يُؤْثَر عن (ميكافيللي) في روايته الشهيرة (الأمير) قوله: (رجحان عقل الأمير(الحاكم) وكفايته يقاسان بصفات المحيطين به ، فالأمانة والكفاية والخلق تدل على رجحان عقله ، وإلاّ عكس ذلك كان الرأي في الأمير) [31] ، وباعتبار هذه المقياس ، فإن أتاتورك قد أحاط نفسه بطائفة من الإمعات والنكرات الذين لم يجرؤوا على إخباره بحقيقة مرضه وسبل الشفاء منه ، ف (عصمت إينونو) مبعوثه الخاص إلى مؤتمر لوزان ونائبه لفترة طويلة ليس له دور قيادي في ظل وجود ولي نعمته ، لكنه كان معجبًا بسيده حتى الموت ، على طريقة (وزير فرعون) ، على أي حال: فقد انتخبه المجلس الوطني الكبير لرئاسة الجمهورية ، وحكم لمدة ستة عشر عامًا (1356 1370ه) ثم انتقل إلى صفوف المعارضة ، حتى هلك سنة 1393هـ في أنقرة [32] ، والحق يقال: إنه ظل مخلصًا لمبادئ سيده المناهضة للإسلام ، فاستمرت سياسة التضييق على دعاة الإسلام حتى عام 1369 هـ ، حيث حصل بعض الانفراج برئاسة رئيس الوزراء (عدنان مندريس) فأعيد القرآن والأذان بالعربية ، وأعيد فتح المدارس الدينية ، إلا أنّ الكماليين رفضوا إشراك الدين في السياسة [33] ! ! ، وفي المقابل: نجد أن الولايات المتحدة توجه الصفعات المتتالية للعلمانيين الأتراك ، إذ رفض الكونجرس إقراض تركيا خمسة ملايين دولار لـ (عصمت إينونو) وحكومته من أجل تطوير الصناعة (لإبقائه عالة على صدقات الغرب) ، فيما عارض (دين أتشتسون) وزير خارجية أمريكا دعم تركيا عسكريًّا في سنة 1946م ؛ لشعوره بالقلق من احتمال انتصار تركيا (العلمانية) على الاتحاد السوفييتي (إمبراطورية الشر) [34] ، وبالفعل: فقد أفصحت أمريكا عن هدفها الحقيقي ، وهو الاحتفاظ بإدارة الشؤون الاقتصادية ؛ بغية عرقلة وصول تركيا إلى التقدم الصناعي ، والتأكيد على بقائها دولة زراعية [35] ، وبسبب التوجه العلماني والاعتناق الشديد للمدنية الغربية ، وفي مقابل الانفتاح الاقتصادي والسياسي: تمكنت تركيا من المشاركة في المجلس الأوروبي سنة 1949م ، وحلف الأطلسي سنة 1952م ، ثم الانتساب إلى السوق الأوروبية سنة 1964م [36] .
ولا تزال القضية الأخيرة موضع أخذ و رد بين الأوروبيين ، ففي نظرهم: تركيا لا تزال دولة إسلامية على الرغم من علمانيتها المعروفة ، وفي هذا الجانب كتب رئيس تحرير صحيفة (التايمز) اللندنية معلقًا على انضمام تركيا إلى المجلس الأوروبي: (إنه من المضحك قبول تركيا فيه ، حيث لم تكن هناك خصائص الاتحاد والتي تتمثل في التقليد المشترك والدين واللغة) ، فكان رد المندوب التركي للمجلس هو: (إن الدين يجب ألا يؤخذ بعين الاعتبار في العلاقات الدولية ، ثم إن تركيا ليست دولة دينية ؛ لأنها تبنت العلمانية منذ ربع قرن ، وكذلك: فإن اللغة التركية هي من سلالة اللغات الهنغارية والفنلندية ، وعليه: فإن الأتراك يعتبرون أنفسهم جزءًا من المدنية الغربية) [37] ، وقد مضى على إعلان الجمهورية أربعة وسبعون عامًا ، ولا تزال أوروبا ترفض انضمامها إلى كيانها الاقتصادي ! .
الشعب يصحو:
نتج عن التحول الضئيل عن السياسة الكمالية عودة لمطالبة الشعب بالقوانين الإسلامية ، وبالفعل: تمكن أول نائب إسلامي وهو (نجم الدين أربكان) من الوصول إلى منصب الرجل الثاني في الحكومة بتحالفه مع حزب الشعب ذاته الذي أسسه أتاتورك ضمن حكومة ائتلافية ، وكان ذلك سنة 1977م ، إلا أن الكماليين وبالذات العسكريين منهم لم يتحملوا هذه التحولات ، فقاموا بانقلاب سنة 1400هـ (1980م) ، وتم حل البرلمان وإلغاء الأحزاب السياسية [38] ، وقد حاكم العسكريون (أربكان) وأعضاء حزب (السلامة) بتهمة العمل على قيام دولة إسلامية ، وتطبيق الشريعة ، وافتتاح مدارس للقرآن ، وإعادة فتح جامع (آيا صوفيا) ، وتحويل العطلة إلى يوم الجمعة ، وتغيير الحروف إلى العربية [39] ، ويظهر أن العسكر قد أدركوا حجم الخطأ ! الذي ارتكبه الساسة سابقًا عندما قدموا بعض التنازلات ، فبادروا هم كالعادة إلى حل المسألة !
استمرت أمريكا وحلفاؤها يرفضون مجرد انضمام تركيا لمفاوضات حلف شمال الأطلسي ؛ وذلك بسبب عدم انتمائها إلى الأسرة المسيحية الأوروبية ، وعقب انضمامها سنة 1952م قامت أمريكا ببناء مئة قاعدة عسكرية في البلاد للتنصت على الاتحاد السوفييتي دون علم المجلس الوطني التركي ، ومُنِع الأتراك من دخول تلك القواعد بمن فيهم العسكر [40] ، وفي هذا دلالة على أن الشعور بعدم الثقة لا يزال قائمًا ، في الوقت الذي قامت فيه حكومة (عدنان مندريس) وتحت إشراف خبراء أمريكيين بتشكيل لجنة تعليمية عليا للتخلص من كل ما تبقى من الكتب
القديمة والعزيزة على الأتراك ، وفتح الباب أمام منظمة (فيالق السلام) لتقوم بتغيير أفكار المجتمع بحرية مطلقة تمامًا [41] ، فيما هدد الرئيس (جونسون) حليفه (مندريس) بأن يتركه فريسة للروس إذا غزا جزيرة قبرص ، وقد فرضت حكومة الرئيس (نيكسون) حظرًا عسكريًّا على تركيا ، بعدما تجاهلت التهديد السابق ، وغزت قبرص إبان تولي (أربكان) نيابة رئاسة مجلس الوزراء عام 1977 م ، ولم يرفع الحظر إلا في زمن إدارة الرئيس (كارتر) الذي شعر بخطر تغلغل حزب (الإنقاذ الوطني) بقيادة (أربكان) في الريف التركي واستقطابه للشباب [42] .
الخاتمة:
بعد هذه الرحلة الطويلة عبر الماضي مع هذه الشخصية المثيرة للجدل ،نحاول استخلاص العبر والدروس مما مر معنا ؛ لأن هذه هي ثمرة العلم بالتاريخ ، فالرجل المجهول الأصل والنسب الذي أراد التضحية بالحجاز حيث قبلة المسلمين ومسجد النبي - صلى الله عليه وسلم- ، لكي يحافظ على القدس ! (وربما يفسر لنا هذا صحة ما أشيع عن رغبته في إعلان النصرانية دينًا للبلاد) ، ثم خياناته المتتالية للمسلمين في سورية وفلسطين والبلقان وأذربيجان ، وانقلابه على السلطان ( وحيد) الذي أوفده للأناضول ، ثم تجاهل الإنجليز لتسلحه وتمويله ، بل واصطناع الأحداث لجعله بطلًا قوميًّا تخضع له جماهير الشعب مثلما حصل مع اليونان في إستانبول وتراقيا ، ومرورًا بتعهده بإلغاء الخلافة ونفي أسرة الخليفة ، ونبذ الإسلام ، وانتهاءً بإشاعة الفاحشة في أوساط المسلمين الأتراك .. كل هذه الأعمال قام بها رجل يدّعي الإسلام ، فلم يواجه من المتاعب معشار ما لاقته بريطانيا في محاولاتها مستميتة في ثني رعاياها المسلمين عن الحماس لدينهم ، وإخوانهم في أرجاء المعمورة ، فكيف تسنى له ذلك ؟! ، وهل الكفر بالله لفظًا ، أو عملًا ، أو كتابة .. ينبغي أن يصدر من أناس أسماؤهم أوروبية غربية أو شرقية حتى تتحرك العواطف ؟ أم أن المسلمين طالما أن القانون صدر عن شخص يحمل اسمًا إسلاميًّا ، فهذا يكفيهم لقبوله وتنفيذه ، أو على الأقل: عدم مقاومته وفضح خطره وخطله ؟ .