إن من أعظم المفارقات في ديننا أن نكون أغنى الأمم بالنصوص السليمة التي نستطيع أن نصحح بها تاريخنا فنبنيه على أساس قويم من الحقائق العلمية التي لا يتطرق الشك إليها - وأن نكون مع ذلك - أشدّ أمم الأرض إهمالا ً للإفادة من ذلك حتى بقي تاريخنا مضطربًا كما أراده الذين دسوا فيه ما ليس منه، وشوهوا من جماله مما جعل المسلمين يسيئون الظن بأمجاد صفحات ماضيهم ويجهلون أن الجيل المثالي الوحيد الذي عرفته الإنسانية في تاريخها منذ وجد الناس في الأرض إلى الآن هو الجيل الذي شوّه المغرضون سيرته بما دسوه فيه من باطل، وما اختزلوه من حق (16) .
لذلك يجب كتابة التاريخ الإسلامي بأمانة كاملة لا تغفل شيئًا من العثرات، ولا تداري على الانحرافات والاتنكاسات، بل تبقيها كما حدثت في الواقع، وتستخرج العبرة التربوية كما تستخرجها من الأمجاد والبطولات سواء (17) .
سادسًا: تمحيص الروايات وتفنيدها:
إن من خصائص التاريخ الإسلامي طريقة إسناد الروايات إلى أصحابها عبر الأجيال المتلاحقة، وهذه الطريقة تدعو إلى فحص ما في الكتب القديمة بدقة، وتمحيص شخصيات الرواية وفقًا للمنهج العلمي الفريد في الجرح والتعديل المعروف لدى علماء الحديث وما فتئ العلماء ينبهون إلى مراعاة ذلك في علاج الروايات التاريخية (18) .
وإذا نظرنا إلى المصادر الإسلامية القديمة التي كتبها كبار المؤرخين المسلمين نجد فيها ذخيرة ضخمة من الأخبار و الوقائع و الروايات تصلح زادًا للباحث المتعمق و لكنها بصورتها الراهنة لا تصلح للقارئ المتعجل الذي يريد أن يجد الخلاصة جاهزة، ممحصة سهلة الاستيعاب لقد كان أولئك المؤرخون يلتزمون الأمانة العلمية الخالصة، فيثبتون كل ما وصل إلى علمهم من معلومات و إن تعددت الروايات وتناقضت، وإن بعدت عن الاحتمال أحيانًا .. فقد رأوا أن الأمانة تقتضي ألا يهملوا شيئًا مما سمعوا، مع نسبته إلى قائله كلما أمكن ذلك، واجتهدوا في هذا الأمر فسعوا إلى تجميع الأخبار من مظانها بقدر ما وسعهم الجهد، ولكنهم تركوا ذلك كله بغير تمحيص، ربما بدافع الأمانة والتقوى .. ولئن كان في هذه الطريقة من مزية فهي أنها حفظت لنا الوقائع كلها، و لكن عيبها - بالنسبة للقارئ العادي وطالب العلم غير المتمرس - أنها تغرقه في خضم من الروايات والوقائع المتضاربة و المتناقضة أحيانًا (19) .
إن من أهم المآخذ على الكتابة العربية المبكرة للتاريخ الإسلامي هو أن بعض الروايات نحت منحى التأكيد على الحط من شأن العرب وقوعًا تحت تأثير العصبية الجنسية، أو مبالغة في محاولة إبراز محاسن الحياة الإسلامية المغايرة لما قبلها في كثير من مناحيها، وأمر آخر اعترى عملية التدوين التاريخي المتقدم وهو احتضان كثير من الرواة وأهل التصنيف للقصص الإسرائيلية وهذا ما ألقى ظلالًا كثيفة من الأساطير على التاريخ الإسلامي بصفة عامة والسيرة النبوية بصفة خاصة (20) .
تعرض تاريخنا الإسلامي لحملات من الكيد و التشويه في تزوير الوقائع و الأحداث، و في تفسيرها و توجيهها، فمن النوع الأول الروايات المكذوبة التي لا أصل لها بالكلية أو الأخبار التي لها أصل و لكن أضيف إليها ما ليس منها، أو انقص منها حتى تؤدي الغرض المقصود من التشويه و التحريف، أو الوقائع و الأخبار التي توضع في غير سياقها الصحيح، ومن النوع الثاني: تفسير الأحداث و توجيهها حسب الأهواء والمعتقدات وهو الميدان الكبير الذي عاث فيه الحاقدون على هذا الدين وأهله قديمًا وحديثًا وبخاصة المستشرقين ومن تتلمذ على أيديهم وتأثر بهم، ومن انحرف فهمه ولم يرجع إلى أصول عقيدته ودينه، والأمثلة على ذلك كثيرة جدًا سواءً على الأفراد أو الدول أو المفاهيم والموضوعات الإسلامية (21) .
إن من أسوأ ما تعرض له تاريخ البشرية من تزييف وتحريف، كان ولا يزال على يدّ اليهود ومن لف لفهم من المستشرقين وإننا لنجد أنفسنا إزاء نظرة ضيقة أو قلوية تحكمت في عقول الكثيرين وخاصة المستشرقين الذين تأثروا بالتوراة - عهدهم القديم - حيث كانت أسيرة لرد فعل أقلوي عاجز ومستلب إزاء حضارة عامة تتميز بالتماسك والتكامل والشمول والقدرة على التجديد والعطاء (22) .
إن من مصادر التاريخ الإسلامي ما هو في حاجة ماسة إلى التمحيص لأن أخبارها جمعت في فترات الفتن والخلافات السياسية والمذهبية مما جعل أعداء الإسلام يستغلون ذلك، لهذا فإن مصادر التاريخ الإسلامي بحالتها لا تعبر عن الأحداث (23) .
و يؤكد على ذلك عمر الأشقر بقوله: و لا يزال التاريخ الإسلامي بحاجة إلى تصفية، و الأمر يحتاج إلى جهد طويل و همم عالية، و لكنه ليس مستحيلا ً فدواوين الإسلام التي عنيت بالإسلام وتاريخه محفوظة مدونة، وإظهار الزيف والباطل المدسوس ممكن بالطرق التي اتبعها علماء الإسلام في توثيق الروايات (24) .
سابعًا: الأخذ بأسلوب نقدي رصين في التعامل مع الروايات التي قدمتها مصادرنا القديمة:
و ذلك بعدم التسليم المطلق بكل ما يطرحه مؤرخنا القديم، وإحالة الرواية التاريخية قبل التسليم النهائي بها على المجرى العام للمرحلة التاريخية لمعرفة هل يمكن أن تتجانس في سُدَاها ولحمتها مع نسيج تلك المرحلة ؟ هذا فضلا ً عن ضرورة اعتماد مقاييس ومعايير النقدين الخارجي والباطني، وصولا ً إلى قناعة كافية بصحة الرواية، ويمكن الإفادة في مجال النقد الخارجي- إلى حدّ ما - من علمي مصطلح الحديث والجرح والتعديل .. فدراسة التاريخ الإسلامي دراسة جادة تستلزم - بالضرورة - دراسة هذا الموضوع الخطير لكي تقوم الأعمال التاريخية معتمدة على أوثق المصادر وأدق الأخبار، ومنقحة من حشود الدسائس والأباطيل، وسيل الروايات التي نفثتها القوى المضادة في جسد تاريخنا المتشابك الطويل.
ويعقب عماد الدين خليل: .. لابد من الإشارة هنا إلى الملاحظة الطيبة التي بدأها محب الدين الخطيب حول هذه النقطة، فهو يشير إلى أن تاريخ الطبري لا يمكن الانتفاع بما فيه من آلاف الأخبار إلا بالرجوع إلى تراجم رواته في كتاب الجرح و التعديل، أما الذين يحتطبون الأخبار بأهوائهم، ولا يتعرفون إلى رواتها ويكتفون بأن يشيروا في ذيل الخبر إلى الطبري، رواه في صفحة كذا من جزئه الفلاني، ويظنون أن مهمتهم انتهت بذلك، فهؤلاء من أبعد الناس عن الانتفاع بما حفلت به كتب التاريخ الإسلامي من ألوف الأخبار (25) .
إن الخروج من المأزق والوضع السيئ الذي أحاط بكتابة التاريخ الإسلامي في القديم والحديث يتطلب القيام بأمرين اثنين: الأول: تحقيق الروايات التاريخية وفق الموازين النقدية التي اتبعها علماء الحديث النبوي .
والثاني: صياغة التاريخ الإسلامي وفق التصور الصحيح والموازين الشرعية، فالتاريخ الإسلامي تاريخ دين وعقيدة قبل أن يكون تاريخ دول ومعارك ونظم سياسية (26) .
ثامنًا: مراعاة القواعد المهمة في كتابة التاريخ الإسلامي:
يرصد محمد السلمي جملة من القواعد المهمة التي يجب أن يراعيها المسلم في كتابة التاريخ الإسلامي، وفي تدريسه ومن أهم هذه القواعد:
أ ) قواعد في التصور والاعتقاد، وتشمل عددًا من القواعد أيضًا، وهي:
1 -الإيمان بوحدة الأمة الإسلامية.
2 -الحكم الشرعي في مخلفات الأمم الجاهلية .
3 -الفهم الصحيح لعقيدة القضاء والقدر .
4 -الإيمان بالغيب وأثره في توجيه الحوادث التاريخية .
5 -معرفة دور الصحابة و تميز أهل القرون الأولى (تميز أهل القرون الأولى و أفضليتهم و معرفة حق الصحابة وعدالتهم) .
6 -وجوب التفريق بين أخطاء البشر وأحكام الإسلام .