فهرس الكتاب

الصفحة 2786 من 3028

من كل هذا نلاحظ أن (هنتنجتون) لا يرى في انتهاء الحرب الباردة نهاية للتعدد، والانسجام والانفراد المتوقع بالكون محض وهم، التعدد وتأصيله في الكون البشري أصبح أكثر حقيقية وواقعية من ذي قبل، والحاجة إلى الذات والهوية والأصل والعرق والمجال المحدد أمست حاجة وجودية، لكنها تتركز في عالم اليوم بالهوية الحضارية، هذا الثابت هو أساس وجوهر الصراع والتنافس في حياتنا المعاصرة، والنزوع إلى الاختلاف بالطبع لا يلغي النزوع إلى التوحد والتوافق والانسجام.

ويرجح هنتنجتون الرأي بأن (أواخر القرن العشرين شهد انبعاثًا أو صحوة دينية في أنحاء العالم، وأدى ذلك إلى تقوية الاختلافات بين الأديان. ونظرته إلى المستقبل تُرجح انتصار الإسلام حيث على (( المدى الطويل سينتصر محمد(ص) والمسيحية تنتشر أساسًا عن طريق التحول، الإسلام ينشر عن طريق التحول والتناسل ونسبة المسيحيين في العالم ارتفعت إلى 30% في الثمانينات ثم استقرت وهي الآن تنخفض، وقد تصل إلى 25% من سكان العالم بحلول عام 2025م ونتيجة لمعدل الزيادة السكانية المرتفع جدًا، فإن مسلمي العالم سيستمرون في الزيادة الكبيرة التي قد تصل إلى نسبة 20% من سكا العالم مع نهاية القرن الحالي وتفوق عدد المسيحيين بعد سنوات قليلة وربما تصل إلى نسبة 20% من سكان العالم بحدود سنة 2000).

إن عملية التأصيل الكونية هذه تتجلى بشكل واضح في الإحياء الديني الذي يجري في أجزاء كثيرة من العالم، خاصة ذلك الانبعاث الثقافي في الدول الآسيوية والإسلامية الناجم عن نشاطها الثقافي ونموها الديمغرافي، وتتبع هذه الصحوة في الجمهوريات الإسلامية كونها (رد فعل ضد العلمانية والنسبية الأخلاقية والانغماس الذاتي وإعادة تأكيد لقيم الانضباط والعمل والعون المتبادل والتضامن الإنساني، وهذا يعني على حد تعبير(وليم ماكنيل) حين يقول: إن إعادة تأكيد الإسلام مهما كان شكله الطائفي، يعني رفض النفوذ الأوروبي الأمريكي على المجتمع والسياسة والقيم المحلية، وهذا يؤشر على أن (صحوة الأديان غير الغربية هي أقوى مظاهر معاداة التغريب في المجتمعات غير الغربية، لكن الصحوة هنا ليست رفضًا للحداثة بل هي رفض للغرب والثقافة العلمانية النسبية المتفسخة المرتبطة به.

وعلى هذا الأساس تُعد، الصحوة الثقافية والاجتماعية والسياسية العامة للإسلام اليوم التحدي الإسلامي الجديد، والحضارة الإسلامية تُعبر عن ثقتها بنفسها في تحدي الغرب بالاستناد إلى التعبئة الاجتماعية والنمو السكاني، هذا التحدي له آثاره على (عدم استقرار السياسة العالمية في القرن القادم) .

يستقرأ (هنتنجتون) واقع حال هذه الأصولية ومُعطياتها، فقد 0لمست الصحوة كل مجتمع في العالم تقريبًا، مع بداية السبعينات اكتسبت الرموز والمعتقدات والمبادئ والممارسات والسياسات والتنظيمات الإسلامية التزامًا متزايدًا ودعمًا في كل أنحاء العالم المكون من بليون مسلم والممتد من المغرب العربي إلى أندونيسيان ومن نجيريا إلى كازخستان، وقد اتخذت عملية بعث الروح في الأسلمة طريقها إلى الظهور من خلال ثلاث فئات، شأنها في ذلك شأن الحركات الثورية، وهي:

1 ـ الفئة الأولى: وتتكون من الطلاب والمثقفين الذين اجتاحا الاتحادات الطلابية، ثم الاختراق الإسلامي للجامعات في مصر والباكستان وأفغانستان وطلاب المعاهد الفنية وكليات الهندسة، ثم جيل التأصيل الثاني الذي عبر عن نمط جديد من الأسلمة في السعودية والجزائر.

2 ـ الفئة الثانية: جاءت من القطاعات الأكثر تقدماص في الطبقة المتوسطة كالأطباء والمحامين والمدرسين والموظفين في الدولة.

3 ـ الفئة الثالثة: من جماهير الإسلام الثوري كما يقول (روي) : هم نتاج المجتمع الحديث القادمون الجدد إلى المدينة، ملايين الفلاحين الذين ضاعفوا وضاعفوا من عدد سكان المدن الإسلامية الكبرى، وهذا برأي هنتنجتون، استخلاص نظري، فالمهاجرون من المزارع والمكدسون في الأحياء العشوائية والحقيرة من المدن كانوا دائمًا في حاجة إلى الخدمات الاجتماعية التي توفرها لهم المنظمات والمؤسسات الإسلامية وكانوا هم المستفيدين منها.

ومن ناحية ترتبط الصحوة الإسلامية بوضعية الحكومات الإسلامية فالعلاقة متداخلة ويحاول (هنتنجتون) استقراء مؤشراتها، فالحكومات التي تُمارس الحكم من منظور إسلامي عمليًا هي قليلة في الآفاق الإسلامية، هناك إيران والسودان ودول الخليج العربي فضلًا عن دول أخرى خارج هذه الأطر الجغرافية، في السبعينات والثمانينات كان الصراع قائمًا بين فكرة الديمقراطية الليبرالية والاتجاهات الإسلامية، لكن الحركات المتأسلمة تكتسب قوة في البلاد الإسلامية، التأسلم كان هو البديل العملي للمعارضة الديمقراطية للسلطوية في المجتمعات المسيحية، هذه الحركات إحتكرت غالبًا عملية المعارضة للحكومات في الدول الإسلامية، ومن منظور (هنتنجتون) كانت قوة هذه الحركات تعود في جزء منها إلى ضعف مصادر المعارضة البديلة، والحركات اليسارية والشيوعية فقدت مصداقيتها ثم قل شأنها لدرجة كبيرة بعد إنهيار الاتحاد السوفيتي والشيوعية العالمية، جماعات المعارضة الديمقراطية الليبرالية كانت موجودة في معظم المجتمعات الإسلامية لكنها كانت تقتصر عادة على أعداد محدودة من المثقفين وغيرهم من ذوي الارتباطات أو الجذور الغربية ومع إستثناءات قليلة كان الديمقراطيون الليبراليون عاجزين عن كسب الدعم الشعبي في المجتمعات الإسلامية، بل حتى الليبرالية الإسلامية فشلت في تكوين جذورها.

وبالمقارنة مع الأحزاب الديمقراطية فإن القوة الأصولية تنوعت عكسيًا مع هذه الأحزاب، ومنها العلمانية والوطنية، هذه الأخيرة تبدو بلا قناع بينما الحركات الأصولية لديها غطاء شعبي واسع، فضلًا عن المؤسسات التي تدعمها .. ، وقوة الصحوة وجاذبية التأسلم أدتا إلى تبني الحكومات للممارسات الدينية ودمج رموزها في أنظمتها، وهو الأمر الذي يعني إعادة تأكيد الشخصية الإسلامية للدولة والمجتمع.

ومن وجهة نظر هنتنجتون هناك أسبابًا لتعاظم القوة الإسلامية في مرحلة السبعينات والثمانينات ومنها، وهو الأهم، الطفرة النفطية التي حدثت في السبعينات حيث حفزت الصحوة الإسلامية وزدتها بالوقود، هذه الطفرة زادت لدرجة كبيرة من ثروة وقوة كثير من الدول الإسلامية ومكنتها من أن تعكس اتجاه علاقة السيطرة والتبعية التي كانت بينها وبين الغرب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت