أزمة الحجاب ..إعلان نهاية العلمانية كمدافعة عن الحريات
عاشت فرنسا منذ نهاية الصيف حملة كبيرة وتجاذبا للأفكار وأخذا للمواقف تجاه ما اصطلح على تسميته بقضية الحجاب في المدارس، ورغم الإطار الجامع الذي وُضعت فيه هذه المسألة من حديث حول تحديد اللائكية (العلمانية) اصطلاحا وتعاملا، ورغم محاولة استبعاد حصر الحديث حول الحجاب الإسلامي أو الخمار وتوسعته ودفعه إلى الحديث عن غزو الرموز الدينية في المعاهد، فإن الدافع الأساسي ولعله الوحيد وراء كل هذا الزخم من المقالات والمواقف والرؤى والإحصاءات المتوالية في المقروءات والسمعيات والمرئيات، وراء كل هذا دون مواربة ولا إخفاء هو الحجاب الإسلامي.
لقد حملت هذه الظاهرة حوارا ونقاشا طال كل الأطراف والمواقع، بين قابل ورافض، وبين مساند ومعاند، بين متشدد وميسر، بين ظاهر وباطن، وظهرت المواقف والرؤى والأطروحات متناقضة ومختلفة اختلاف النسيج السكاني الفرنسي. أسئلة كثيرة وكبيرة طرحت وأصبحت الجمهورية نفسها في خطر، وأصبح الحجاب رمز رايات في معركة غاب فرسانها وكثر لغطها، وكان ضحاياها فرقة وطائفة وجنس.
وبعيدا عن النقاشات البيزنطية والجدال العقيم الذي حفل بعض ثنايا هذه الحملة، فإن مفارقات عجيبة ولحظات وعي ومحطات لا وعي، قد اصطحبتها والتي جعلت الأسئلة المطروحة تفتح على مزيد من الأسئلة، وتؤدي غالبا إلى أجوبة غير منتظرة، أو تزيد الأمر تعقيدا وغرابة، وتقلص مراحل الوعي والمعقول، وتزيد درجات اللاوعي والعاطفة والشعور.
المفارقة الأولي: لحظة الوعي المغشوشة
لما انطلقت الحملة، كان للمجتمع المدني بكل أصنافه ورواده مساهمة ودور أساسي في اندلاعها وتواصلها، وشهدت الصحف الفرنسية مقالات يصب أغلبها حول غزو الحجاب للمدارس والخوف والريبة من انتشاره، ولعل أطرافا وتجمعات سياسية وغيرها ساهمت في الدفع في هذا الاتجاه، بأغراض سياسوية أو انتخابية أو عقدية. كانت هذه المحطة هامة في المسار الذي سوف تأخذه القضية، ففي هذه المرحلة من المراكمة للأفكار والأطروحات، ظهر دور المجتمع المدني ولو في بعض الأحيان تحت ضغوطات مشبوهة وتوجيهات مبطونة كما عنيناه سابقا، إلا أنه مثل تكريسا لمكانة هذا الطرف في ولادة حوار وتزاوج للأفكار في داخله، وعدم استبطان كل ما يمسه عن قريب أو من بعيد في تاريخه أو في ثقافته أو في يومه وغده.
ظهر الحوار علنيا رغم حساسيته، وظهرت الجمهورية في أحلي زينتها. تلت هذه المحطة انتقال فوري لهذا النقاش إلى ميدان أكثر رسمية وعلته الصبغة الجدية والقانونية، إذ أخذت الدولة على عاتقها تحويل هذا الحوار من تجاذب بريء وشبه طبيعي، إلى حوار ضيق بين مختصين ومعنيين مباشرة بالحجاب في تنظيراتهم وأعمالهم الفكرية، أو من يمسهم من خلال تواجدهم على عين الواقع، وكانت لجنة ستازي للحكماء التعبير الرسمي والقانوني لهذا المسار في مرحلته الثانية. التقت هذه اللجنة حسب الساهرين عليها بما يقارب المائة من المدعوين واستمعت إلى مرافعاتهم وتشكل على إثرها رأي حملته الأغلبية الساحقة (19 من 20 حكيما ) حول ضرورة إصدار قانون ضد منع تواجد الرموز الدينية داخل المدارس العامة، وتم تسليم كتاب أبيض لرئيس الجمهورية حمل رؤى اللجنة وتوجيهاتها ونصائحها. انتهي دور المجتمع المدني في هذه المرحلة بكل إيجابياته وسلبياته، وكانت المرحلة الموالية إصباغ الرداء الرسمي والجمهوري للموقف في أعلى مستويات الدولة، فأخذ اقتراح التقنين مساره الطبيعي نحو مجلس النواب الذي سوف يؤكد هذا الاتجاه، نظرا لالتقاء الحكومة والمعارضة حول ضرورة منع الرموز الدينية الظاهرة أو البارزة في المدارس العمومية، وهي المحطة الأخيرة في هذا المسار الديمقراطي في أخذ القرار.
كانت هذه المراحل تأكيدا لجدوى وفعالية مشاركة الجمهور في أخذ قراراته، وهو رمز إيجابي لدور الديمقراطية، رغم بعض عللها، في إنشاء صرح وفاقي حول مواضيع ومواقف تهم الشعوب في ذاكرتها وفي معاشها. كان درسا موجها إلى كل مجتمعات الاحتضار والظلم، كان درسا لمن غيب المجتمع وأعلن جمهوريات الوراثة والتعيين والسكون، كان لفتة إلى من كبل المجتمع المدني أو احتواه أو قزمه أو همشه أو محاه، كان كل هذا درسا في الوعي والتحضر، وغلبة مسارات المشاركة الجماهيرية، وهيمنة دولة القانون والمؤسسات على من سواها...ولكن... كان هذا المسار الديمقراطي في دولة القانون وحقوق الإنسان لحظة وعي ولا شك، غير أن حقائق مفزعة، وألوان غير زاهية، ومنعطفات غير واضحة، ومنطلقات غير سليمة، ومرجعيات واهية، وأهداف غامضة، وأعمال جانبية مناقضة، خيمت على هذا اللبوس المثالي، وعلى هذه المسارات المغشوشة، وهنا بيت القصيد وهنا مربط الفرس. فغابت حقيقة الديمقراطية وظهرت قشورها، وغابت اللائكية وظهرت أنيابها، وغاب الوعي والعقل، وهيمنت العاطفة في بعض الثنايا والأوحال، وغابت جمهورية الجميع على حساب فرقة وأقلية وجماعة.
فقبل أيام قليلة من هذا المشوار الحقوقي والديمقراطي الخلاب، وقبل لحظات الوعي الذي اصطحبته، أطل علينا الرئيس الفرنسي وهو في بلد غير بلده، وأمام جمهور غير جمهوره، ليعلن للجميع بأن حقوق الإنسان وأي إنسان، تتمثل في الأكل والشرب والسكن! ورغم التراجع الذي تلاه، ورغم الأصوات المنددة والمندهشة لدي الرأي العام الداخلي والخارجي، فإن زلة اللسان أو لذة اللسان هذه، تنبئ ولا شك عن التعامل بميزانين في مثل هذه القضايا الحساسة، وأن لغة المبادئ قد تندثر أمام المصلحة والمكسب، وأن للداخل خطابه وللخارج لهجته ومظاهره. لحظة اللاوعي هذه تجاه المجتمعات الأخرى تسحب البساط من جدية المواقف الداخلية وتجعلها غير مبدئية في حقيقتها، وأنها ترتبط أكثر بالأنا الثقافي أو الوجداني أو الديني، وتقوقع الموقف وتجعله وليد مصلحة القوم أو الفرقة أو القبيلة الجديدة، وترمي به في أحضان التبجيل والمحاباة لعنصر دون آخر. وهو ما يرج عديد القناعات في موضوعية هذه المواقف ونزاهتها، رغم الصيغة الديمقراطية لإصدارها.
المفارقة الثانية:الوعي المنقوص
لم تكن الصيغة التي عملت بها الجمهورية في صياغة هذا المسار سليمة إلى حد ما في محطة عمل لجنة الحكماء . فعديد التساؤلات تطرح في مستوي تمثيلية هذه اللجنة في تكونها أولا من أفراد قد يقترب بعضهم من ملامسة محتشمة للمعرفة الإسلامية الأكاديمية لمسألة الحجاب، غير أن الكثير منهم وخاصة أصحاب الجذور العربية أو الإسلامية لا تجتمع لديهم الثقافة الوافرة لبلورة رؤية قبلية ومسبقة، تجعلهم يحملون هذه المرآة العاكسة التي تلطف عديد المواقف، وتغلّب لغة العقل على لغة العاطفة، وتجعل من محك التفكير العقلاني والرصين آلية للتأثير وتجنب التأثر العاطفي، الذي غلب على أفراد اللجنة. هذه المصداقية المهزوزة بعض الشيء تظهر أيضا في المرجعيات الأيديولوجية التي كان عليها أصحاب الجذور الإسلامية، فلن تجد من بينها امرأة تلبس الحجاب، أو تتبني الدفاع عنه، فالجميع يحمل منذ البداية منطلقا رافضا وحتى عدائيا تجاه الرمز الديني عموما والحجاب خاصة.