ثم يضيف فضيلته قائلًا: وإذا كان أولئك المفتونون بعلم الكلام، يقولون في الدفاع عن أهميته، أنه ضرورة لابد منها للرد على الشبهات، التي ظهرت في العصر الحديث فإني أقول لهم: إن هذه الشبهات التي يحدثون عنها ظهرت منذ أن نزل القرآن الكريم على الدهريين واليهود والنصارى المتأثرين بالفلسفة اليونانية، وتولى القرآن نفسه الرد على جميع هذه الشبهات، دون ما حاجة إلى اصطناع هذه المجادلات البيزنطية وفضلًا عن ذلك.. فإن هذه الشبهات التي يتطرق إليها علم الكلام قد أكل الدهر عليها وشرب، وليس لها أي أثر مما يجعل تدريس علم الكلام ضربًا من الخبل، وجناية على الدارسين.. فهو - للحق والأمانة - علم يخلو من العاطفة والروح، وهو أقرب إلى المعادلات الجبرية منه إلى التوحيد الذي ينبغي أن يكون مفعمًا بالحب، والتأمل، والعبادة الروحية.
ثم يعقب فضيلته متسائلًا: أين مثل ألغاز وطلاسم علم الكلام السخيفة المعقدة، من قول الله تعالى: { إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ، الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } [آل عمران: 190، 191] .
حشو وغموض وسفسطة:
مثل آخر يضربه الدكتور جميل غازي، ويستشهد به على فساد بعض المقررات الأزهرية في التربية أو في بحث عقيدة التوحيد.
يقول: إن قمة الكتب التي تدرس العقائد في الأزهر هو كتاب العقائد النسفية.. وهوكتاب ملئ بألغاز وسفسطة لا تنتهي، ويلف ويدور حول عبارات غير مفهومة.. ولا صالحة على الإطلاق في أن تكون مفهومة.. كقولهم مثلًا:"وحقيقة الشيء ما به الشيء هو هو".
ويتساءل جميل غازي ساخرًا: هل مثل هذه الدراسة المليئة بالحشو والغموض والتعقيدات يمكن أن تقود إلى المعرفة بالله؟
هل كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه وهو سيد أولياء هذه الأمة بعد نبيها، هل كان يؤمن بالله على نحو ما جاء في العقائد النسفية؟
حاشا لله.. فإن عقيدة أبي بكر رضي الله عنه كانت عقيدة القرآن، وهي عقيدة فطرية حضارية واضحة.. أما هذه العقائد النسفية وما شاكلها، فاسمح لي أن أحملها مسؤولية سقوط هذه الأمة، وتدهور عقيدتها.
ثم يعقب فضيلته قائلًا: كان هذا نموذجًا مما يدرسه طلبة الأزهر، المرشحون لقيادة الدعوة الإسلامية.. حشو وغموض وسفسطة.. فدلوني بربكم هل تصلح هذه الدراسات في إعداد الرواد القادرين على إقناع المسلمين وغيرهم بحقيقة المنهج الإسلامي ووضوحه؟ ألا يعد نظام التعليم بالأزهر هو نفسه المسؤول عن هذه المحنة التي تضع الدعوة الإسلامية في طريق مسدود؟!
لا طائفية ولا كهنوت في الإسلام:
قلت: لاشك أننا نتفق معكم في أن الأزهر يتحمل قدرًا من المسؤولية عن ضعف مستوى بعض الدعاة وعما أصاب الدعوة الإسلامية من ركود وجمود.. ولكننا نرى في نفس الوقت أنه من الظلم أن نحمل الأزهر وحده كل المسؤولية، إذ أن مسؤولية قيام الإسلام وانتشاره لا ينبغي أن تتحملها طائفة معينة أو جامعة بذاتها إنما هي مسؤولية المسلمين جميعًا بلا استثناء.
ويقاطعني الدكتور جميل غازي قائلًا: هذا صحيح تمامًا.. فلا طائفية في الإسلام ولا كهنوت.. ولا ينبغي أن يكون التعليم الديني، وإعداد القيادات الإسلامية حكرًا على الأزهر وحده.. بل ينبغي أن تشارك فيه جميع المؤسسات التعليمية في الدولة.
لذلك فإني أطالب بضرورة توحيد التعليم الديني والتعليم المدني في جميع المعاهد التعليمية والجامعات.
ثم يضيف قائلًا: إن الفصل بين التعليم الديني والتعليم المدني، كان ومازال هدفًا استعماريًا يستهدف عزل المسلمين عن دينهم.. فلقد أدرك المستعمرون أن قوة المسلمين إنما تقوم على تمسكهم بمبادئ عقائد الإسلام، وأنه لا سبيل إلى إضعاف المسلمين إلا بتجريدهم من دينهم.. لذلك فلقد كان حرصهم شديدًا على تأكيد الفصل بين التعليم الديني والتعليم المدني.. وما أن تحقق لهم ذلك حتى بادروا إلى ضرب المنطقة الإسلامية بأخطر أسلحتهم، وهي الغزو الفكري، والعزل الفكري معًا.. وكان سبيلهم إلى ذلك نشر المدنية الزائفة، وتشجيع التدين الأعمى، والنحل الفاسدة.. مع إبعادنا في نفس الوقت عن التقدم العلمي الذي أحرزه الغرب في القرنين الأخيرين.
وكانت النتيجة.. إننا عزلنا عن الدين والدنيا معًا.. فلا الدين تفهمناه.. ولا التقدم العلمي أخذنا بأسبابه !!
سبق أن نادى الدكتور طه حسين بدعوة مماثلة عقب توحيد القضاء، فنادى بتوحيد التعليم الديني والمدني، فيما سماه بالخطوة الثانية فهل أنت معه في هذه الدعوة؟
مع فارق كبير وهام.. فلقد طالب طه حسين بتوحيد التعليم الديني والمدني بحيث يصبح التعليم كله مدنيًا!! أما أنا فأطالب بتوحيد التعليم الديني والمدني بحيث يصبح التعليم كله دينيًا.
هل يعني اقتراحك هذا إلغاء رسالة الأزهر الشريف؟
بالعكس، فهو يوسع قاعدة نشر هذه الرسالة.. إذ أن توحيد التعليم المدني والديني سيساعد على أن تشارك جميع المعاهد التعليمية والجامعات في نشر الثقافة الإسلامية، بحيث تسهم جميعها في إعداد أجيال تربت على العقيدة الإسلامية، وتفهمت السنة، ودرست القرآن والحديث حفظًا.. وتفسيرًا.. ومعايشة.
الدعاة المتحمسون:ويواصل الدكتور جميل غازي عرض اقتراحه فيقول: حتى إذا تخرج الطالب من الجامعة كانت أمامه فرص للدراسات العليا في الدعوة الإسلامية، والإعلام الإسلامي، والشريعة الإسلامية، يلتحق بها من يرى في نفسه القدرة والرغبة في المشاركة في قيادة الدعوة.. وبذلك يمكن إعداد النوعيات المطلوبة من رواد الدعوة الإسلامية، الذين يتحمسون لها عن رغبة وميل شخصي.. لا عن احتراف أو التزام منذ الصغر، كما هو حادث الآن.
ثم يعقب فضيلته قائلًا: هذا هو سبيلنا إلى بناء الإنسان المسلم فكريًا وعقائديًا وعلميًا.. وهذا هو طريقنا لتجاوز أسلوب الاحتراف.. وهذا هو المدخل الصحيح لتخريج الأئمة الصادقين أو الدعاة المتحمسين.. أولئك الذين يتخذون من الدعوة جهادًا في سبيل الله، ويملكون قوة التأثير بالكلمة الصادقة.. والقدوة الطيبة.. ويحققون رسالة المسجد في حيوية وفاعلية.
سيطرة البيروقراطية:
قلت: تضاءل الآن دور المسجد، وانكمشت رسالته حتى كاد أن يصبح مجرد مكان لأداء الشعائر.. فما هي أسباب ذلك؟.. وكيف يمكن في تصوركم العودة بالمسجد إلى دوره الطبيعي كمركز إشعاع في خدمة البيئة دينيًا وفكريًا واجتماعيًا؟
يجيب فضيلته قائلًا: إن هناك أسبابًا عديدة أسهمت في ركود وجمود المساجد وبصفة خاصة، تلك الخاضعة لوزارة الأوقاف من بينها - كما سبق أن أوضحنا - ضعف مستوى بعض الأئمة والخطباء وغياب القدوة الصالحة، وسيطرة البيروقراطية وطبقة الموظفين، حتى أصبحت المساجد الحكومية الآن أشبه بدواوين وزارة الأوقاف، تمارس فيها الشعائر الدينية كمجرد واجب روتيني جاف، خال من الروح والتأمل والعبادة!
أضف إلى ذلك ما تعرضت له المساجد خلال سنوات القهر السياسي من إهمال متعمد، وما لقيه بعض الأئمة من تنكيل وإرهاب، أدى إلى هجرة البعض واضطرار البعض الآخر إلى الاستسلام، ومداهنة الحكام.