أقول: لعل من أهم الشبهات، أو هو من أهمها ولا ريب.. ما يمكن أن نطلق عليه بالصورة غير المتكاملة بل المشوهة للتاريخ الإسلامي العظيم في واقعه وأسلوبه وطرق عرضه وتدريسه.
إن التاريخ هو القاعدة الذهنية التي تفاخر بها الأمم حتى ولو زورًا، والأمة التي ليس لها تاريخ تحاول بكل ما تستطيع أن تصنع لذاتها تاريخًا..
والأمة الإسلامية وهي أمة الوسطية والشهادة على الناس.. وقد كسرتها الأيام وقعدت بها الهمم نراها تحاول حثيثًا أن تستأنف دورها الريادي في العالم، وتستشرف أن توفق، عبر أجيالها المسلمة في صحوتهم الجسورة، بأن تستعيد العز والتمكن فهي أمة الصبر والنصر.
إننا إذا أردنا أن نستعرض الدراسات التاريخية التي تناولت بالبحث والفحص تاريخنا السابق والراهن لوجدنا أن هذه الأمة هي صاحبة أوسع وأغزر تاريخ عرفته الأرض ابتداء، ولوجدنا كذلك أنه ما من عابث وماكر إلا وقد حاول أن يساهم أو هو ساهم فعلًا في العبث والتلفيق. حتى أن الأولين ومع شديد الأسف لم يحاولوا تمحيص ما نقلوا مما جعل الساحة خصبة أمام المستشرقين وأشياعهم، لكي يقدموا لنا تاريخًا هم كاتبوه ليتوافق مع كفرهم وحقدهم الثابت والمؤكد على هذا الدين.
واليوم واستجابة لتطلعات الصحوة وانسجامًا مع آفاقها الذهنية والحركية، تكاثرت الصيحات الواعية التي تنادي بإعادة كتابة التاريخ الإسلامي بما يتلاءم مع المسيرة الفكرية ومستوى الجهد الدعوي للحركة الإسلامية بمفهومها الشامل..
وحول هذا الموضوع تحديدًا وتحت عنوان (كيف نكتب التاريخ الإسلامي) ألقى الأستاذ الكبير محمد قطب محاضرة قيمة في جامعة أم القرى (شوال 1411هـ) حضرها جمع غفير من الباحثين والمختصين والطلبة ضاقت بهم القاعة والممرات المؤدية إليها على سعتها.
في مستهل المحاضرة أوضح الأستاذ محمد قطب علاقته بهذا الموضوع، فأكد بأن له اهتمامًا شديدًا بالتاريخ على الرغم من كونه ليس مؤرخًا، وأنه قام بتدريس التاريخ الإسلامي عدة سنوات بعد تخرجه.. (وقد أحسست من خلال مطالعاتي وتدريسي أن هنالك شيئًا ما في مناهج التاريخ لقد وجدت أنه ينبغي لنا أن نعيد كتابة التاريخ) .
أهمية المصادر الإسلامية
وأشاد المحاضر بالجهود الهامة التي بذلها المؤرخون المسلمون في تدوين الأخبار والحوادث.. غير أنه يوجه نقدًا موضوعيًا لتقاعس المؤرخين المحدثين في تمحيص ما وجدناه من معلومات وأحداث، حيث تابع قائلًا: (وبصفة عامة فالمصادر الإسلامية التي كتبها كبار العلماء زاخرة بالمعلومات، ولكنها لم تمحص لأسباب كثيرة، تركوا زادًا ضخمًا إنما هو بحاجة لجهد علمي متخصص لا يستطيعه كل قارئ للتاريخ الإسلامي.. ومع الأسف لم يقم مؤرخونا المتأخرون بهذا الجهد، بل قام به المستشرقون، وقدموا لنا تاريخًا هم فصلوه، فماذا ننتظر منهم يا ترى؟ وماذا نتوقع من هؤلاء وإن تظاهروا بالنزاهة والموضوعية والعلمية؟!) .
إن أحد أهم روافد الصحوة الإسلامية هو الاطلاع على التاريخ ودراسته، إنما هذا الاطلاع علم وهذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم كما قال أحد الأئمة.. (فهل يا ترى قمنا بهذا الواجب، واجب أن ننظر عمن نأخذ ديننا) ؟
دور المستشرقين
إن المستشرقين قد قاموا بدور خطير في أسلوب عرضهم للتاريخ الإسلامي، وهم كما يرى الأستاذ المحاضر (ورثة قوم كلفتهم الكنيسة.. لقد كانت أوروبة معرضة لما يمكن أن نسميه بالغزو الفكري الإسلامي! حيث كان التأثير الإسلامي يهب على أوربة من كل مكان وعبر كل الاتجاهات، أرسلوا أبناءهم ليتعلموا في الأندلس وصقلية وغيرهما، وأوشكوا أن يدخلوا الإسلام) لذلك عندما حدثت جولة أخرى في التاريخ، ومن خلال مظاهر الضعف في الجسد الإسلامي، بدأنا نلاحظ الثارات الصليبية المبيتة، والخطط المدروسة كما أفصح عنها لويس التاسع الذي أسر في مصر إبان الحملات الدينية والاقتصادية النصرانية.. فلنراجع تاريخنا على ضوء التوجيهات الربانية كما وردت في القرآن الكريم، فاللعبة قديمة والكيد قديم. والحاجة ماسة لإعادة تعديله وتنقيته من آثار الاستشراق، وهناك أمر آخر يضيفه الأستاذ محمد قطب مع الدور الاستشراقي وهو الدور الشيعي، فقد ذكر بأن فترة من فترات التاريخ وهي الفتنة أيام عثمان رضي الله عنه، قد عولجت ونقلت في معظمها من مصادر شيعية بكل ما يحمله هؤلاء القوم في قلوبهم من سخائم على صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم (1)
خلل منهجي
هناك خلل منهجي يراه المحاضر من خلال ملاحظاته في التاريخ الإسلامي وهو.. (إننا نركز بقصد أو من دون قصد على التاريخ السياسي للإسلام. نحن ندرس تاريخ بني أمية وبني العباس وبمعنى آخر تاريخ الأسر المالكة، فهل هذا هو كل التاريخ الإسلامي؟) ويضيف: (لا أظن أن كتاب التاريخ السابقين كانوا يكتبون لأهل فلان أو فلان.. ومع ذلك فلنصارح أنفسنا بأن الخط السياسي أو الممارسة السياسية في التاريخ الإسلامي هي أسوأ ممارسات المسلمين.. لكن هل التاريخ الإسلامي هو أسوأ ممارسات المسلمين.. لكن هل التاريخ الذي مارسته الأمة لم يكن فيه إلا قتل فلان لفلان وتآمر فلان على فلان؟ الأمة أين كانت وهذا التاريخ العظيم والانسياح الواسع وهذه الحضارة وهذا العلم وهذا التألق وهذه المعاني أين هي وأين غابت؟
ويستمر الأستاذ المحاضر محمد قطب في الاسترسال مع هذه الأفكار، حيث يرى أن الخط السياسي في حياة الأمة منذ ما بعد الخلافة الراشدة هو خط أسود ضمن صفحة بيضاء نقية، وهذا ما جعل أولئك القوم يؤكدون في كل مرة على عرض التاريخ الإسلامي، ولا ننكر شيئًا من الحقيقة، إنما يحتاج للكذب الناس الذين خلا تاريخهم من الأمجاد العظيمة.. كان النازيون يدرسون أبناءهم في دروس التاريخ أن الجيش الألماني لم يهزم أبدًا إلى أن عاش النازيون ورأوا كيف حاقت الهزيمة بألمانية في الحرب الثانية.. كما أذكر بأنه درس لنا كتاب اسمه (رجال البحث الإنكليز) يصفهم المؤلف البريطاني بأنهم نواة الأسطول الإمبراطوري، فهل تعلمون بأن هؤلاء كانوا قراصنة البحر، يخرجون للسلب والنهب..؟
سمات وآثار
إننا حين نركز على التاريخ السياسي للإسلام فما المصادر التي بين أيدينا؟ إن هذه الأمة متميزة بكونها خير أمة أخرجت للناس (وهذه الميزة تختفي عندما نركز على التاريخ السياسي.. لقد وقعت سيئات وانحرافات ما كان ينبغي أن تحدث.. إنما ورغم كل ذلك يبقى التاريخ الإسلامي أنظف تاريخ عرفه البشر) .
وضمن مفهوم قوله تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس) (آل عمران 110) يطرح الأستاذ محمد قطب تساؤلاته عن حقيقة التوحيد، وهل تراها تظهر لنا إذا ما كانت الهيمنة للجانب السياسي في التاريخ الإسلامي؟ فيقول:
(هناك فرق في(لا إله إلا الله) عند أمتنا وعند غيرها من الأمم.. إن حقيقة التوحيد هي أوسع دائرة مارستها أمة في التاريخ. هناك الأمة اليهودية والأمة النصرانية والأمة الإسلامية، وجميعها أنزل عليها (لا إله إلا الله) .. فكيف بقيت عند الأمتين اليهودية والنصرانية؟ ثم ما حالها عند الأمة الإسلامية؟ لقد بقيت عند الأمة حقيقة واسعة طوال أربعة عشر قرنًا، وهي الآن تبعث من جديد شعلة حية في واقع هذه الأمة..) ثم أضاف: (مهمة لا إله إلا الله في هذه الأمة لتستقيم على أمر الله ولتنشر الدعوة ولتهدي البشرية كلها بالدعوة والجهاد.. فهل تظهر حقيقة لا إله إلا الله إذا كنا فقط نهتم بتواريخ الأسر الحاكمة) .