وذلك خضوعًا لهواه، المسبق، أليس"الفتح لنهب الأموال، وقطع الطرق؟؟ ؟ فإذا لم يذكر الطبري أن المسلمين عاهدوا أهل سمرقند على مال فليتبرع هو بالمال للجنود"المترفين الذين هم في حاجة إلى المال، ويقاتلون من أجله"."
وأما الرهائن، فلست أدري الهدف من تزييف عددها، وزيادته، من خمسين إلى ألف، أي عشرين ضعفا!!!
ثالثًا - ذكر أن قتيبة بن مسلم استولى على سمرقند في وقت لاحق، وطرد أهلها واحتل جنوده منازلها، رغم التزام أهل سمرقند بالمعاهدة المبرمة مع القائد السابق، وأضاف ذلك إلى الطبري، وغيره من المصادر العربية، وسماها (الرواية العربية) . .
فهذا اتهام صريح لقتيبة بن مسلم، بنقض المعاهدة التي وقعها أهل سمرقند مع سعيد بن عثمان، والتزموا بها، ولكن المسلمين بقيادة قتيبة بن مسلم أعادوا فتحها ثانية، ودخلوها - رغم العهد - مغيرين (طبعًا لنهب الأموال والغنائم) .
فهل نجد ذلك في كلام الطبري؟؟
هل قال الطبري: إن قتيبة بن مسلم استولى على سمرقند، وغزاها مع أنها كانت ملتزمة بعهدها مع سعيد بن عثمان؟؟
سنضع أمامك نص الطبري بحروفه، وليس لنا فيه إلا شيء من الاختصار لا يذهب بشيء من المعنى:
جاء في ج2 ص 1242:". . وخطب قتيبة الناس، فقال: إن الله قد فتح لكم هذه البلدة، (55) في وقت الغزو فيه ممكن، وهذه الصغد، شاغرة برجلها (56) (الصغد أو السغد أهل سمرقند، وينسب إليهم الإقليم الذي عاصمته سمرقند) قد نقضوا العهد الذي كان بيننا، منعونا ما كنا صالحنا عليه (طرخون) (اسم قائدهم حاكم سمرقند) وصنعوا به ما بلغكم، وقال الله تعالى: (( فَمن نَّكث فإنّما ينكُثُ على نفسِه ) ) [سورة الفتح:10] فسيروا على بركة الله فإني أرجو أن يكون خوارزم، والصغد، كالنضير وبني قريظة، وقال الله تعالى: (( وأُخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بهاُُ ) ) [سورة الفتح:21] أ هـ بنصه وحروفه."
فها هي عبارة الطبري تنطق صراحة بما يلي:
(1) : إن أهل سمرقند نقضوا العهد، ومنعوا ما كانوا قد صالحوا عليه.
(2) : إن أهل سمرقند غدروا بقائدهم (طرخون) لأنه لم يوافقهم على نقض العهد.
(3) :إن قتيبة ملتزم بآداب الجهاد في الإسلام، وأنه خاشع خاضع لله، لاجيء إليه، راج للنصر منه سبحانه فليس فيها روح (الجري وراء المغانم والنهب وقطع الطريق) .
وجاء في صفحة 1249 من الجزء الثاني من الطبري بعد وصف المعركة، وكيف كانت يقظة قتيبة، وإعداد جنوده للقضاء على القوة العاتية التي جاءت من (الشاش) و (اخشاذ فرغانة) و (خاقان) لنجدة (سمرقند) وكيف أبلى قتيبة وجنوده أحسن البلاء في تبديد هذه النجدة:". . فقال قتيبة (لقواده بعد المعركة) جزاكم الله عن الدين والأعراض خيرًا. . وكسر ذلك أهل الصغد، فطلبوا الصلح، وعرضوا الفدية فأبى وقال: أنا ثائر بدم (طرخون) كان مولاي من أهل ذمتي. .".
وفي الصفحة نفسها، جاء في وصف المعركة واستماتة أهل سمرقند في الدفاع عنها:". . أطال قتيبة المقام، وثلمت الثلمة، في سمرقند (أي في سور المدينة) فنادى منادٍ فصيح بالعربية يشتم قتيبة، ونحن حول قتيبة، فحين سمعنا الشتم خرجنا مسرعين، فمكثنا طويلًا وهو ملح بالشتم، فجئت إلى رواق قتيبة، فاطلعت، فإذا قتيبة محتب بشملة يقول كالمناجي لنفسه: حتى متى يا سمرقند يعشش فيك الشيطان؟!! أما والله لئن أصبحت، لأحاولن من أهلك أقصى غاية. . .."
وفي ص 1250 من الجزء نفسه:"ودخلوا سمرقند، فصالحوهم، وصنع (غوزك) (ملك سمرقند) طعامًا، ودعا قتيبة، فأتاه في عدد من أصحابه فلما تغدى، أستوعب منه سمرقند، فقال للملك: انتقل عنها، فانتقل عنها،وتلا قتيبة: (( وأنّه أهْلكَ عادًا الأولى، وثمود فما أبقى ) ) [النجم:50-51] . أ. هـ بنصه."
وبأدنى تأمل، تنطق نصوص الطبري هذه بما يلي:
(1) وضوح الهدف الذي يقاتل من أجله المسلمون، الدين والأعراض، كما جاء في دعاء قتيبة لرجاله، وثنائه عليهم.
(2) الوفاء بالعهد - لا الغدر به - حيث يرى قتيبة أن في قتاله لأهل سمرقند ثأرًا لحاكمها السابق (طرخون) الذي كان حليفًا للمسلمين، وقتله أهل سمرقند، وذلك قوله:"أنا ثائر بدم (طرخون ) كان مولاي، وكان من أهل ذمتي". .
(3) إن سمرقند قد عُرفت بالشقاق، وأكثرت الثورة والغدر، والعناد، وهذا واضح من قول قتيبة، وهو يناجي نفسه:"حتى متى يعشش فيك الشيطان يا سمرقند؟".
(4) سماحة قتيبة والمسلمين، وحفاظهم على العهد، فمع ضراوة المعارك، واستنفار (غوزك) حاكم سمرقند للأقاليم المجاورة، واشتداده على المسلمين، كما هو واضح تمام الوضوح في الطبري، مع هذا نجد المسلمين يؤمنون (غوزك) على نفسه ومن معه، ثم يقبلون دعوته على الغداء، ويؤاكلونه، ويتلطفون معه، إلى حد أنه طمع في أن يسلموا له المدينة ثانية، لما رآه من حلمهم وحسن معاملتهم، فلما استوهبها من قتيبة، رفض، وأمره بالانتقال عنها حتى لا تتكرر مأساة الغدر، والقتال، والمؤمن لا يُلدغ من جحر مرتين.
هذه نصوص الطبري، بوضوحها وصراحتها، وهذا ما تنطق به، فأين نجد فيها ما قرأه، واستنتجه منها (فلوتن) من أن قتيبة"طرد أهلها منها واحتل جنوده منازلها، رغم التزامهم بالمعاهدة المبرمة، مع القائد السابق؟؟".
بم نسمي هذا؟؟!!
واستكمالًا للمسألة من جميع أطرافها، نقول: إن الطبري عالج فتح قتيبة لسمرقند في نحو أربع عشرة صفحة، عرض فيها كعادته - أكثر من رواية، لوصف المعركة، وفتح سمرقند، وكلها قريب بعضها من بعض والاختلاف في بعض التفاصيل.
وليس في هذه الروايات كلها إشارة إلى غدر قتيبة بأهل سمرقند، إلا ما ورد من أن محمد بن أبي عيينة قال لسلم بن قتيبة بن مسلم بين يدي سليمان بن علي: إن العجم يعيرون أباك (قتيبة) الغدر، إنه غدر بخوارزم وسمرقند"أ.هـ."
فهذه الرواية كما نرى فيها ما يشبه أن يكون ملاحاة بين سلم بن قتيبة وابن أبي عيينة، ولا حظ أيضًا أنه ينسبها إلى (العجم) ولم يأت لها بشاهد من أصحاب الرواية المسلمين، ولا حظ أيضًا أن هذه الملاحاة كانت بعد المعركة بأزمان، فقد توفي سلم سنة 149 هـ على حين كان فتح سمرقند سنة 93هـ.
فإذا عرفنا أن سلم بن قتيبة كان واليًا على البصرة في زمن الأمويين لمروان بن محمد، ثم وليها في زمن العباسيين ثانية، ولاه إياها أبو جعفر المنصور، وأن سليمان بن علي الذي قيلت بين يديه هذه العبارة، كان واليًا على البصرة من قبل ابن أخيه أبي العباس السفاح، أي بين ولايتي سلم، إذا عرفنا هذا أدركنا مقام المجاملة والممالأة، والمنافسة، التي قيلت فيه هذه العبارة.
ونجد أيضًا في الطبري إشارة أخرى إلى غدر قتيبة، ونص هذه الرواية:". . حدثني الذي سرحه قتيبة إلى الحجاج بفتح سمرقند، قال: قدمت على الحجاج، فأنفذني إلى الشام، فقدمتها، فدخلت مسجدها، فجلست قبل طلوع الشمس وإلى جنبي رجل ضرير، فسألته عن شيء من أمر الشام، فقال: إنك لغريب، قلت: أجل، قال: من أي بلد أنت؟ قلت: من خراسان، قال: ما أقدمك؟ فأخبرته. فقال والذي بعث محمدًا بالحق ما افتتحتموها إلا غدرًا، وإنكم يا أهل خراسان للذين تسلبون بني أمية ملكهم، وتنقضون دمشق حجرا حجرًا"أ.هـ. بنصه.
هذا ما ورد في الطبري عن (غدر) قتيبة، وهو لا يعني إطلاقًا أنه غدر بأهل سمرقند، فاجتاحها، وهي مقيمة على العهد الذي عاهدت عليه سعيد بن عثمان - كما يزعم (فلوتن) - وإنما (الغدر) المذكور في هاتين الروايتين، والذي يُعيِّر به قتيبة شيء آخر، يعنون به أن قتيبة باغتهم بالهجوم، ولم يعلنهم بالحرب حتى يستعدوا له. وفي الفقرة التالية من هذا البحث مزيد بيان لهذا المعنى.