فهرس الكتاب

الصفحة 673 من 3028

وفوق ذلك.. فلقد كانت بعض القيادات الدينية مشغولة عن شؤون الدعوة والمساجد بأمر آخر تعتبره جادًا وخطيرًا.. فلقد كانت ومازالت تعتبر أن المشكلة الأساسية للدعوة الإسلامية تنحصر في قلة الأضرحة والمقاصير لذلك فلقد انصرفت تمامًا عن الاهتمام برسالة المسجد، إلى السعي الجاد في تشييد المزيد من القباب والمقاصير، وتشجيع إقامة حلقات الذكر بالمساجد.. والإنفاق بسخاء على إقامة الموالد والاحتفالات وكأنما هؤلاء القوم يعتبرون أن الإسلام لا يقوم إلا من خلال الشعوذة وصناديق النذور.

لها حريتها في النقد والتوجيه:

ويستطرد الدكتور جميل غازي قائلًا: وإذا كنا راغبين حقًا في أن نعيد للمسجد الإسلامي مجده.. فلابد أولًا من أن يتحرر الأئمة والخطباء من التوجيهات المكتبية، والقيود البيروقراطية، التي تحاصرهم وتحول بينهم وبين كلمة حق ينبغي أن تقال:

ثم يضيف متسائلًا: إن المسجد قوة إعلامية ضخمة ينبغي أن تستغل أحسن استغلال ولابد من اعتبار المسجد سلطة عليا.. لها كلمتها المسموعة.. ولها حريتها في النقد والتوجيه.

أوقفوا هذا المد الوثني الذي فتن بالأضرحة والقباب:

ويرى الدكتور جميل غازي رئيس جماعة التوحيد أنه لابد أيضًا - حفاظًا على قدسية المسجد وجلاله - من إيقاف هذا المد الوثني الذي فتن بالأضرحة والقباب والمقاصير، وحول كثيرًا من المساجد إلى أماكن لعبادة الموتى!!

ويقول: إن معظم مساجدنا الكبيرة في القاهرة وعواصم المحافظات فضلًا عن الغالبية العظمى من مساجد الريف، قد تحولت من بيوت لله إلى مقابر للأولياء والصالحين، تمارس فيها كل مظاهر الشرك بالله من طواف ودعاء واستغاثة وتقبيل للأعتاب!! سبحان الله.. البيوت التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه قد تحولت لغير الله، وفقدت الصلاة فيها القدسية والجلال.

ما رأيكم فيما سبق أن أفتى به بعض كبار العلماء من أنه لا حرج في وجود قبور الأولياء والصالحين داخل المساجد ؟

اتخاذ قبور الأولياء مساجد.. بدعة وشرك بالله:

ويقاطعني الدكتور جميل غازي قائلًا بنبرة غاضبة: هذه فتوى مردودة على أصحابها، ولا تستند إلى حجة أو برهان من الكتاب والسنة، بل إن العكس هو الصحيح، فإن النهي عن ذلك صريح في القرآن الكريم: { وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا } [الجن: 18] ، كما أن الأحاديث في هذا الموضوع كثيرة، نذكر منها قوله عليه الصلاة والسلام: "أن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد". كما يقول أيضًا عليه الصلاة والسلام: ".. وأن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك".

ويروي البخاري ومسلم عن السيدة عائشة رضي الله عنها أن أم سلمة وأم حبيبة ذكرتا كنيسة رأتاها في الحبشة وفيها تصاوير، فقال الرسول عليه الصلاة والسلام: "أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا وصوروا فيه تلك الصور... أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة".

ثم يعقب فضيلته قائلًا: هذا هو حكم الإسلام في هذا الموضوع.. وهو حكم صريح لا يحتمل التأويل، ولا لبس فيه ولا غموض.. إن اتخاذ قبور الأولياء والصالحين مساجد، شرك بالله، وبدعة لم يعهدها المسلمون في القرون الأولى، وإنما جاءت إلينا في القرن الرابع الهجري على عهد الفاطميين الذين أدخلوا على الإسلام كثيرًا من البدع التي أضرت وأضلت المسلمين.

أما أولئك الذين يصدرون الفتاوى التي تتصادم مع الكتاب والسنة، فإني أحيلهم إلى قول الحق تبارك وتعالى: { فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [النور: 63] .

الإدعاء بأن الرسول عليه الصلاة والسلام دفن في مسجده:

قلت: يستند أصحاب هذه الفتوى إلى أن النبي عليه الصلاة والسلام مدفون في مسجده وأن الصلاة في مسجده عليه الصلاة والسلام تعادل ألف صلاة، كما أن المسجد النبوي الشريف يضم أيضًا قبري صاحبيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، مما يقوم دليلًا على إباحة اتخاذ قبور الصالحين مساجد، لأن الصاحبين ليسا بأنبياء ولا رسل، بل هما رجلان صالحان، يجوز لكل صالح ما يجوز لهما.

وتزداد النبرة الغاضبة في لهجة الدكتور جميل غازي وهو يجيب قائلًا:

إن الادعاء بأن النبي عليه الصلاة والسلام قد دفن في مسجده.. باطل وكاذب، وافتراء على الله وعلى رسوله، كما أن القياس الذي عرضه أصحاب هذه الفتوى، قياس فاسد، لأنه يتعارض مع النصوص الشرعية فضلًا عما يتضمنه قولهم من تزييف لحقائق التاريخ.

ويستطرد جميل غازي في حديثه مفندًا هذه المزاعم فيقول: إن الرسول عليه الصلاة والسلام حينما مات لم يدفن في مسجده، ولا أوصى بذلك، ولا فعل به أصحابه ذلك.. حاشا لله.. وهو القائل عليه الصلاة والسلام: "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد".

إنما الذي حدث أن أصحابه دفنوه في حجرة السيدة عائشة التي كانت تجاور المسجد، وكان حرص أصحابه شديدًا على أن يظل قبره عليه الصلاة والسلام خارج المسجد في كل توسعة تمت بمسجده الشريف حدث هذا في عهد عمر رضي الله عنه، فلقد حرص حينما وسع المسجد في عام 17ه‍ على أن تكون توسعة المسجد من جميع الجهات إلا من الجهة الشرقية التي يقع فيها قبر الرسول وبيته، فلم يمسها حتى لا يدخل القبر داخل المسجد الشريف.. ونفس هذا الحرص تم أيضًا في عهد عثمان رضي الله عنه حينما وسع المسجد في عام 24ه‍.

فظل قبر الرسول صلى الله عليه وسلم خارج المسجد، ومنفصلًا عنه حتى كان عهد الوليد بن عبد الملك الذي قرر في عام 88ه‍ أن يوسع المسجد بحيث يدخل قبر الرسول داخله!!

وهذا الوليد بن عبد الملك لم يكن من الخلفاء الراشدين الذين يجب اتباعهم أو الاعتداد بفعلهم. ولم يكن قراره هذا صادرًا عن باعث ديني أو إسلامي، أو مستندًا إلى نص شرعي وإنما كان عملًا سياسيًا يستهدف هدم بيت الرسول عليه الصلاة والسلام، وتشتيت أهل البيت بحجة توسعة المسجد!!

ثم يصل الدكتور جميل غازي في حديثه عن الصعوبات التي تعترض الدعوة الإسلامية إلى قضية هامة من المؤكد أنها ستثير جدلًا واسع النطاق.

إنه يرى في تعدد المذاهب الإسلامية وتضاربها تعويقًا للمسيرة الإسلامية ويقول: إن الإسلام الجميل الواضح البسيط، قد تعرض للتشويه من جانب أصحاب الدعوات الذين أخضعوا القرآن والسنة لعقولهم وأهوائهم، وساعدوا على انقسام الأمة الإسلامية الواحدة إلى فرق ومذاهب، تقوم على التعصب والتقليد الأعمى على الرغم من أن الأئمة الأربعة رضوان الله عليهم نهوا نهيًا شديدًا عن تقليد أو اتباع آرائهم بدون معرفة أدلتهم ومطابقتها على الكتاب والسنة.

ثم يضيف قائلًا: إن دعاة المذهبية يستندون في دعواهم إلى حديث موضوع يقول: (إن اختلاف أمتي رحمة!!) فهل حقًا قال الرسول عليه الصلاة والسلام ذلك؟.. حاشا لله.. إنه حديث باطل بشهادة جمهور المحدثين.. ولا أدري كيف يكون الاختلاف رحمة، وقد ذمه الله تعالى في آيات كثيرة من القرآن الكريم!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت