فهرس الكتاب

الصفحة 2453 من 3028

سادسا: علم البرمجة اللغوية العصبية أحد الأمثلة على ما ذكر آنفا ،فهناك من يقبله بحجة أنه مجرد مهارات وأدوات وإنه يهتم بكيف ولا يهتم بلماذا ،وقد ثبتت جدواه ،وظهرت فائدته ،وهذا صنف في الغالب لم يدرس الجذور الفكرية لهذا العلم والأصول الفلسفية له والمنطلقات المعرفية التي انطلق منها، ولم يتأمل مضامين كتب البرمجة اللغوية وما ألف على ضوئها من أفكار ومضامين بعضها فاسد وبعضها ملتبس؛ لذلك لا يرى فيه إلا النفع والفائدة.

وهناك من رد هذا العلم بحجة أنه من نتاج أعداء الإسلام ، وأنه لم يرد في النصوص الشرعية ما يدل عليه ، وأنه ليس من هدي السلف،أو أنه شعوذة كما يعبر بعض المتعجلين، و من تعمق قليلا من أصحاب هذا الاتجاه رأى بعض الجذور الفكرية وبعض العلل العملية لهذا العلم؛ فيمنع منه، ويقف ضده، وفي غالب الأحيان نجد من يحكم برد هذا العلم و أشباهه من غير دراسة له ولا معرفة به،أو ربما درسه دراسة عجلى ومن منطلق المتصيد القناص، وهذا خطأ فادح رأيناه في بعض الأقوال التي وصفت هذا الفن وأهله بأوصاف غير حقيقية ، مع أن القاعدة العلمية تقول (الحكم على الشيء فرع عن تصوره) ،فيجب علينا التوثق والتوقف قليلا قبل إصدار قرارات التحريم والمنع المطلق، كما يجب أن نتوقف عن الاستيراد والاستعارة المطلقة لكل ما هنالك، ولا يتم ذلك إلا إذا امتلكنا العقلية المستنيرة بنور الوحي، والمجاهدة في أخذ الحكمة، والاستفادة من أي فائدة، وإعمال العقل، وتقبل النسبية فيما يقبل النسبية.

سابعا: قد يفهم بعض الناظرين في علم البرمجة اللغوية أن الإنسان آلة مركبة ذات هندسة تشبه هندسة الماديات ،ويمكن إعادة برمجته بطرق ووسائل متنوعة ،وهذا نوع من التبسيط المخل والسذاجة المفرطة، تشبه سذاجة بعض الرقاة الذين يجهلون الأمراض النفسية والعصبية والعقلية، فيحيلون الأعراض والأدواء كلها إلى الجن والعين،ولذلك نجد من يدعي معالجة أمراض نفسية معقدة في جلسة أو جلستين،بل ومن يضع برنامجا لمدة 21 يوما للحصول على هدف يريده الإنسان، ويجعل ذلك من القانون الذي يجذب القدر حسب تعبيره.

ثامنا: سأذكر مثالا واحدا لما تتضمنه البرمجة اللغوية من التباس معرفي: فمن فرضيات البرمجة اللغوية قولهم (الخارطة ليست العالم) وهذه فرضية مجملة تحتوي حقا و باطلا ،فأصلها الفلسفي قديم ويتضمن إنكار دلالات الحس على ما يدرك بالحس، أو التشكيك في ذلك ،أو التشكيك في دلالة العقل على ما ثبت بالعقل، او جحد دلالة الحس على ما لا يحيط به العقل أو الحس ، والمعروف أن السوفسطائيين هم الذين أنكروا دلالات الحس، والصراع بين المذهب الحسي والعقلي صراع قديم من عهد اليونان .

تاسعا: ترتب على النقطة السابقة ،تهوين قيمة الحقيقة من خلال إشاعة مفهوم نسبية الحقيقة من شخص إلى آخر ،وهذا مفهوم له مجاله الخاص ،وله جوانب الإيجابية ،ولكنه يتحول إلى إشكال فكري وعملي عندما توزن به الحقائق الثابتة،المدركة حسا أو عقلا ،أو التي جاء خبرها في الوحي المعصوم ،وسمعت أحد المدربين يحاول دعم فرضية (نسبية الحقائق في ذاتها) بنظريات الفيزياء الحديثة،وفي ذلك من التكذيب بالمسلمات والإنكار للحسيات والعقليات ما يقود إلى العمى الفكرى.

عاشرا: لا يوجد في هذا العلم ولا في أكثر ترجماته ما يشير إلى التوكل على الله، والاعتماد عليه والثقة به والالتجاء إليه ،وإن كان بعض المترجمين لهذا العلم قد جاءوا ببعض هذه المعاني ضمن كلامهم ،وهذا الإغفال طبيعي في الفكر الغربي المادي الذي يرى أن الكون والحياة والأحياء مكتفية بذاتها،ولكنه غريب جدا على المسلمين ،وبعيد كل البعد عن أسس إيمانهم وقواعد إسلامهم، فهاهو أحد المتعلقين بالبرمجة اللغوية يعلق لافتة يبرمج بها نفسه تقول ( الحياة تعطيك أي شيء تطلبه منها) ، و من أعظم دلالات فكرة الاستغناء عن الخالق في البرمجة اللغوية تضخيم دور الذات و،وتعظيم دور العقل الباطن،الذي يقرأ كتب انتوني روبنس وجوزيف ميرفي يدرك هذا الأمر بسهولة، على ما فيها من إشارات (روحانية وغيبية) فيها أيضا مافيها من الأخلاط والمفاسد،علما بأن أحد مؤسسي العلم يهودي ملحد ،ويسخر في تدريباته علنا بالله تعالى والأنبياء عليهم السلام والأديان كما أخبرني أحد المتدربين عنده،.

وهل من آثار هذه النظرية ما ذهب إليه بعضهم حين سعى - بقصد حسن ونية طيبة - إلى استنساخ ونشر مفهوم مبهم ملتبس حقه بباطله سماه قانون الجذب، وهو يحتاج إلى وقفات عقدية طويلة؛ لعلاقته بموضوع القضاء والقدر ، ومن الطرائف أنني وجدت أحد المتأثرين بهذا المفهوم كتب لوحة لنفسه قال فيها ( الجذب هو: أن الإنسان يجذب الأشياء والأحداث عن طريق إرسال موجات من عقله الباطن الى البيئة التي حوله) .

حادي عشر: هل من تطبيع المفهوم (البرجماتي) التأكيد على أن أي أسلوب أو طريقة توصل إلى نتائج مرغوبة فهي من علم البرمجة اللغوية ويصلح استعماله؟ وما مدى تطابق بعض مفاهيم المرونة مع (البرجماتية) ؟ وما علاقة ذلك بمعايير الحلال والحرام الشرعية؟ وماعلاقته أيضا بقضية المصلحة والمفسدة ومعاييرها وضوابطها؟ كل ذلك يحتاج إلى بحث ودراسة متأنية حكيمة بصيرة .

الثاني عشر: أما التنافس المالي الشديد فمن الأمور الظاهرة التي لا يستطيع أحد إنكارها وقد أدى إلى مشاحنات ،ظاهرها العلم والثقافة والنفع والفائدة ،وباطنها الريال والدولار، مؤكدا في أرض الواقع ما أخبر به النبي صلى الله وسلم في قوله (إن لكل أمة فتنة وإن فتنة أمتي في المال ) ،وفي تقديري أن الثلب والتنقص الجاري على ألسنة المدارس المختلفة سببه الأكبر التنافس على السوق والزبائن مع أسباب ثقافية وعلمية وأخلاقية تأتي في الدرجة الثانية وربما العاشرة ،و هذا مثال للقيمة الباهضة التي تقدم للخبراء النوويين عفوا مدربي nlp فقد طلب من رئيس الاتحاد العالمي أن يأتي لعمل دورة تخريج مدربين في المملكة، فطلب على المتدرب الواحد 25000 خمسة وعشرون ألف ريال على ألا يقل عدد المتدربين عن 20 يتفرغون لمدة 21يوما ،أي أنه سوف يحصد نصف مليون ريال، ومعنى ذلك أن قيمة الساعة لهذا المدرب العالمي 992 ريال للساعة حتى لو كان في فراشه أو في الحمام، أي أن الدقيقة من وقته الثمين تساوي 16 ريال للدقيقة الواحدة ،أظن أن هذه الإحصائية كافية في تصوير ما وصل إليه الحال ،ولو طلب من بعض هؤلاء أن يدفعوا خمس ريالات لساعة سوف يحاضر فيها عالم أو مفكر مسلم، لأبوا و تراجعوا واستنكروا و استنفروا ، ودورة رئيس الاتحاد هذه مناسبة جميلة لمواكبة لدعوات إخواننا في فلسطين وغيرهم لمقاطعة البضائع والشركات الأمريكية، والتضامن مع الإستشهادين الذين لا عيب فيهم سوى أنهم لم يدرسوا البرمجة اللغوية!! ومن العجائب أن من المغرمين بهذه الدورات من يمنع شراء مشروب أمريكي بريال أو ريالين،ويدفع 16 ريالا لكل دقيقة يمضيها المدرب الأمريكي حتى ولو كان في نائما!! وما أشبه هذا الفعل بفعل أهل العراق الذين استفتوا ابن عباس في دم البعوض أو بما جاء في كتب الأدباء، من طرائف المفارقات، ومنها قول الشاعر:

ولي جار يصلي من قعود وينكح حين ينكح من قيام

وقول أبي العيناء رأيت جارية مع النخاس وهي تحلف أن لا ترجع لمولاها فسألتها عن ذلك فقالت يا سيدي إنه يواقع من قيام ويصلي من قعود ويشتمني بإعراب ويلحن في القرآن ويصوم الخميس والأثنين ويفطر رمضان ويصلى الضحي ويترك الفرض فقلت لا أكثر الله في المسلمين مثله )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت