فهرس الكتاب

الصفحة 2386 من 3028

بدأت هذه المرحلة بالحروب الصليبية على مامر؛ ولكن الصليبيين بحمد اللّه خرجوا من بلاد المسلمين ، بل أخرجوا على يد القائد المسلم صلاح الدين الأيوبي بعد أن ظفر بهم في معركة حطين (25 ربيع الآخر سنة 583ه) ثم تابع حملاته التطهيرية للبلاد الإسلامية من نير الاحتلال الغاشم حتى وصل بيت المقدس فحاصره حصارًا شديدًا إلى أن تم له الفتح في السابع والعشرين من شهر رجب سنة (583ه) كما أسلفنا، وبعد أن انتهت تلك الحروب الصليبية الأولى التي استمرت طيلة القرنين الخامس والسادس الهجريين (الحادي عشر والثاني عشر الميلاديين) بهزيمة الصليبيين وعدم تحقيق شيء مما خرج الصليبيون من بلادهم لتحقيقه وبذلوا فيه الأموال والدماء والنفوس ، في تلك الحروب الأولى، وقع لويس التاسع ملك فرنسا في الأسر بعد هزيمة حملته الصليبية ، وبقي سجينًا في المنصورة فترة من الوقت حتى افتداه قومه ، وفُكَّ أسره. وفي أثناء سجنه أخذ يتفكر فيما حل به وبقومه، ثم عاد يقول لقومه:"إذا أردتم أن تهزموا المسلمين ، فلا تقاتلوهم بالسلاح وحده ، فقد هُزمتم أمامهم في معركة السلاح؛ ولكن حاربوهم في عقيدتهم فهي مكمن القوة فيهم" (4) .

ومن هنا بدأ العمل بجد ومثابرة لغزو بلاد المسلمين فكريًا، وحربهم عقديًا، وكان لابد لذلك من معرفة دينهم وثقافتهم ومعتقداتهم ولغتهم عن كثب؛ ليتسنى بعد ذلك نسفها أو إبطال مفعولها في قلوب وسلوكيات المسلمين، فكان الاستشراق وكان التبشير بداية للتحديات الفكرية الشعواء ضد المسلمين .

المرحلة الثانية: مرحلة إسقاط الخلافة الإسلامية:

كان المكر اليهودي ولا يزال يسعى في تحقيق أهدافه والأفعى اليهودية تنفث سمومها في جميع الأقطار والأمصار ، وحيث لا يمكن لهذه الأفعى اليهودية أن تنتصر وتسيطر على العالم إلا بعد إضعاف أو إيقاف أو إلغاء أية قوة تضادها أو تبارزها ، فقد كان على اليهود - بالرغم من قلتهم ومن تشردهم في أقطار الأرض - أن يخمدوا جميع القوى التي يمكن أن تحد من نفوذهم وسيطرتهم على العالم، ومن هنا أخذ اليهود - قاتلهم اللّه - وبعد سيطرتهم على أوروبا وإقامتها على أسس علمانية - لا دينية -وحصر الدين ورجال الدين في زوايا الكنيسة ، أخذوا يدرسون ويخططون للخطر الأعظم في نظرهم وتقطيع أوصاله، ذلك هو الإسلام، وأولئك هم المسلمون. وللقيام بعمل خطير وكبير كهذا كان لابد من الدهاء والإعداد اللازم والدراسة المستفيضة والتخطيط الطويل، والبعيد المدى.

بدأ أعداء اللّه في ذلك، وكعادتهم لابد من استخدام غيرهم لتنفيذ مآربهم - نظرًا لقلتهم وتشرذمهم ونظرتهم للأمميين بأنهم عبيد لهم - فعمدوا إلى أوروبا التي أصبحت الصديق الحميم لليهود - بل العصا التي يضربون بها من شاؤوا متى شاؤوا -عمدوا إليها لتنفيذ مؤامراتهم مع مايتبع ذلك من مصالح ظاهرة لهؤلاء الصليبيين في حرب المسلمين.

بدأت المؤامرة بتقطيع أوصال الخلافة الإسلامية أولًا؛ لغرض إضعافها ثم تطويقها لإسقاطها؛ فبدأت الدول العربية بسلسلة من الحروب الاستعمارية - بل الاستدمارية - التي ( بلغت ذروتها في القرن الثالث عشر والرابع عشر الهجريين"التاسع عشر والعشرين الميلاديين"على النحو التالي اقتسامًا بين الدولتين الأعظم - في ذلك الحين - فرنسا وإنجلترا) (5) .

( أ ) فرنسا. قامت باحتلال الجزائر عام (1246ه - 1830م) ، ثم احتلال تونس عام (1299ه - 1881م) ، ثم احتلت مراكش عام (1330ه - 1912م) ، ثم احتلال سورية ولبنان عام (1338ه-1920م) .

(ب ) إنجلترا . قامت باحتلال الهند المسلمة عام (1274ه-1857م) ، ثم احتلت مصر عام (1300ه - 1882م) ، لتستولي على العراق عام (1332ه - 1914م) ، ثم فلسطين عام (1337ه - 1918م) .

(ج ) .وقبلها كانت غارات الأسطول البرتغالي على السواحل الإسلامية وأعقبها في أوائل القرن السابع عشر الميلادي استيلاء هولندا على جزر الهند الشرقية .

( د ) .احتلال ايطاليا للصومال وأرتريا سنة (1887م) ثم لليبيا سنة (1911م) ، ولقد اشتهر الاحتلال الإيطالي بغبائه ونزقه، وشراسته وتهوره .

(ه ) .وقد صحب التبشير والاستشراق ذلك الغزو الفكري وبقي مابقي من الاحتلال، بل وبعد أن رحل الاحتلال ، كذلك ظهر"الاستغلال الاقتصادي"واضحًا إبان فترات الاحتلال العسكري، بما يشير إلى بروز ذلك الهدف كأحد الأهداف الرئيسة .

هدم الخلافة الإسلامية:

(لابد من أن تسقط الخلافة الإسلامية قبل أن تقوم دولة إسرائيل ذلك ما تنبأ به"نيلوس"بعد أن اطلع على"بروتوكولات حكماء صهيون"، وذلك سنة(1319ه-1901م) ، ولابد أن يقطع الشجرة أحد أعضائها كما أوصى بذلك أحد مؤتمرات التبشير (6) ، ولكن كيف لذلك أن يتم؟

لقد استخدم اليهود في خططهم لهدم الخلافة القوى التالية (7) :

( أ ) يهود الدونمة (المرتدون) . وهم الذين تظاهروا بالإسلام بعد وصولهم من أسبانيا وتجمعهم في (سيلانيك) ... وحملوا أسماء إسلامية، ووصلوا إلى أعلى مناصب الدولة؛ مما سهل عليهم مهمة التخريب والتمهيد للقضاء على الخلافة، ومن أشهر يهود الدونمة قبل مصطفى كمال، (مدحت باشا) الذي أصبح صدرًا أعظم، وتنقل في حكم ولايات عثمانية عديدة منها سورية، ثم دبّر مؤامرة خلع السلطان عبدالعزيز (1861م - 1876م) ومؤامرة اغتياله بعد ستة أيام من خلعه ، وهو ابن حاخام مجري .

(ب ) الصليبية الغربية الحاقدة على الإسلام والمسلمين؛ إذ تحالفت القوى الصليبية في دول عديدة هي: بلغاريا ، ورومانيا، والنمسا ، وفرنسا، وروسيا ، واليونان، وإيطاليا؛ لمحاربة الدولة العثمانية وحرمانها من الهدوء والاستقرار والتفرغ للبناء، وقد أدى الضغط الصليبي المستمر إلى تضييق رقعة الإسلام في أوروبا ، كما أدى إلى تقطيع أوصال السلطة التي كانت تمتد من تركيا شمالًا إلى حضرموت جنوبًا، ومن إيران شرقًا إلى طنجة غربًا ، فضاعت الجزائر ثم مصر ومن بعدها تونس وليبيا والمغرب على ما بينا.

(ج ) الدعاية الفاجرة التي صورت الحكم في عاصمة الخلافة أبشع تصوير. ودعاية اليهود ماهرة في قلب الحقائق وإبراز المساوئ وطمس المحاسن. ونجحت تلك الدعاية في أوروبا وفي العالم بأسره، حتى غدا من الأمور المسلم بها، أن المسلمين الأتراك متوحشون قساة، يرتعون في الفساد والانحلال، وحين أُبرزت قسوة الأتراك، وطمست وحشية البلغار واليونان والفرنسيين والإنجليز والروس، وصورت الدعاية اليهودية مدحت باشا اليهودي الماكر بطلًا من أبطال العالم وسمته (أبو الأحرار) ، وسخرت صحف أوروبا وإذاعاتها لتمجيد مدحت باشا حامل لواء الإصلاح والحرية في السلطنة العثمانية ، وهو في حقيقة أمره يهودي متآمر على الإسلام والمسلمين .

( د ) الجمعيات السرية وبخاصة الماسونية؛ التي جندت قواها لخدمة اليهود وهدم الخلافة الإسلامية، واستخدم اليهود محافل الماسون في فرنسا وإيطاليا لنشر الدعاية الكاذبة ضد الخلفاء وبخاصة عبدالحميد الثاني الذي كان عدوًا للماسون، ونجح يهود الدونمة بمساعدة محافل الماسون في تكوين جمعية (تركيا الفتاة) التي كان مدحت باشا أول مؤسسيها، وتفرع عن تركيا الفتاة حزب أوجمعية أسموها"الاتحاد والترقي"حملت شعار:الحرية والإخاء والمساواة الذي نقلته عن باريس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت