يَا عِبَادَ اللهِ، وَيَا أُمَّةَ الإِسلامِ، قَبلَ أَن نُطَالِبَ الآخَرِينَ بِعَمَلِ شَيءٍ أَو تَبَنِّي رَدِّ فِعلِ مُعَيَّنٍ فَإِنَّ عَلَينَا أَنْ نَسأَلَ أَنفُسَنَا بِصِدقٍ وَصَرَاحَةٍ: مَاذَا عَمِلنَا نحنُ وَمَاذَا نحنُ فَاعِلُونَ؟! وَإِلى متى سَنَظَلُّ سُوقًا يُرَوِّجُ فِيهَا أُولَئِكَ الكَفَرَةُ ما يُنتِجُونَهُ مِن أَلعَابٍ مُوَجِّهَةٍ وَأَفلامٍ مُدَمِّرَةٍ وَغَزوٍ فِكرِيٍّ مَدرُوسٍ؟! بَلْ إِلى متى سَنَظَلُّ نَسمَحُ لأَجهِزَةِ الفَسَادِ أَن تَختَرِقَ الحُجُبَ في بُيُوتِنَا، فَتَقتُلَ كُلَّ مَا يَمُتُّ لِلدِّينِ وَالخَيرِ بِصِلَةٍ، تَهُزُّ عَقَائِدَنَا، وَتُزَعزِعُ إِيمَانَنَا، وَتُمِيتُ غَيرَتَنَا، وَتَئِدُ مِن قُلُوبِ نِسَائِنَا وَبَنَاتِنَا الحَيَاءَ وَالفَضِيلَةَ، وَتَبني في نُفُوسِهِنَّ الوَقَاحَةَ وَالرَّذِيلَةَ؟! إِلى متى يَظَلُّ أَحَدُنَا مُنَفِّذًا لِخِطَطِ أَعدَاءِ اللهِ وَأَذنَابِهم مِنَ المُنَافِقِينَ شَعُرَ أَو لم يَشعُرْ؟! أَوَكُلَّمَا جَاءَ هَؤُلاءِ بِفِتنَةٍ بَذَرنَاهَا في بُيُوتِنَا؟! أَوَكُلَّمَا أَشعَلُوا نَارًا لِحَربِ الدِّينِ وَالفَضِيلَةِ وَالأَخلاقِ تَكَفَّلنَا بِإِيقَادِهَا وَجَعَلنَا أَهلِينَا وَأَولادَنَا حَطَبًا لها؟! أَيَحفِرُونَ لَنَا الحُفَرَ المُظلِمَةَ فَنَقَعَ فِيهَا؟! أَيَسُوقُونَنَا إِلى المُستَنقَعَاتِ الآسِنَةِ فَنَنسَاقَ وَرَاءَهُم؟! عَجَبًا وَاللهِ ثم عَجَبًا عَجَبًا، نَعرِفُ الخَيرَ وَأَهلَهُ وَأَمَاكِنَهُ وَأَجهِزَتَهُ وَأَدَوَاتِهِ ثم نُعرِضُ عَنهُ وَعَنهُم وَعَنهَا، وَنَتَيَقَّنُ بِالبَاطِلِ وَأَهلِهِ وَتُبَيَّنُ لَنَا خِطَطَهُم وَيَظهَرُ لَنَا بَعضُ مَا يُبطِنُونَ ثم نَثِقَ فِيهِم وَنُسلِّمَهُم زِمَامَ أَنفُسِنَا وَعُقُولَ أَهلِينَا وَأَفئِدَةَ أَبنَائِنَا، وَنُدخِلَ أَجهِزَتَهُم بُيُوتَنَا، وَنُسقِطَ مَن تحتَ أَيدِينَا في حَمأَةِ فَسَادِهِم وَمُستَنقَعَاتِ بَاطِلِهِم!
حَدِّثُوني بِاللهِ عَلَيكُم عِبادَ اللهِ: كَم نِسبَةُ البُيُوتِ التي سَلِمَت مِن قَنَوَاتِ اللَّهوِ وَالبَاطِلِ؟! كَم عَدَدُ الذينَ مَا زَالُوا إِلى الآنَ لم يَرفَعُوا أَطبَاقَ الشَّرِّ فَوقَ أَسطُحِ مَنَازِلِهِم؟! إِنهم يُعَدُّونَ عَلَى الأَصَابِعِ وَلا حَولَ وَلا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ، أَمَّا مَا يُسمَّى بِالبلاَي ستيشن، فَبَلاءٌ يُشَنُّ، بَلْ حَربٌ تُشَنُّ، وَدَعوَةٌ إِلى الضَّيَاعِ وَالعُهرِ وَالكُفرِ، كَانَت في بِدَايَاتِها قتلًا لِلوَقتِ وَتَضيِيعًا لأَعمَارِ أَطفَالِنَا فِيمَا لا فَائِدَةَ مِنهُ وَلا نَفعَ وَرَاءَهُ، وَتَعوِيدًا لهم على السَّهَرِ الطَّوِيلِ وَتَركِ الصَّلَوَاتِ وَهَجرِ المَسَاجِدِ وَالجَمَاعَاتِ، ثم لمَّا وَجَدُونَا غَافِلِينَ مُتَسَاهِلِينَ لم يَزَالُوا بها حتى أَدخَلُوا فِيهَا صُوَرًا لِعَارِيَاتٍ وَمَقَاطِعَ لِمُومِسَاتٍ تُؤَجِّجُ الغَرَائِزَ وَتُثِيرُ الشَّهَوَاتِ، وَضَمَّنُوهَا أَفعَالًا مَشِينَاتٍ وَتَصَرُّفَاتٍ طَائِشَاتٍ، تُعَلِّمُ أَطفَالَنَا التَّمَرُّدَ عَلَى الأَنظِمَةِ المُقَرَّرَةِ وَالآدَابِ المُتَّبَعَةِ، وَتُغَذِّيهِم بِالحِقدِ عَلَى رِجَالِ الأَمنِ وَالانتِقَامِ مِنهُم، حتى إِذَا وَثِقُوا مِن بَلادَتِنَا وَتَأَكَّدُوا مِن مَوتِ غَيرتِنَا جَعَلُوهَا تَعلِيمًا لِحَربِ الإِسلامِ، جَعَلُوهَا تَغذِيَةً لِكُرهِ الإِسلامِ، جَعَلُوهَا جُرعَةً لِلنَّيلِ مِن مَعَاقِلِ الإِسلامِ، جَعَلُوهَا تَحرِيضًا على رِجَالِ الإِسلامِ، يُعَلِّمُونَ أَطفَالَنَا حَربَ الدُّعَاةِ وَالمُلتَحِينَ، وَيَغرِسُونَ فِيهِمُ الاستِهَانَةَ بِالمَسَاجِدِ وَالمَصَاحِفِ، وَيَزرَعُونَ في عُقُولِهِم أَنها مَعَاقِلُ وَمَصَادِرُ لِلإِرهَابِ، يُوحُونَ لأَبنَائِنَا أَنَّ الانتِصَارَ هُوَ قَتلُ المُلتَحِينَ وَمُطَارَدَةُ أَهلِ الدِّينِ، وَأَنَّ الفَوزَ وَالظَّفَرَ هَدم المَسَاجِدِ وَإِخفَاتُ أَصوَاتِ المُؤَذِّنِينَ.
أَوَبَعدَ هَذَا يَشُكُّ عَاقِلٌ في حَسَدِ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ الفَجَرَةِ لَنَا وَحِقدِهِم عَلَينَا؟! أَوَبَعدَ هَذَا يُكَذِّبُ مُبصِرٌ بِبُغضِهِم لِلسَّلامِ وَحُبِّهِم لِلإِرهَابِ وَرَغبتِهِم في التَّدمِيرِ وَابتِغَائِهُمُ التَّخرِيبَ؟! إِنَّ المَاضِيَ الغَابِرَ وَالوَاقِعَ الحَاضِرَ لَيَشهَدُ بِعَدَاوَةِ الكُفَّارِ وَالمُشرِكِينَ وَحَسَدِ اليَهُودِ المُغتَصِبِينَ وَحِقدِ النَّصَارَى الصَّلِيبِيِّينَ، الحُرُوبُ الصَّلِيبِيَّةُ تَشهَدُ، وَالاستِعمَارُ الهَدَّامُ يُصَدِّقُ، وَاحتِلالُ المَسجِدِ الأَقصَى يُؤَيِّدُ، وَمَا يَحدُثُ الآنَ في العِرَاقِ وَأَفغَانِستَانَ وَالشِّيشَانِ وَغَيرِها مِن بِلادِ الإِسلامِ يُوَضِّحُ أَنْ لا سَلامَ يُرجَى مِن عُدُوٍّ كَاشِحٍ، وَلا نَقُولُ إِلاَّ حَسبُنا اللهُ وَنِعمَ الوَكِيلُ. تُغزَى أَفكَارُ أَبنَائِنَا في عُقرِ دِيَارِنَا، وَيُحَارَبُ دِينُنَا بِأَموَالِنَا، وَتُهدَمُ أَسوَارُنَا بِسَوَاعِدِنَا، وتُخرَبُ بُيُوتُنَا بِأَيدِينَا، فَاللَّهُمَّ إِنَّا نَشكُو إِلَيكَ ضَعفَ قُوَّتِنَا وَقِلَّةَ حِيلَتِنَا وَهَوَانَنَا على النَّاسِ.
أَيُّها المُسلِمُونَ، إِنَّ شَرَّ هَذِهِ الأَجهِزَةِ لم يَعُدْ خَافِيًا فَيُدفَنَ، وَلا ضَرَرُ هَذِهِ القَنَوَاتِ بِسِرٍّ فَيُكتَمَ، زَعزَعَتِ العَقَائِدَ وَأَفسَدَتِ التَّصَوُّرَاتِ، وَأَضعَفَتِ الدِّينَ وَقَضَت عَلَى المُرُوءَاتِ، وَأَفقَدَت كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ حَسَنَ السَّجَايَا وَكَرِيمَ الصِّفَاتِ، عَلَّمَت مُشَاهِدِيهَا المِرَاءَ بِالبَاطِلِ، وَعَوَّدَتهمُ الجَدَلَ العَقِيمَ لِرَدِّ الحَقِّ، وَجَرَّأَتهم على العُلَمَاءِ وَالوُلاةِ وَالمُرَبِّينَ، وَكَم نَسمَعُ وَنَقرَأُ في كُلِّ يَومٍ مِنَ القصصِ المُبكِيَةِ وَالمَوَاقِفِ المُحزِنَةِ التي سَبَّبَتهَا هَذِهِ القَنَوَاتُ، فَهَذَا أَبٌ وَقَعَ على ابنتِهِ، وَهَذَا وَلَدٌ زَنى بِأُمِّهِ، وَذَاكَ شَابٌّ مَارَسَ الجِنسَ معَ أُختِهِ، وَهَؤُلاءِ أَطفَالٌ يَفعَلُونَ الفَاحِشَةَ وَهُم في سِنٍّ لم يَبلُغُوا فِيهِ شَهوَةً، وَهُنَا شَبَابٌ يُمَارِسُونَ السَّرِقَةَ بِطُرُقٍ مُلتَوِيَةٍ لا تَخطُرُ على بَالٍ، وَآخَرُونَ يَقُودُونَ سَيَّارَاتِهِم بِسُرعَةٍ جُنُونِيَّةٍ وَتَهَوُّرٍ عَجِيبٍ، وَيَعتَدُونَ عَلى رِجَالِ الأَمنِ وَيَتَخَلَّصُونَ مِن مُطَارَدَاتِهِم بِطُرُقٍ احتِرَافِيَّةٍ، وَكُلُّهَا نَتَائِجُ وَاقِعِيَّةٌ وَتَطبِيقَاتٌ عَمَلِيَّةٌ لِمَا رَأَوهُ وَيَرونَهُ في هَذِهِ القَنَوَاتِ وَمَا يُمَارِسُونَهُ في تِلكَ الأَجهِزَةِ، فَلِمَاذَا ـ يَا أُمَّةَ الإِسلامِ ـ نَترُكُ هَذِهِ القَنَوَاتِ الهَابِطَةَ وَتِلكَ الأَجهِزَةَ المُدَمِّرَةَ تُرَبِّي أَبنَاءَنَا وَبَنَاتَنَا؟! هَل عَجَزنَا نحنُ عَن تَربِيَتِهِم، أَم أَنَّنَا رَاضُونَ بِهَذِهِ التَّربِيَةِ الغَربِيَّةِ البَهِيمِيَّةِ الحَيَوَانِيَّةِ؟!