فهرس الكتاب

الصفحة 856 من 3028

وهذا الشعور يفرز عند الإنسان ما يسميه بالوصاية على الدين وأهله, وعلى الدعوة والدعاة, وهذا يضر به؛ لأنه يجعله يتحرك بطريقة غير طبيعية, ويضر بالآخرين؛ لأنه يكلفهم, ويتعامل معهم بطريقة ليست سوية.

وهذا كله نوع من اضطراب المعايير يولّد عند الإنسان قدرًا من عدم الانضباط، ويفرز إلحاحًا على بعض المسائل والقضايا.

هناك شيء يسميه المختصون: بـ"الفوبيا".

ترجمتها: الخوف المرضي.

هو نوع من الخوف الذي لا يبرره الواقع؛ لكنها تختلف عما سميته بالقلق العصابي.

إن الفوبيا خوف من الواقع.

أما القلق فهو خوف من؟

المستقبل.

ولذا كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يستعيذ من الهم والحَزَن.

فالهمُّ يتعلق بالمستقبل؛ وهو ما نعبر عنه بالقلق العصابي.

-يخاف عندما يريد أن يتزوج.

-يخاف عندما يريد أن يتخرج؛ أين يوظف؟

-يخاف عندما يريد أن يسافر.

أما الفوبيا, أو الخوف المرضي فهو ما يتعلق بالحاضر، وهو ما يعبر عنه بالحزن أو الغم.

فيكون الإنسان مغمومًا.. ضيق الصدر يخاف من أشياء حاضرة لا يبرر الواقع الخوف منها.

والغربيون يخافون من الإسلام , وخصوصًا دوائر الإعلام والدراسات والمراكز وغيرها.

فيسمي بعض الدارسين خوف الغرب من الإسلام:"فوبيا الإسلام".

أي: الخوف المرضي من الإسلام.

لأن الواقع أن الإسلام دين صحيح قوي وصلب، ومقاوم.

لكن واقع الأمة الإسلامية لا يوجب خوف الغرب خوفًا مسعورًا.

وإنما هذا الخوف كما يعتبره بعضهم نوعًا من الفوبيا. أي: المبالغة في الخوف.

وقد تكون هذه المبالغة منهم مقصودة من أجل صنع عدو للغرب؛ كما كانت الشيوعية عدوًّا للغرب في فترة من الفترات.

كما يمكن أن نقول -في بعض الأحيان-: إن خوف المسلمين من الغرب يصل إلى درجة هذه الفوبيا إلى حد ما!.

إن الإسلام دين قوي وراسخ وصلب، وقد تكفل الله -سبحانه وتعالى- بحفظ هذا الدين (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر:9] .

ولم يجعل الله -سبحانه وتعالى- أمر حفظ الدين إلى أحد من خلقه حتى ذكر الله -عز وجل- وفاة نبيه -صلى الله عليه وسلم-, وقال لأصحابه:

(وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ) [آل عمران:144] . فالدين محفوظ، والأمة باقية إلى قيام الساعة، والشريعة خالدة, لا زوال لها, حتى يأذن الله -سبحانه وتعالى-.

وقد أخبر الله عن ذلك فقال: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) [التوبة:33] .

وفي الآية الأخرى:

(وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا) [الفتح:28] .

وأخبر الرسول -صلى الله عليه وسلم- عن آخر هذه الأمة, وما جاء فيها من الخيرات والبركات, وما يجريه الله -سبحانه وتعالى- على يد أبطالها ورجالها وأئمتها وعلمائها من النصر والعز والتمكين.

الغرب يضر، ولكن: (لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذى) [آل عمران:111] .

وإذا كان لدينا خوف من الغرب؛ فإن هذا الخوف ينبغي أن يكون معتدلًا, لا يضعف بحيث نكون لقمة سائغة, ولا يزيد بحيث نصبح ضحايا هذا التخوف ونتيجة لذلك نملك التمييز بين النافع والضار, ولا نقع أسرى الرفض المطلق لكل شيء على اعتبار الشعور بالعجز الذاتي والاستهداف.

من صور الخوف المرضي الهمُّ، كما أشرت إليه.

والمهموم تجده يستعيد همومه ومتاعبه باستمرار، ويتذكرها لحظة لحظة, دون أن يصل إلى حل لهذه الهموم!.

وهذا تعب لا ينفع.

ولذلك, قيل لبعض بني أمية: أين كنت يوم قتل عثمان -رضي الله عنه-؟

قال: شغلني الغضب له, عن الحزن عليه.

وهكذا! نحن نريد أن نقول لأنفسنا ولإخواننا: يجب أن يشغلنا الغضب للإسلام وللمسلمين عن الحزن عليهم؛ فإن تحولنا إلى مجرد نُعاة وبكّائين وأصحاب نياحة؛ فإن هذا لا ينفع شيئًا, ولا يغني شيئًا.

وإنما الذي يغنِي هو أن نعمل ولو قليلًا، وأن تضيء شمعة؛ خير من أن تلعن الظلام ألف لعنة!

مفهوم الحضارة عند مالك بن نبي

محمد العبدة 28/3/1424

تمهيد:

تحت عنوان: ( مشكلات الحضارة) أصدر المفكر الجزائري مالك بن نبي كتبه، سواء التي كتبها بالفرنسية أم بالعربية، وهذا العنوان كان جوابًا لسؤال ما يزال يلح على المسلمين منذ أن صدموا بالحضارة الغربية، وهي تطرق الأبواب وتسد عليهم المنافذ وكان السؤال: ما هي أسباب تقهقر المسلمين، وما هي شروط النهضة؟ والإجابة عن هذا السؤال كانت محور كتابات وأقوال الذين تصدوا للإصلاح، ولكن مالك بن نبي يرى أن هؤلاء كانوا ( لا يعالجون المرض بقدر ما يعالجون أعراضه) والمرض الحقيقي هو في داخل شخصية المسلم أو العربي، فهو يحمل بين جنبيه أمراضًا اجتماعية ونفسية وفكرية تعيقه عن النهوض: إذن كيف نصوغ عقله وشخصيته؛ حتى يعود إلى فعاليته؟ والجواب عند مالك:"مشكلة كل شعب هي في جوهرها مشكلة حضارته، ولا يمكن لشعب أن يفهم أو يحل مشكلة ما لم يتعمق في فهم العوامل التي تبني الحضارات أو تهدمها) والمسلم اليوم -كما يرى مالك- لا يعيش حالة حضارة، وإنما هو من بقايا حضارة، ولا بد من إدخاله مرة ثانية في دورة الحضارة، فالإنسان السابق على الحضارة (العربي قبل البعثة المحمدية مثلًا) هو مثل جزيء الماء قبل أن ينحدر بقوة لينتج طاقة كهربائية، فهذا جزيء منطوٍ على طاقة مذخورة، ولكنه يفقد طاقته بعد أن استنفذها في إنتاج الكهرباء، وهذا يعني أننا بحاجة لرفعه مرة ثانية كي يستطيع الإنتاج، والمشكلة أن إنسان ما قبل الحضارة أقرب للفطرة والقوة، وهو بعد الحضارة يحمل أمراضًا كثيرة."

الإسلام نقل العرب إلى حضارة وأنتج الفرد أشياء كثيرة، ولكن في عصر التخلف وغياب المناخ العلمي لم يستفد المسلمون من اكتشاف ابن النفيس للدورة الدموية، فلم تتراكم المعلومات والمعارف ولم يتقدم بعده علم الطب.

ما هي الحضارة:

ليس هذا المقال في مجال الدخول في معترك تعريف الحضارة عند من كتبوا حولها، فبعضهم يعتبر الحضارة آخر مراحل المدنية والرفاهية، ولذلك يعتبرها بداية للانحدار، فالحضارة عند ابن خلدون هي ( معاناة فنون الملاذ والفتن في الترف واستجادة أحواله) وقريب منه تعريف المؤرخ الألماني (شبنجلر) الذي يرى أن (الثقافة هي مرحلة النمو، فإذا وصل الأمر إلى الحضارة فهي النهاية) وكما يقال: لا مشاحة في الاصطلاح، فحسب تعريف المفكر أو المؤرخ للحضارة يمكن أن تقول إن هناك حضارة غربية وحضارة صينية وحضارة إسلامية ... وقد يقصرها البعض على ثقافة معينة حسب تعريفه.

يعرف مالك بن نبي الحضارة بأنها:"مجموع الشروط الأخلاقية والمادية التي تتيح لمجتمع معين أن يقدم لكل فرد في كل طور من أطوار حياته المساعدة الضرورية"أو هي:"إنتاج فكرة حية تطبع على مجتمع الدفعة التي تجعله يدخل التاريخ"فالحضارة عند مالك هي الحاضنة للتقدم، والمحيط المناسب لإشاعة ثقافة العلم، حين تعطي الفكرة المبررات الدافعة لليد والعقل للاستفادة من الوقت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت