اللهم لك الحمد خلقتنا من عدم، وكبّرتنا من صغر، وقويتنا من ضعف، وبصرتنا من عمى، وأسمعتنا من صمم، وأغنيتنا من فقر، وعلمتنا من جهل، وهديتنا من ضلالة، لك الحمد بالإيمان، ولك الحمد بالقرآن، لك الحمد بالأهل والمال والمعافاة، كبتَّ عدونا، وأظهرت أمننا، ومن كل ما سألناك ربنا أعطيتنا، فلك الحمد ربي حتى ترضى، ولك الحمد بعد الرضا، ولك الحمد على حمدنا إياك، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
أما بعد: فاتقوا الله عباد الله.
أيها المسلمون، أيها الشرفاء، أيها الأحرار، أيها الرجال، يا أصحاب الغيرة، يا أصحاب النخوة، يا أصحاب الشهامة، لقد عظمت المصيبة، وجلَّ الخطب، وبلغ السيل الزُّبى، واتّسع الخرق على الراقع. لسنا هنا لكي نصرخ ونولول ونبكي عظائم الأمور، بل لوضعِ الحلول والعلاج لهذه القضية العويصة. وفي نظري القاصر أن العلاج لهذه القضية له طرفان: خاص وعام، أما الخاص فعلى مستوى الأفراد، والعام على مستوى المجتمعات.
أما العلاج الخاص لمن أراد الخلاص بصدق وإخلاص فهو:
أولًا: ذكر الله وتلاوة القرآن، قال تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [الأنفال:2] ، وقال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِين [يونس:57] ، وقال جل وعلا: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا [الإسراء:82] . إن الدواء الناجع الذي تطيب به القلوب القاسية هو ذكر الله تعالى، وأعظمه تلاوة القرآن الكريم، فإنَّه حياة القلوب، والقلب الذي ليس فيه شيء من القرآن قلب خرب، عشعشت فيه الشياطين، قلب أغلف محجوب عن رحمة الله تعالى.
ثانيًا: صدق التضرع إلى الله ودوام اللجأ إليه والتباكي بين يديه، فعليك بالإخلاص فإنه خلاصك، ودوام الإنابة إلى رب العالمين، واستحضر عظيم جنايتك التي حالت بينك وبين ربك، واستعِن في ذلك بقراءة آيات الوعيد وقراءة الكتب التي تصف لك الدار الآخرة أو سماع الأشرطة التي يخشع لها قلبك، وقم بين يديه جل جلاله مظهرًا فقرك وشدة احتياجك إليه، وابك على خطيئتك، وادع دعاء الغريق، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ يَدْعُو يَقُولُ: (( رَبِّ أَعِنِّي وَلا تُعِنْ عَلَيَّ، وَانْصُرْنِي وَلا تَنْصُرْ عَلَيَّ، وَامْكُرْ لِي وَلا تَمْكُرْ عَلَيَّ، وَاهْدِنِي وَيَسِّرْ الْهُدَى لِي، وَانْصُرْنِي عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيَّ، رَبِّ اجْعَلْنِي لَكَ شَكَّارًا، لَكَ ذَكَّارًا، لَكَ رَهَّابًا، لَكَ مِطْوَاعًا، لَكَ مُخْبِتًا، إِلَيْكَ أَوَّاهًا مُنِيبًا، رَبِّ تَقَبَّلْ تَوْبَتِي، وَاغْسِلْ حَوْبَتِي، وَأَجِبْ دَعْوَتِي، وَثَبِّتْ حُجَّتِي، وَسَدِّدْ لِسَانِي، وَاهْدِ قَلْبِي، وَاسْلُلْ سَخِيمَةَ صَدْرِي ) )رواه الترمذي.
ثالثًا: حضور مجالس العلم والوعظ والتذكير والتخويف والترغيب، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: (( مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلا نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمْ الْمَلائِكَةُ وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ ) )رواه الترمذي.
رابعًا: ذكر الموت، أكثِر من ذكر هادم اللذات ومفرق الجماعات، وقد كان رسول الله يتعاهد قلوب أصحابه بتذكيرهم بالموت، قال الله تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [الأنبياء:35] ، وقال الله: قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمْ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنْ الْمَوْتِ أَوْ الْقَتْلِ وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلًا [الأحزاب:16] .
يا نفسُ توبِي فإِن الموتَ قد حانا…واعصِ الهوى فالهوى ما زال فَتَّانا
فِي كل يوم لنا مَيْتٌ نشيعهُ…ننسى بِمصرعهِ آثارَ مَوْتانا
يا نفسُ ما لي وللأموالِ أكنزُها…خَلْفي وأخرجُ من دنيايَ عريانا
ما بالُنا نتعامى عن مَصارِعنا…ننسى بغفلِتنا من ليس يَنْسانا
ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ
ولَم أرَ مثلَ الموتِ حقًا كأنه…إِذا ما تخطته الأمانِي باطل
وكلُّ أناسٍ سَوْفَ تَدْخُلُ بَيْنَهُم…دُوَيْهِيَةٌ تَصْفَرّ مِنْهَا الأنامل
الخامس: إيجاد البديل المناسب الموافق لدين الله تعالى، ولن يعدم الإنسان البديل إذا سأل واستشار، المهم هو صدق النية في الخلاص من هذا البلاء المدمر والسيل الجارف، ومن صدق الله صدقه الله.
أما العلاج على مستوى المجتمعات فهو:
أولًا: إيقاف جميع القنوات المشبوهة وما أكثرها، وإيقاف كل قنوات المجون العربية عن طريق قرار سياسي تتخذه القيادات العربية في اجتماعاتها؛ لأن الأمر خطير ويتعلق بمصلحة أمة وشعوب، وله انعكاسات سلبية خطيرة على أجيالنا القادمة، ونحن أمة ذات قيم دينية وحضارة وأخلاق، ولنا قضايا مصيرية ملحة تستوجب إعداد أجيال لنصرتها، ولا يجدر بنا أن ننتظر حتى نؤاخذ بما يفعل السفهاء منا.
ثانيًا: إيجاد القنوات البديلة المناسبة للأسرة والشباب، والتي تخدم قضايا الأمة ومصالحها.
ثالثًا: وضع الخطط والبرامج الملائمة لاحتواء الشباب فكريا واجتماعيًا وثقافيًا.
رابعًا: إبراز القدوات العظيمة التي تمتلئ بها ذاكرة التاريخ من العلماء والنبلاء ورجالات الأمة، وتقديمهم للناس بدلًا من القدوات الساقطة المهينة التي تعلق بها الشباب.
وأخيرًا ما أحوجنا في هذه الأيام إلى كاتب يحمل هم مجتَمعه ناقدٍ صادقٍ بحسِّ المسلم الفطن الكيّس، ما أحوجنا للإعلامي البارع الذي ينتقد الوضع الخاطئ في مجتمعه, نقدا يسكب فيه بلسما يعالج آلام مجتمعه ومآسيه، ما أحوجنا لمثقّف يكشف ببنانه ولسانه زيف المزيفين وحقد الحاقدين، ما أحوجنا لعالم يخرج من مكتبته ودرسه ليرى الخلل في المجتمع ومدى المصائب التي حلت عليه، ما أحوجنا لمن يفتح عقولَ شبابنا على المؤامرات المحيطة به لجرّه بعيدًا عن دينه وهويته وتغريبه عن محيطه الإسلامي.
إن العلاج ليس بالأمر الصعب إذا صدقت النفوس وحسنت النوايا وأريدَ بذلك وجه الله.
رَبِّ أَعِنِّا وَلا تُعِنْ عَلَينا، وَانْصُرْنِا وَلا تَنْصُرْ عَلَينا، وَامْكُرْ لنا وَلا تَمْكُرْ عَلَينا، وَاهْدِنِا وَيَسِّرْ الْهُدَى لِنا، وَانْصُرْنِا عَلَى مَنْ بَغَى عَلَينا، رَبِّ اجْعَلْنا لَكَ شَكَّارين، لَكَ ذَكَّارين، لَكَ رَهَّابين، لَكَ طائعين، لَكَ مُخْبِتين، إِلَيْكَ أَوَّاهين مُنِيبين، رَبِّ تَقَبَّلْ تَوْبَتنا، وَاغْسِلْ حَوْبَتنا، وَأَجِبْ دَعْوَتنا، وَثَبِّتْ حُجَّتنا، وَسَدِّدْ ألِسنتنا، وَاهْدِ قَلْوبنا، وَاسْلُلْ سَخائم صَدْورِنا.
ألا فاتقوا الله عباد الله، وكونوا من المصلحين؛ تحظوا برضا الخالق رب العالمين، وتكونوا عنده سبحانه من المفلحين الفائزين.
اللهم أعنّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، اللهم احفظ بيوتنا وبيوت المسلمين من كل شر ومكروه، اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.