في المقابل لا يوجد من حلقات تحفيظ القرآن الكريم إلا القليل، وبعض حلقات العلماء في المساجد على الطريقة القديمة التقليدية، ولا يوجد ما يواجه هذا الغزو من جهود رسمية، ولا جهود أهلية بل من يحاول مواجهة الغزو فإنه يحارَب. وأحب أن أنبه هنا إلى أن الشيعة انتهزوا الفرصة، ولهم الآن حوزة افتتحوها ويتولاها محمد آصف محسني الذي يعتبر مرجعًا للشيعة في أفغانستان، وكان يرأس حزب (حركة إسلامي) وقت الجهاد، والآن وبالتنسيق مع الأمريكان دخل إلى كابل، واشتُريت للحوزة الأرض، وخُصص لهم مكان لإقامة الجامعة الشيعية بـ 90 مليون دولار، وكلها تنفق باسم الحوزة المرجعية في إيران، والعمل بدأ بقوة، والآن يدرس 12 ألف طالب وطالبة من الشيعة في هذه الحوزة المعروفة باسم (خاتم النبيين) في وسط كابل. وهذه بداية لتغلغل الرافضة داخل كابل، وهي تتم بمباركة أمريكية وبمساعدة مؤسسات أوروبية وطبعًا إيرانية. ومدينة (باميان) الشيعية التي كانت منطقة جبلية صحراوية يعسر الوصول إليها إلا بشق الأنفس، عُبِّدت لها الآن طرق، وبُنيت هناك مستشفيات ومدارس ومطار عن طريق أموال من إيران، وقد أصبحت الآن تنافس العاصمة كابل، واشتُريت أراضٍ داخل كابل لبناء أحياء شيعية، وقد بنوا بيوتهم في هذه المناطق وبدؤوا التغلغل في الحكومة حتى أصبح لهم اثنان من أربعة ممثلين في البرلمان عن مدينة كابل. ويمكن أن يكون بناء هذه الحوزة تمهيدًا لإدخال السنَّة للتعلُّم فيها، وهم إلى الآن لم يفتحوا لهم الباب. وهكذا يأتي هذا التغلغل مع أنهم قبل عشر سنوات ما كان أحد منهم يملك بيتًا في كابل إلا قليل منهم على استحياء وتخفٍّ.
البيان: ماذا عن قضية المرأة في أفغانستان، وهي التي اعتبر الغزاة (تحريرها) هدفًا من أهدافهم الرئيسية..؟
3 من ناحية قضية المرأة فإن مشاركتها في البرلمان والدعاية لها وخروجها عن التقاليد الإسلامية؛ هذه أيضًا تعتبر من أهدافهم الرئيسية، وكذلك إخراجها للعمل الذي لا يناسبها كعاملات وخادمات في الفنادق. لكن هذه المحاولات لا تجد لها مكانًا إلا في العاصمة كابل التي يسيطر عليها الحكوميون والغزاة، لكن ـ ولله الحمد ـ في خارج كابل لا تجد شيئًا من ذلك، وكل مظهر من تلك المظاهر التغريبية يقاوَم. أما في كابل فكل تركيزهم الآن على الإفساد الثقافي والغزو الفكري فيها، وتحريض المرأة على السفور والتبرج، وقد نجحوا إلى حد خطير فيها، حتى أصبح مظهر كابل كمظهر أي مدينة غير إسلامية.
البيان: من وجهة نظرك كيف أعادت طالبان صفوفها من الناحية العسكرية، واستعادت سيطرتها على بعض المدن؟
3 أعتقد بالنسبة لطالبان أن أتباعها اختفوا في المظهر لكنهم موجودون ولم يتفرقوا، وأحسب أنه كانت هناك قنوات للاتصال فيما بينهم، هم موجودون ولم يتشتتوا، لكنهم عمليًا كانوا ينتظرون فرصة لبدء أعمال المقاومة؛ وذلك عندما يطلبهم الناس، ويشعرون بالاحتياج إليهم.
وزراؤهم وقادتهم وأفرادهم، كلهم كانوا معروفين وموجودين في الداخل والخارج، ويتحركون ويتصل بعضهم ببعض. نعم! كان هناك نوع من التخفي ومن التحرك من مكان إلى مكان، لكني أعتقد أنهم لم يتأثروا بذلك كثيرًا، ولم يخضعوا، صحيح أن بعضهم لم يرَ أهله منذ ثلاث سنوات أو أكثر، ويبدو أن جهدهم الآن منصبٌّ على تنسيق العمل لتحرير أفغانستان من الغزاة.
وفي خلال السنوات الخمس الماضية تكوَّن جيل جديد مقاوم، من الذين كانت أعمارهم ثلاث عشرة سنة أو أربع عشرة سنة أو خمس عشرة سنة في وقت حكومة طالبان وصارت أعمارهم الآن عشرين سنة أو نحو ذلك، وقد بدؤوا الانخراط في قوات طالبان بمعنوية عالية، أقوى مما كانت عليه وقت غزو الروس ووقت حكم طالبان، ويدل على ذلك قيام كثير منهم بعمليات استشهادية، لم تكن معروفة في أفغانستان من قبل.
البيان: من وجهة نظرك كمتابع كيف تدير طالبان المناطق التي تسيطر عليها؟
3 أعتقد أنهم أعادوا ترتيب شؤونهم وتنسيقها، وبدؤوا بالمقاومة؛ مع وجود نقص كبير بالأسلحة والمعدات، لكن التضحية والمعنويات العالية غطت على كثير من نواحي النقص هذه.
أما من ناحية السيطرة على مناطق المحافظات، وبخاصة في الولايات الجنوبية والغربية والشرقية خارج المدن الكبرى، والتي قريبًا أصبحت تحت هيمنة طالبان وإن لم يُقيموا إدارات حكومية هناك لكي لا تقصفهم الطائرات الأمريكية، وحتى لا يتضرر عامة الناس، وصار الناس من أهل المنطقة يديرون شؤونهم بالتنسيق مع طالبان، التي تترك الإدارة لهم وتبقي بيدها الشؤون العسكرية والأمنية، فطالبان موجودة كقيادة وإن صار غالب جيشها من الجيل الجديد الذي قد يبلغ عشرات الآلاف متى تهيأ له التجهيز.
البيان: ما هي حقيقة الموقف الباكستاني، وما تفسير تصريحات كرزاي ضد هذا الموقف؟
3 الخلافات بين كرزاي ومشرف هي طبعًا خلافات مصالح ليس إلا؛ لأن كرزاي يريد أن يساوي نفسه بمشرف، ومشرف ينظر إليه كأنه لاجئ من اللاجئين، وهكذا كان يعيش هو وأبواه وأهله كلهم في باكستان. مشرف ينظر إليه بهذه النظرة، وكرزاي يرى أن الأمور تغيرت، وقد صرح قبل مدة في تلفزيون كابل وقال: يا مشرف! أنت الآن تريد أن تستعبدني، وأي مكان تعلي فيه عَلَمَك أُعْلِي فيه علمي، وأي مكان لسفارتك موجودة فيه سفارتي، وأي قائد أو رئيس دولة يأتي المنطقة يأتيني قبلك. وبدأ يطلق تهديدات من هذا النوع، وعلى لسانه باللغة الأفغانية، وقال محتميًا بالأمريكان: بعد اليوم لن تستعبدني وتهددني. ومشرف الآن بقاؤه في الحكم بيد أمريكا، وهو يعرف هذا، وأنه إذا لم ينفذ ولم يعمل ما يقال له فسينتهي دوره. لكن المهم أن باكستان ليست عبارة عن مشرف؛ فهناك الجيش، وهناك استخبارات في الجيش، هناك الاستخبارات الخارجية التي تسمى ( ASA ) التي تعتبر اللجنه الحاكمة على سياسة الدولة والاتصالات الخارجية بصفة عامة؛ وهؤلاء إضافة إلى بعض الحكومة المدنية والوزراء والأحزاب والمنظمات الذين يعتبرون أعمدة النظام، هؤلاء معارضون له في انبطاحه لأمريكا، ويرون أن هذا الطريق خطأ، وأن أمريكا لن ترضى، ومعارضتهم له ليست باسم الدين أو العقيدة، بل من أجل بقائهم هم، وهم يرون أن مصالح باكستان ستذهب، بل ربما تتعرض باكستان للتشتت والتقسيم، وأفغانستان الآن تريد أراضي بيشاور وبلوشستان، وهي تقول إنها ملكها، وأعلنت أنها تريد أراضيها، بينما باكستان متمسكة بهذه الأراضي، وتبرر هذا الموقف بأنها تريد منع تسلل المجاهدين، وكرزاي يستعين بالهند على باكستان، والمخابرات الهندية ثقلها الآن كبير داخل أفغانستان، والانفجارات التي تحدث في إسلام أباد، وفي كويتا، وفي بيشاور، وفي وزيرستان؛ والتي يُحَمَّل المجاهدون عامتها هي من فعل المخابرات الهندية، والهند تريد إحداث قلاقل في باكستان من أجل أن تشغلها عن القضية الكشميرية وترتاح. فالحرب على مشرف قائمة من كل جهة: من الهند ومن أفغانستان ومن الداخل ومن الخارج، وباكستان تحت رئاسته متورطة وتريد مخرجًا بسرعة.
البيان: من وجهة نظرك هل حاولت طالبان القيام بشيء من الاتصالات مع الأطراف المتضررة من الوجود الغربي في أفغانستان، مثل الصين أو روسيا؟