه هو أن السياسة الغربية تستهدف الإسلام وتحاول منع قيام الخلافة في قلب الشرق الأوسط، ومما يدل على ذلك الغزو الأمريكي للعراق ورفض أن يكون الإسلام مصدر تشريعه وأن تكون الخلافة بنيته السياسية.

إن بروز الجهاد العنيف العالمي ورد الغرب عليه بشن حرب على الإرهاب قد استقبل بتجاهل من قبل الغرب لأسباب ودوافع بروز شعور مناهض للغرب في العالم الإسلامي. ففي الواقع، إن الجهاد العالمي هو رد فعل محبط لسياسة الغرب التي تتضمن دعم الأنظمة التي تعذب مواطنيها وتعيق الحركة الإسلامية بتحقيق هدفها ألا وهو إقامة الخلافة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت