فهرس الكتاب

الصفحة 1035 من 3028

وبناءً على شروط معاهدة لوزان السالفة الذكر ، فلا غرابة أن تكون أول أعمال الغازي ! هو إقصاء الشريعة ومؤسساتها ، وتنحية القانون الإسلامي عن الساحة ، وتبنى القانون المدني ، ونظام التعليم العلماني ، والتقويم الجريجوري النصراني ، والحروف اللاتينية ؛ ليقطع الصلة بين المسلمين الأتراك وتراثهم الثقافي ، وجعل العطلة الأسبوعية يوم الأحد ، كما منع ارتداء الزي الإسلامي خارج المسجد ، وأغلق جامع (آيا صوفيا) ، وجامع السلطان محمد الفاتح ، ومنع الصلاة فيهما بعد أن حولهما إلى متحفين للآثار ، وفرض تلاوة القرآن باللغة التركية ! ، وكذلك الأذان ، كما ألغى قوامة الرجال على النساء ، وشجع العصبية القومية [2] ، ولم يكتف بذلك ، بل سمح بزواج الإخوة من الرضاعة ، علمًا بأنه محرم في الدستور المدني السويسري الذي أخذ عنه !! ، وقد علّق أحد زبانية أتاتورك على ذلك بقوله: (لقد فقنا حتى المسيحيين) [3] ، أما الكاتب الفرنسي (موريس برنو) في كتابه (آسيا الإسلامية) فقد سخر من جهل الغازي وسذاجته ، إذ قال: (إن القانون المدني السويسري الذي تبناه أتاتورك ناشئ عن مصدرين روماني ونصراني ، وإذا لزم أهل كل زمان التجديد بسبب عدم ملائمة القوانين القديمة ، فإن على الشعوب تغيير القوانين في كل عصر بصفة مستمرة) [4] .

من جهة أخرى: فقد أعلن الغازي على الملأ أنه عازم على قهر أولئك الفئة المعممة الباحثين عن الديانة ، وتكفل هو بتلك المهمة دون سائر رفاقه [5] ، كما أصدر أمرًا بإلغاء تعدد الزوجات ، فيما فرض صلاة الذئب الأبيض (معبود الطورانيين القدماء) على الجيش [6] ، ولقد كانت هذه التغيرات الجذرية في المجتمع التركي من التأثير والتغريب بمكان ، لدرجة أن ملك بريطانيا » جورج السادس « أصابه الذهول مما شاهده في زيارته لتركيا بسبب فقدان المجتمع لمظهره وكتابته ولغته ودينه ؛ مما لم يحصل في مستعمراته هو [7] ، وهنا نتذكر شهادة شيخ الإسلام (مصطفى صبري) في أتاتورك ، إذ يقول: ( إن الرجل مَن لا تجد إنجلترا مثله ولو جدّت في طلبه ، من حيث إنه يهدم ماديات الإسلام وأدبياته ولا سيما أدبياته في اليوم ، ما لا تهدم إنجلترا نفسها في عام ، فلما ثبتت كفاءته وقدرته من هذه الجهات: استخلفته لنفسها وانسحبت من بلادنا ) [8] .

أما سلوكه الشخصي: فهو مما يندى له الجبين ، لدرجة أنه فاق السلاطين الذين زعم هو وزمرته فسقهم ومجونهم ، إذ تحول قصر (جانقايا) مقر إقامته في أنقرة إلى بؤرة للرذيلة والفساد: تزواج ما بين الشاذين جنسيًّا ، واغتصاب طالبات المدارس بعد اختطافهن ، والاستمتاع بزوجات المسؤولين والتجار مقابل تلبية طلباتهم ، وتكديس القصر بالراقصات العاريات ، والتحرش بأقارب السفراء ، فضلًا عن معاقرة الخمور يوميًّا ، بالإضافة إلى سرقة أموال المسلمين وتبرعاتهم ، واغتصاب الأراضي الزراعية ، وبيع ممتلكاته على الدولة بأضعاف ثمنها ، وسلسلة من الاغتيالات السياسية لمعارضيه ، بل وبيع أذربيجان المسلمة إلى الروس [9] ، وقد حاول إشراك شاه إيران أثناء زيارته لأنقرة في هذا الوسط العفن ، فقدم له إحدى البغايا لتلبية احتياجاته ! ، فاعتذر الشاه [10] ، كما أنه أغرق ملك بريطانيا في الخمر حتى الثمالة .

وخرج ذات يوم من أحد الفنادق وهو مخمور كعادته ، وصادف وقت أذان الفجر ، فتعجب من شهرة هذا الرجل (يعني النبي -صلى الله عليه وسلم-) ، إذ جعل اسمه يتكرر في كل لحظة في العالم ! ، فما كان منه إلا أن أمر بإزالة مئذنة ذلك المسجد [11] ، وطفق بعد ذلك في نصب تماثيل له في طول البلاد وعرضها ، على الرغم من الأزمة الاقتصادية التي كانت تعاني منها البلاد ، كما استحدث مذهبًا جديدًا في الإسلام يزعم فيه بأن الإسلام دين تركي ، وهو علاقة خاصة وقلبية بين العبد وربه ، ومن أجل ذلك: فينبغي استخدام اللغة الأم للإنسان ، بمعنى آخر: شرّع أداء الدعاء باللغة التركية .

هذا الرجل لم يعرف الاستقرار الأسري في طفولته ، وقد لازمه هذا السلوك طيلة حياته على الرغم من أنه تزوج بامرأة ثرية ومن أسرة عريقة ، إلا أنها انفصلت عنه بعد مدة قصيرة بسبب فسقه وفجوره ، وبالذات مع خالدة أديب ، وهي من أبرز الشخصيات النسائية في (الأدب) التركي ، وكان أبوها من يهود الدونمة يعمل في قصر السلطان ، وهي التي رعت تمثيل أوبرا (رعاة كنعان) في مدرسة كانت تشرف عليها في بيروت ، وكالت في تلك الحفلة المديح لليهود ، كما عبّرت

عن أملها في قيام دولة لهم في فلسطين [12] ، وقد شكلت في سنة 1908م جمعية (ترقية النساء) لمنح المرأة حرية الانتخاب والقوامة [13] ، بل قلّدها الغازي ! وزارة المعارف في فترة حكمه [14] ، وبالإضافة إلى هذه المحظية: فقد كان يتبنى الفتيات بعد أن يستمتع بهن ، ويبتعثهن إلى أوروبا لإتمام دراستهن ، وقد غص قصره بهن ، إذ كانت الواحدة منهن لا تقضي معه أكثر من أسبوعين فقط [15] ،

فكم يا ترى منهن تقلدن المناصب فيما بعد ؟ ، وما هي ثمار أعمالهن في المجتمع التركي ؟ .

رفض مصطفى كمال منصب القائد العام للجيش في أول حرب بعد قرار الاتحاديين ؛ خشية إلحاق الهزيمة به شخصيًّا ، ثم ما لبث أن طالب المجلس بإضفاء لقب (غازي) عليه ومنحه مبلغ أربعة ملايين ليرة مكافأة على انتصاره [24] ، ثم إن الجمعية الوطنية خلعت عليه لقب ( أتاتورك) (أي: أبو الأتراك) ، تكريمًا له سنة 1934م بعد تصديق قانون ألقاب الأسر [25] ، ووالله لا أدري ما هو موقف هؤلاء القوم بعد أن أصبح معروفًا للناس بأن أتاتورك استدعى سفير بريطانيا لدى بلاده وهو على فراش الموت راجيًا منه تولي مقاليد البلاد عقب وفاته ، كما نشرت ذلك جريدة (الصنداي تايمز) اللندنية ، ونقلتها الأهرام المصرية في عدد 15/2/ 1968م [26] .

ولا نعجب عندما يروي لنا القنصل المصري في إستانبول (مصطفى السعدني) سنة 1952م أن أتاتورك كان يفكر جديًّا في إعلان النصرانية دينًا للبلاد لولا تحذير أعوانه [27] ، ربما لم يعرف قدر الرجل من وسط هؤلاء جميعًا بل وحقيقته سوى بابا الفاتيكان (جون بول الثاني) ، فعندما زار تركيا سنة 1979م صرّح قائلًا: ( إني أول بابا في التاريخ ينحني باحترام أمام مقبرة أتاتورك ، فتركيا بلد له أهميته القصوى دينيًّا وتاريخيًّا) [28] ، أما اليهودي (موئير كوهين) وهو تركي من الدونمة فقال عن أتاتورك: ( إنه ليس أسطورة ، بل إنسان من لحم ودم ، بل إنه فوق الإنسان !) [29] ، والعبارة الأخيرة أما أن تكون معبرة عن عقيدة الشعب المختار التي ينتمي إليها أتاتورك ، أو السلوك الشخصي الذي سار عليه والذي وصل به إلى حد التأليه ، بينما يطلع علينا مؤرخ مسلم يزعم بأن العلمانية التي فرضها أتاتورك لم تكن تسعى إلى مقاومة الدين بالصورة التي يشيعها أعداؤه [30] ، فلا حول ولا قوة إلا بالله .

الورثة وإنفاذ الوصية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت