ولكي يحقق الغازي ! آماله: اضطر إلى حل المجلس الوطني الكبير ، وتشكيل مجلس مؤيد له يوافق على ما جاء في معاهدة لوزان ، والمضحك في الأمر: أن 40 ( فقط من النواب هم الذين حضروا الاجتماع الذي أعلن فيه عن قيام الجمهورية التركية وإلغاء مؤسسة الخلافة بعد أربعة عشر قرنًا من الزمان [54] ، وقد أصدر المجلس القوانين: 429 ، 430 ، 431 التي تنص على إلغاء الخلافة ، وطرد الخليفة وأسرته ، وإلغاء وزارة الأوقاف والشرعية والمدارس الدينية [55] ، ويقول عن تلك النكبة الكبرى ذلك المؤرخ: إنها كانت انتصارًا للقومية التركية ، واستطاع بذلك الغازي ! تحدي بريطانيا وحلفائها ، أما عن نقله للعاصمة إلى مدينة أنقرة: فيبرر ذلك بحجة تجريد المدينة(إستانبول) من السلاح والتخلص من الماضي [56] ، فعلًا لقد نجح مصطفى كمال في خداع قطاع كبير من الناس بنفاقه البغيض ، لدرجة أن السلطان عبد الحميد الثاني على الرغم من ثاقب نظره صدّق انتصار مصطفى كمال على الحلفاء في معركة جناق قلعة ، أو ربما رغبته في حماية البلد هي التي دفعته لتصديق تلك المهزلة ، حتى دعا الله أن يتقبل منه عمله ذاك ! [57] ، ولم يقف الحد عند ذلك ، إذ تسابق الشعراء في الثناء على انتصارات الغازي وتمجيدها ، كما حصل مع أمير الشعراء أحمد شوقي ، إذا أنشد [58] :
الله أكبر كم في الفتح من عجب يا خالد الترك جدد خالد العرب
حذوت حذو صلاح الدين في زمن فيه القتال بلا شرع ولا أدب
ثم انصدم بعد ذلك كغيره من المسلمين بأعمال الغازي ! المناهضة لدين الله ، وتأسف على ما فات . ويعلق المؤرخ إحسان حقّي على تلك الأحداث قائلًا: ( لقد عاصرت الثورة الكمالية وتأثرت بها ؛ لغربة المسلمين ووقوعهم تحت الاحتلال ، وانخدعت بها كغيري ، بينما استغل هو مشاعر المسلمين وأموالهم ، وكان يتظاهر بالإسلام ، إذ كان يأمر بقراءة صحيح البخاري قبل المعارك بفترة) ! [59] بينما يأسف مستشرق ألماني حاقد على قصر همة مصطفى كمال الذي آثر التخلي عن المنافع التي كانت دولته جديرة بجنيها لو رغب في إبقائها مركزًا روحيًّا للإسلام [60] ، لكن مصطفى كمال كان صريحًا في موقفه من الإسلام ، إذ خاطب المجلس الوطني أثناء مناقشة شروط معاهدة لوزان قائلًا: ( إن الآوان قد آن لتنظر تركيا إلى مصالحها ، وتتجاهل الهنود والعرب ، وتنقذ نفسها من تَزَعّم الدول الإسلامية ) [61] ، وهنا تجدر الإشارة إلى أن أحد النواب الإنجليز كان قد اعترض على استقلال تركيا ، فأجابه اللورد كرزون قائلًا: » إن القضية هي أنّ تركيا قد قضي عليها ، ولن تقوم لها قائمة ؛ لأننا قد قضينا على القوة المعنويةفيها ، وهي الخلافة الإسلامية « [62] .
بعد أن حقق مصطفى كمال آمال أوروبا التي سعت إليها طوال سبعة قرون تقريبًا: هل توقف عند ذلك ؟ أم تمادى في محاربته لله ولرسوله ؟ .
هذا ما سنراه في الحلقة التالية .
(1) أحمد النعمي: تركيا وحلف شمال الأطلسي ، ص 31 .
(2) يلماز أوزتونا ، تاريخ الدولة العثمانية ، ج2 ، ص 148 152 ، بتصرف .
(3) انظر: محمد صلاح الدين ، جمعية الاتحاد والترقي ودورها في إسقاط الخلافة الإسلامية .
(4) أوزتونا ، مصدر سابق ، ص 171 .
(5) راجع: مذكرات السلطان عبد الحميد ، ترجمة د محمد حرب .
(6) أحمد الشوابكة: حركة الجامعة الإسلامية ، ص 308 309 .
(7) د محمد حرب: العثمانيون في التاريخ والحضارة ، ص 38 .
(8) نجيب قيصه كورك: السلطان عبد الحميد خان الثاني واليهود ، ص 67 .
(9) حركة الجامعة الإسلامية ، ص 310 .
(10) جمعية الاتحاد والترقي ودورها في إسقاط الخلافة ، ص 40 .
(11) روبير مانتران ، تاريخ الدولة العثمانية ، ج2 ، ص 245 .
(12) مذكرات السلطان عبد الحميد ، ص 143 .
(13) المصدر السابق ، ص 186 .
(14) الرجل الصنم ، لمؤلف مجهول/ ضابط تركي سابق ، ج1 ، ص 37 .
(15) علي حسّون ، تاريخ الدولة العثمانية ، ص 307 .
(16) الرجل الصنم ، ص 44 46 ، بتصرف .
(17) المصدر نفسه ، ص 50 .
(18) حسّون ، مصدر سابق ، ص 308 .
(19) الرجل الصنم ، ص 60 .
(20) أحمد مصطفى: في أصول العثمانيين ، ص 301 .
(21) مانتران ، مصدر سابق ، ص 237 .
(22) الرجل الصنم ، ص 73 .
(23) مذكرات السلطان عبد الحميد ، ص 261 .
(24) الرجل الصنم ، ص 90 .
(25) مذكرات السلطان عبد الحميد ، ص 136 .
(26) الرجل الصنم ، ص 86 .
(27) عبد العزيز الشناوي ، الدولة العثمانية دولة إسلامية مفترى عليها ، ج 1 ، ص 253 .
(28) المصدر نفسه ، ص 245 .
(29) الرجل الصنم ، ص 129 ، ص 135 .
(30) محمد فريد ، تاريخ الدولة العليّة العثمانية ، ص 747 .
(31) المصدر نفسه ، ص 751 .
(32) الرجل الصنم ، ص 125 .
(33) المصدر نفسه ، ص 105 .
(34) محمد فريد ، مصدر سابق ، ص 749 .
(35) الرجل الصنم ، ص 181 .
(36) الشناوي ، مصدر سابق ، ص 259 .
(37) المصدر السابق ، ص 261 .
(38) حسّون ، مصدر سابق ، ص 319 .
(39) الشناوي ، مصدر سابق ، ص 263 .
(40) حسّون ، مصدر سابق ، ص 320 .
(41) المصدر نفسه ، ص 321 .
(42) الرجل الصنم ، ج2 ، ص 259 .
(43) المصدر السابق ، ص 257 .
(44) حسّون ، مصدر سابق ، ص 322 .
(45) المصدر السابق ، ص 324 .
(46) الشناوي ، مصدر سابق ، ص 275 .
(47) مصطفى حلمي ، الأسرار الخفية وراء إلغاء الخلافة الإسلامية ، ص 33 .
(48) حسون ، مصدر سابق ، ص 325 .
(49) المصدر السابق ، ص 326 .
(50) الأسرار الخفية ، ص265 .
(51) الرجل الصنم ، ج2 ، ص 270 .
(52) المصدر السابق ، ص 276 .
(53) الشناوي ، مصدر سابق ، ص 278 .
(54) حسّون ، مصدر سابق ، ص 327 .
(55) الرجل الصنم ، ص 298 .
(56) الشناوي ، مصدر سابق ، ص 304 307 ، بتصرف .
(57) مذكرات السلطان عبد الحميد ، ص260 .
(58) حسّون ، مصدر سابق ، ص 323 .
(59) محمد فريد ، مصدر سابق ، ص 754 .
(60) كارل بروكلمان ، تاريخ الشعوب الإسلامية ، ص 696 .
(61) تركيا وحلف شمال الأطلسي ، ص 37 .
(62) حسّون ، مصدر سابق ، ص 327 .
مجلة البيان العدد 106 الصفحة 52
أتاتورك ..
حقيقته ، والدور الذي أدّاه
بقلم: ياسر قارئ
أعماله وتركته:
يروي أحد المقربين من مصطفى كمال ويدعى (مفيد كانصو) ، وقد كان
يدوّن تصريحات وخلجات الغازي ! ): أنه في إحدى المرات في سنة 1919م تحدث مصطفى عن أحلامه المستقبلية ، فتطرق إلى إلغاء الخلافة وإعلان الجمهورية ، ثم فَرْض السفور ، وإلغاء الحروف واللغة العربية ، ومنع لبس الطربوش ، إلا أن (مفيد) لم يتحمّل ذلك ، وتوقف عن الكتابة في دفتر مذكراته ، وبعد الثورة سأله مصطفى كمال عن البند الذي وصل إليه وأنجزه حسبما انتهت إليه تسجيلاته [1] .