فهرس الكتاب

الصفحة 1186 من 3028

إخوة الإيمان، وأما المسؤولية الجماعية فتتضمن أولا المسؤولية الكبرى في الإمامة العظمى، في تحكيم شرع الله في أرض الله على عباده الله، وكذا القيام بالمسؤوليات في الوظائف العامة، عدلًا في الرعية، وقَسمًا بالسوية، ومراقبةً لله وحده في كل قضية. وكذا الحفاظ على الأموال والممتلكات والمرافق العامة، فليست المسؤوليات غُنمًا دون غرم، ولا زعمًا دون دعم، وسيتولى حارّها من تولى قارَّها، في بُعدٍ عن الخلل الإداري والتلاعب المالي والتسيب الوظيفي، فلا تصان الحقوق إلا بتولية الأكفاء الأمناء، والأخذ على أيدي الخونة السفهاء، قيامًا بالمسؤولية والأمانة كما شرع الله، وتحقيقًا لما يتطلّع إليه ولاة الأمر وفقهم الله، وهو ما يحقق مصالح البلاد والعباد.

وفي إطار المسؤولية الجماعية يأتي دور البيت والأسرة في حمل مسؤولية التربية الإسلامية الصحيحة للأجيال المسلمة، وكذا معاقل التعليم المختلفة في تنشئة الطالبات والطلبة، ومسؤولية المجتمعات في النهوض بالأفراد، ودور الإعلام في تهذيب الأخلاق والسلوكيات.

إخوة الإيمان، إن مسؤولية تربية الأجيال وإعداد النساء والرجال مسؤولية عظمى، وإن قضية العناية بفلذات الأكباد وثمرات الفؤاد من النشء والأولاد قضية كبرى يجب على أهل الإسلام أن يولوها كل اهتمامهم؛ لأن مقومات سعادتهم أفرادًا ومجتمعاتٍ منوطة بها.

وإنما أولادنا أكبادنا ………فلذاتنا تمشي على الأرض

ولذلك لا بد من الإعداد لها أيما إعداد، رسمًا للمناهج، وإعدادًا للبرامج، وتضافرًا في الجهود، وتوليةً للأكفاء، لتتمَّ المسؤولية التربوية سليمة من تعثُّر الخطى، بعيدة عن التناقض والازدواجية، محاذرةً للتقليد والتبعية، اعتزازًا بشخصيتنا الإسلامية، وشموخًا في مناهجنا الشرعية، مترسمين هدي القرآن الكريم ونهج السنة النبوية.

معشر الأحبة، إن البيت هو الركيزة الكبرى، وعليه المسؤولية العظمى في بناء الفرد، وتقع على كاهله تحديد شخصيات الأبناء، وتكوين ملامحهم الإيمانية والفكرية والروحية والأخلاقية.

فيا أيها المسلمون، ربّوا أولادكم منذ نعومة أظفارهم على الإيمان بالله، واجعلوهم يستشعرون الأبعاد الحقيقية لكلمة التوحيد، بحيث يكون إيمانهم نابعًا من يقين ومعايشة وإدراكٍ لحقيقة الربوبية والألوهية، وفهمٍ واضح لمعنى العبودية.

معشر المسلمين، إن كثيرًا من الأسر مع شديد الأسف لا تُعنى كثيرًا بتأصيل الفهم العقدي الصحيح، زاعمين أن التوحيد من المسلَّمات البدهية التي لا تحتاج إلى مزيد عناء، وتلك ـ وايم الله ـ من التسطيح في النظرة، ومن نتائجها توهينُ الأسس العقدية الصحيحة في نفوس كثير من الأبناء.

والبيت لا يُبتنى إلا له عُمُدُ ……ولا عماد إذا لم ترسَ أوتادُ

فعلى الأسرة أن تجتهد في تصحيح سلوكيات أبنائها، وغرس المثُل الإسلامية في نفوسهم، وتأصيل الأخلاق الحميدة التي جاء بها ديننا الحنيف. وليكن الأبوان قدوةً حسنة لأبنائهم، فلا يكون هناك تناقض بين ما يمارسونه من سلوك عملي، وبين ما ينصحون به أبناءهم في كلام نظري.

وينشأ ناشئ الفتيان فينا ……على ما كان عوّده أبوه

وإنها لمسؤولية عظيمة أن يبني الأبوان شخصية أبنائهم على أساس العقيدة الصحيحة والاعتزاز بمبادئهم وتراث أمتهم، محاطين بالإيمان والهدى والخير والفضيلة، أقوياء في مواجهة المؤثرات المحيطة بهم، لا ينهزمون أمام الباطل، ولا يضعُفون أمام التيارات الفكرية الزائفة.

فيا أيها الآباء والأمهات، اتقوا الله في أولادكم، كونوا قدوة لهم في الخير، وإياكم ثم إياكم أن تكِلوا عملية تربيتهم للخادمين والخادمات، فهم ضررٌ على الأسرة لما يحملونه في الغالب من أفكار وأخلاق وعادات ثبت في الواقع خطرها، وثبت لدى كل غيور شرها وضررها، أبعدوهم عن قرناء السوء، تابعوهم في صلواتهم وخلواتهم وجلواتهم، كونوا الرقابة المكثفة المقرونةَ بمشاعر المحبة والحنان والشفقة، حذار أن تتسلل إلى الأسر ألوان من الغزو الفكري والأخلاقي، فتهدم ما بنيتموه، وتنقضَ ما شيدتموه، نشِّئوهم على الخير والفضيلة والهدى والبعد عن الرذيلة والشر والردى.

أيها المسلمون، كما تشمل المسؤولية الأسرية حسن اختيار الزوجين على أساس الدين والأمانة والخلق، قال: (( إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ) )رواه الترمذي وابن ماجه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه (3) [3] ، وبهذا الاختيار الحسن ينشأ جيل من الأفراد الصالحين الذين يحققون العبودية الخالصة لله رب العالمين.

كما تتضمن المسؤولية الأسرية حسن العشرة بين الزوجين، والقيام بالواجبات وأداء الحقوق والتعاهد على التربية، يقول سبحانه وتعالى: ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [التحريم:6] ، فكيف يهنأ والدٌ بالعيش وهذا الوعيد الشديد يطرق سمعه، وهذه العاقبة المحزنة تهدد أولاده؟!

ألا فليتق الله القوامون على النساء من الأزواج والآباء، فليربوهن وليأخذوا على أيديهن، ويلزموهن بالقرار في البيوت والحجاب الشرعي حتى لا يفتِنّ ولا يُفتَنّ، فيأتين على بنيان التربية من القواعد.

وإن من الخطأ والخيانة في الأمانة إهمال قضايا المرأة في حجابها وعفافها واختلاطها بالرجال، والانسياق المحموم وراء الأزياء والموضات، دون رقيب ولا حسيب.

وتتضمن المسؤولية الأسرية ـ يا عباد الله ـ تسهيل أمور الزواج، وعدم المغالاة في المهور وتكاليف الزواج، والإسراف والتبذير، وما يقع من منكرات في الأفراح.

فيا أهل العفة والغيرة والحياء، يا أرباب الشهامة والرجولة والإباء، أليس هذا من الغش والخيانة والتساهل في القيام بالمسؤولية؟!

أمة الإسلام، وتقع على المجتمع مسؤولية كبرى في الحفاظ على سفينة الأمة، وفي تعميق الروابط فيما بين أفرادها، من التوادِّ والتراحم والأخوة والتفاهم، انطلاقًا من الركيزة الإيمانية، لا من المصالح الدنيوية والعلاقات المادية. ولقد عُني الإسلام بالمجتمع وتشييد أركانه بصورة متماسكة في بنيانه أمام الأفكار المسمومة والآراء المذمومة.

فليتواصَ أبناء المجتمع على عبادة الله وحده، وعلى الاضطلاع بمهمة الدعوة الإسلامية والحسبة، وإعلاء راية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أمام سيل المنكرات وطوفان المحرمات، والأخذ على أيدي المستهترين. وإن السكوت على الأيدي الآثمة هو في الحقيقة إثم أكبر من إثمها، وإجرام أبشع من إجرامها، كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110] ، وهذا ما ينبغي أن تدركه الأمة الإسلامية لتعرف حقيقتها وقيمتها، وتضطلع بمسؤولياتها، وتعرف أنها أخرجت لتكون في الطليعة، ولتكون لها القيادة، لأنها هي خير أمة، وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِىٌّ عَزِيزٌ [الحديد:25] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت