فهرس الكتاب

الصفحة 674 من 3028

كما أن كهنة المذهبية يقولون أيضًا:"أن الاختلاف بين المسلمين حادث في الفروع دون الأصول، ولا ضرر في ذلك".. وهذا غير صحيح.. فإن كثيرًا من أتباع المذاهب مختلفون في كثير من الأصول أيضًا.. فلقد بقي الأحناف على سبيل المثال لا يتزوجون من الشافعية عشرات السنين، لاختلافهم في مسألة أصولية.. هي (الاستثناء في الإيمان) ثم جاء أحد أصحاب الفتوى من الأحناف، ليصلح بينهم فأفتى بجواز زواج الحنفي من شافعية قياسًا على الكتابية (أي المسيحية أو اليهودية) .. ومعنى ذلك أن الحنفي يجوز له أن يتزوج من شافعية دون أن يصح العكس!

وفضلًا عن ذلك، فإنه حتى في الأمور الفرعية حدثت معارك وقتال بين أتباع المذاهب، مما كان سببًا في إضعاف المسلمين ووقوعهم تحت سيطرة أعدائهم.

المذهبية مهزلة وبدعة:

ويوجه الدكتور جميل غازي نقدًا عنيفًا للمذهبية، فيقول:... إن المذهبية مهزلة فهي مليئة بالسخافات والمتناقضات التي لا يقبلها شرع، ولا يصدقها عقل.. كإباحة زواج الشخص من ابنته في الزنى، عند الشافعية.. وكإباحة شرب الخمر المصنوع من غير العنب ولو أسكر، عند الحنفية.. واعتبار الحرمة في السكر لا في الشرب!! وغير ذلك من أمور توقع الناس في الحيرة والشك.. إذ لا يمكن لأحد أن يتصور أن يكون شرع الله متناقضًا، وقد قال جل شأنه: { وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا } [النساء: 82] .. فأين هذا المبدأ السامي الأعلى من المذهبية في تحليل وتحريم الحكم الواحد بين مذهب وآخر!!

ومن الغريب أن دعاة المذهبية في تعارضهم واختلافهم، يقولون جميعًا أنهم يلتمسون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .. فدلوني بربكم هل أجاز الرسول عليه الصلاة والسلام الشيء وضده في آن واحد؟

المذهبية عقبة أمام الزحف الإسلامي:

ويستمر الدكتور جميل غازي في نقده للمذهبية: فيتهمها بأنها تقف عقبة أمام الزحف الإسلامي، وتعوق دخول غير المسلمين في الإسلام ويضرب لذلك مثلًا بما ذكره الشيخ محمد سلطان المعصومي عن النزاع الكبير، الذي حدث حينما أراد بعض اليابانيين الدخول في الدين الإسلامي وعرضوا ذلك على جمعية المسلمين في طوكيو، فقال جمع من أهل الهند: ينبغي أن يختاروا مذهب الإمام أبي حنيفة لأنه سراج الأمة.. وقال جمع من أهل إندونيسيا، بل عليهم أن يختاروا مذهب الإمام الشافعي لأنه عالم قريش.. فلما سمع اليابانيون كلامهم أخذتهم الدهشة والحيرة والشك، ووقفت المذهبية سدًا في سبيل إسلامهم!!

ثم يتناول الدكتور جميل غازي في نقده للمذهبية، كتب المذاهب الربعة فيصفها بالجفاف والتعقيد والغموض، خلافًا لفقه السنة الذي ينبع أساسًا من بلاغة القرآن والحديث الصحيح.

هل أفهم من ذلك أنك ترفض المذاهب الأربعة، رغم أننا توارثناها جيلًا عن جيل، واستقرت عليها عقائد المسلمين إلى حد أن الزواج مثلًا لا يتم عقده إلا على مذهب الإمام أبي حنيفة؟.. و.. ألا يخشى من أن يكون في نقدك للمذاهب شبهة المساس بالأئمة الأربعة الذين نكن لهم جميعًا كل تقدير وإجلال؟

المذهبية بدعة:

أرجو أن تفرقوا بين أمرين: أولهما: الأئمة الأربعة.. وثانيهما: المذاهب الأربعة.. فالأئمة شيء.. والمذهبية شيء آخر.

أما الأئمة فهم علماء أجلاء رضي الله عنهم جميعًا، ما دعوا إلى مذهبية ولا عصبية ولا دعا واحد منهم إلى اتباعه، بل نهوا عن ذلك أشد النهى، كما هو ثابت عند مراجعة تواريخهم وما أثر عنهم.

أما المذهبية: فهي بدعة نشأت بعد عصر الأئمة بفترة طويلة، ويكفيك أن تعلم أن الأئمة الأربعة كانوا متعاصرين ومتحابين، وكل منهم يحترم الآخر أشد الاحترام.. فمالك كان يجل أبا حنيفة، ويضعه في مكانه اللائق به كأستاذ ومعلم، وكذلك الشافعي مع أستاذه مالك، ومثلهما أحمد مع أستاذه الشافعي.. وما كان للعصبية المذهبية في نفوسهم أو في عصرهم أي وجود.. بل نشأت بعدهم ضمن غيرها من البدع، التي جاء بها أصحاب الدعوات وسدنة التعصب والتفريق.

ويستطرد الدكتور جميل غازي قائلًا: أما فيما يتعلق بنقد المذهبية وما قد يحمله ذلك من شبهة المساس بالأئمة الأربعة: فاسمح لي أن أسألك سؤالًا: أينا أكثر احترامًا للأئمة الربعة؟.. الذي يرفض التعصب لواحد منهم ضد الآخرين أم الذي يتمذهب بمذهب واحد ويرفض الآخرين؟

لا شك أن الذي يحترم الأئمة جميعًا، هو الذي يأخذ عنهم جميعًا، ويستفيد من علمهم جميعًا.. أما ذلك الذي يقول: أنا حنفي مثلًا فإنه بمفهوم المخالفة يقول: لست شافعيًا ولا مالكيًا ولا حنبليًا.. وعكس هذا يمكن أن يقال بالنسبة للشافعي أو غيره.

ثم يبتسم جميل غازي قائلًا: لقد أشرت في سؤالك إلى نقطة هامة، هي عقد الزواج، وما يقال فيه.. فأنت تتزوج امرأتك على مذهب أبي حنيفة الإمام الأعظم كما يقولون - مع ملاحظة أن الإمام الأعظم هو محمد عليه الصلاة والسلام - فاسمح لي أيضًا أن أسألك: أليس في هذا التعبير الذي يستخدمه الأحناف نيل من الأئمة الثلاثة الباقين؟ ثم سؤال آخر: إذا كان عقد الزواج لا يصح إلا على مذهب أبي حنيفة.. فقل لي بربك على مذهب من تم عقد الزواج بين والدي الإمام أبي حنيفة رحمهما الله؟!

لن تصلح هذه الأمة إلا إذا أقرت بتوحيد الألوهية.. وتوحيد الاتباع

ثم يعقب فضيلة الدكتور جميل غازي قائلًا:

إنني أعتقد وأومن أن هذه الأمة لا تصلح إلا إذا أقرت أولًا بتوحيد الألوهية.. فيكون الإله المعبود واحدًا لا شريك له.. ثم أقرت ثانيًا بتوحيد الاتباع.. فيكون الرسول صلى الله عليه وسلم هو وحده المتبع، وهو وحده الإمام المعصوم.

وليس هناك مانع بعد ذلك من أن نستضيء بفهم أئمة المسلمين الأجلاء الأربعة وغيرهم ممن فهموا الشريعة، وأصلوا أصولها، وبوبوا أبوابها، وهم كثيرون والحمد لله.. وصدق الحق تبارك وتعالى إذ يقول: { إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [النور: 51] .

دعوة التقريب.. مشبوهة ومرفوضة:

قلت: يتصل بحديثنا عن تعدد المذاهب الإسلامية، ذلك الخلاف الحادث بين الشيعة وأهل السنة.. ولقد زار مصر مؤخرًا فضيلة الشيخ تقي الدين القمي، الذي يطلقون عليه رائد التقريب بين المذاهب، وعقد أكثر من اجتماع مع بعض كبار العلماء لمحاولة التقريب بين المذاهب.. فإلى أي حد في رأيكم يمكن أن تنجح دعوته؟

ويجيب فضيلته قائلًا: هذه دعوة مشبوهة ومرفوضة، وليس لها من هدف في حقيقة الأمر، إلا التمكين لأفكار المذهب الشيعي من التسلل بين جمهور أهل السنة.

ثم يتساءل في نبرة غاضبة: أي تقريب هذا الذي يدعون إليه؟.. حاشا لدين الله أن يكون (توليفة) من هنا وهنا.. إنما هو دين واضح محدد ليس له إلا مصدران أساسيان.. الكتاب والسنة.. وما يخرج عنهما فهو مرفوض، ولا ينبغي أن يكون موضعًا لجدل أومناقشة.

إن معنى التقريب بين مذهبين أو اتجاهين هو أن يتنازل أصحاب كل مذهب أو اتجاه عن بعض معتقداتهم ليلتقوا بالاتجاه الآخر.. فهل من حق أحد من أهل السنة أن يتجاوز عن بعض ما أنزل الله إرضاء للشيعة ؟

إن الأولى بأصحاب دعوى التقريب المزعوم أن يراجعوا معتقداتهم على الكتاب والسنة، وأن يطرحوا أية معتقدات تتعارض مع هذا الأصل الأصيل لدين الإسلام.

حقيقة الخلاف بين الشيعة وأهل السنة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت