فهرس الكتاب

الصفحة 1187 من 3028

أيها الإخوة المسلمون، أما وسائل الإعلام في عصر التفجر الإعلامي، وثورة المعلومات والتقانات، فمسؤوليتها من أعظم المسؤوليات، لا سيما القنوات الفضائية والشبكات المعلوماتية، فاللهَ الله ـ أيها التربويون ـ في استثمارها لخدمة ديننا الحنيف، وإن الغيورين ليأسفون أشد الأسف على المهازل الرخيصة والجنوح اللامسؤول بهذه الوسائل الإعلامية إلى ما يُفرِز ضدَّ الأجيال مما لا تحمد عقباه في أعز ما تملكه الأمة في قدرات شبابها وفتياتها، فإلى الله المشتكى، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

معشر الأحبة، إن للإعلام دورًا كبيرًا في تشكيل عقول الأفراد، وتحديد معالم الشخصيات وتوجيه السلوكيات، وغرس القيم والأهداف بما يحقق المصالح الخاصة والعامة، فليتق الله القائمون على وسائل الإعلام المختلفة، المرئية والمسموعة والمقروءة، فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فلا يقدِّموا لأفراد الأمة ومجتمعاتها إلا كلَّ ما يدعو إلى الخير والفضيلة، ويرسّخ القيم الإسلامية الأصيلة والمبادئ القويمة والمثل العظيمة، وعليهم أن يستنقذوا أبناء هذه الأمة من التشويش الفكري والغبش العقدي والعفن الأخلاقي الذي ينعكس على حياتهم العملية وسلوكياتهم اليومية مما تعُجّ به سماء الفضاء، ويرتج منه الأرض والأجواء، فرحماك ربنا رحماك.

أيها الإعلاميون، الإعلامُ نبضُ الأمة ومرآة المجتمع، فراعوا مسؤولية الكلمة وأمانة الحرف وموضوعية الطرح وشفافية الحوار ومصداقية الرؤى. واعلموا أنه بالمبادئ والقيم بالعقيدة والإيمان يتميّز الإعلام عند أهل الإسلام، فكم تعاني المجتمعات البشرية اليوم من جرائم وحوادث، وكم تجرَّعت من ويلات وكوارث، لماذا ارتفعت معدلات الجريمة بما يذهل العقول؟! لم يكن ذلك ليحدث إلا لما أهمل الإنسان مسؤوليته.

إن من مسؤوليات الأمة العظمى التصدي لألوان الغزو السافر ضدَّ عقيدتنا ومقدساتنا، والإبانة عن الموقف الحق ضد الحملات التي تُشن ضد ديننا وقيمنا ومبادئنا، والوقوف بحزم وحصانة ورعاية وصيانة ضد أخطبوط العولمة المفضوحة، بالحفاظ على مميزاتنا الحضارية وثوابتنا الشرعية والتصدي القوي لما تقوم به الصهيونية العالمية في دعمٍ من القوى الدولية ضد مقدساتنا في فلسطين المسلمة، وما يقوم به أشياعهم في كشمير والشيشان، فمسؤولية مَن مواجهة هذه الغطرسة الصهيونية الآثمة وهذه الهجمة العدوانية العنصرية ضد أمتنا الإسلامية؟! إن كلاًّ منا على ثغر من ثغور الإسلام، فاللهَ اللهَ أن يؤتى الإسلام من قِبله.

إن حقًا على أهل الإسلام أن يقوموا بمسؤولياتهم في تحقيق نُصرة هذا الدين بكل ما أوتوا من إمكانات، وأن تتكاتف في ذلك جميع القنوات، الأسر والبيوتات، الآباء والأمهات، المدارس والجامعات، المساجد والإعلام والمنتديات، الشعوب والحكومات، والمجتمع بكافة فئاته، ووسائل الإعلام بشتى قنواتها، مسموعِها ومقروئها ومرئيها، الكلُّ يؤدي واجبه في التربية والبناء، وغرس القيم والأخلاق في البنات والأبناء، ليخرج جيل مثالي من الرجال والنساء، وبذلك يتحقق الأمل المنشود، ويتجدد المجد المفقود، والتطلع المعقود، وما ذلك على الله بعزيز.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ [الأنفال:27، 28] .

بارك الله لي ولكم في الوحيين، ونفعني وإياكم بهدي سيد الثقلين، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولكافة المسلمين والمسلمات من كل الذنوب والخطيئات، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي خلق كل شيء فقدره تقديرًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وسع كل شيء رحمة وعلمًا وتدبيرًا، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبد الله ورسوله أرسله هاديًا ومبشرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، وقوموا جميعًا بما أنتم مسؤولون عنه أمام ربكم، ثم أمام الأمة والتأريخ، فلقد علمتم عظم منظومة المسؤولية من الخدمة الصغرى إلى قمة الهرم في الإمامة العظمى.

واعلموا ـ يا رعاكم الله ـ أن مسؤولية النصيحة في هذه الأوقات ما يحدث من ظواهر اجتماعية في أوقات الإجازات.

فيا أيها الآباء والأمهات، يا أيها الطلاب والطالبات، يا أيها التربويون في كافة القنوات، ماذا أعددتم لشغل الفراغ والأوقات مدة هذه الإجازات؟

إن واجب النصح للأمة في هذه القضية المهمة ينبغي أن ينصبّ على كيفية شغل أوقات فلذات الأكباد وثمرات الفؤاد بما يعود عليهم وعلى مجتمعهم بالنفع العظيم والخير العميم.

أيها الإخوة والأحبة في الله، إن فُرص استغلال الوقت في هذه الإجازة لا سيما للشباب والفتيات كثيرة بحمد الله، فينبغي أن نحرص على الفرص الشرعية المباحة، والمناسبات المرعية المتاحة، وليحذر العباد من تضييع الأوقات في المحرمات والمشتبهات.

ألا وإن أنفسَ ما صُرفت فيه الأوقات العناية بكتاب الله، تعلمًا وتعليمًا وحفظًا وتدبرًا وفهمًا وعملًا وتطبيقًا، والقراءةُ والاطلاع على الكتب الشرعية النافعة والالتحاق بالدورات العلمية والمخيمات الدعوية والمراكز الصيفية والمعاهد المهنية التي يقوم عليها أهل الخير والصلاح والدعوة والإصلاح، بما يعود بفائدة كبرى في زيادة المعارف وحفظ الأوقات وتنمية المواهب واكتساب المهارات، ولا بأس بإدخال الفرح على الأهل والأولاد في سفر مباح في محيط بلاد الإسلام، ولنا مع السفر والمسافرين حديثٌ قادم بإذن الله.

ألا وإن من غير المنكور وجود الأكفياء الأمناء في الأمة بحمد الله، ممن جدّوا في أداء مسؤولياتهم، مستشعرين معية الله جل وعلا فيها، حريصين على تقوية الوازع الديني وضمير الإحسان الإنساني في أداء حقوق الله وحقوق عباد الله، وبمثل هؤلاء تصلح حال الأمة، وتسعد مجتمعاتها بإذن الله، والله المسؤول أن يوفق الجميع لما يحبه ويرضاه، إنه خير مسؤول وأكرم مأمول.

ألا وصلوا وسلموا ـ رحمكم الله ـ على معلم البشرية المبعوث بالحنيفية، خير من قام بالمسؤولية، كما أمركم بذلك ربكم رب البرية، فقال تعالى قول كريمًا: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِىّ ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] .

اللهم صل وسلم وبارك على حبيبنا وقدوتنا محمد بن عبد الله، وارض...

(1) أخرجه البخاري في الجمعة (893) ، ومسلم في الإمارة (1829) .

(2) أخرجه الترمذي في صفة القيامة، باب: ما جاء في شأن الحساب والقصاص (2417) ، والدارمي في المقدمة، باب: من كره الشهرة والمعرفة (537) ، وقال الترمذي:"حديث حسن صحيح"، وله شواهد كثيرة، وقد صححه الألباني في السلسلة الصحيحة (946) . تنبيه: وقع في فتح الباري (11/414) عزو هذا الحديث إلى صحيح مسلم، فلعله سهو من الحافظ رحمه الله، فإن الحديث لم يخرجه مسلم، ولم يعزه المزي في تحفة الأشراف إلا إلى الترمذي والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت