فهرس الكتاب

الصفحة 2452 من 3028

والتعريف السابق يفترض وجود مرجعية لإصلاح حال الإنسان ورؤية عامة شاملة للكون والحياة والإنسان ،يمكن ضمن إطارها العام إصلاح حال الإنسان النفسي والسلوكي والاجتماعي والسياسي والفكري.

من هذا التصور الشمولي للعلمانية يمكننا معرفة طبيعة النموذج بل النماذج التي انبثقت من هذه الرؤية لإصلاح حال الإنسان في مختلف المجالات، ومنها - ما نحن بصدده - النفسي والسلوكي

فإذا كانت هذه الرؤية لإصلاح حال الإنسان تتم عبر الطرق المادية فإن ذلك يعني بالضرورة النظر إلى جوهر الإنسان - الذين ستتم عليه الممارسات الإصلاحية المذكورة - بوصف كائنا ماديًا ،وهذا أيضا يعني أنه وفق هذه الرؤية ستكون الطرق المستعملة في إصلاح الإنسان مادية في مجملها ،وإن دخلتها بعض المفردات المعنوية والروحية ،لكنها تظل جزئية غير مؤثرة داخل الإطار العام ،وستكون منصهرة داخل هذه البوتقة ،وهذا بالطبع توصيف أولي لا يقتضي الرفض لكل ما يأتي من الغرب، بل لا بد من الاصطفاء والانتقاء من خلال التعرف على مكونات الحياة الغربية على وجه الإجمال وهي:

1 -حقائق علمية في حقل الرياضيات والطبيعيات والعلوم الاجتماعية والنفسية، وتسمى حقائق لأنه قد ثبتت صحتها بالبرهان العقلي الصريح أو بالتجربة الحسية المشاهدة.

2 -نظريات عن الطبيعة أو الإنسان أو المجتمع ،منها مالا نقطع بصحته ولا برهان لدينا على بطلانه،ومنها ما هو في طور التجربة ،ومنها ما ثبت بطلانه وفساده.

3 -تقنيات ومنتجات ومصنوعات مادية بحتة أدى إليها تطور العلوم الطبيعية والرياضية.

4 -مهارات تقنية أو إدارية أو تربوية مبنية على تلك العلوم.

5 -تصورات دينية أو فلسفية أو فكرية للوجود ومكانة الإنسان فيه ،وللقيم الأخلاقية والسلوكية والجمالية ولعلاقة الإنسان بالإنسان.

6 -آداب وفنون وممارسات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وتربوية وعادات وتقاليد تصوغها تلك التصورات المذكورة في الفقرة السابقة.

فأين يقع علم البرمجة اللغوية من هذه الأقسام؟! سؤال يجب أن تعرف إجابته بدقة واتزان وموضوعية بعيدا عن ذوبان المعجبين وتخثر الرافضين.

رابعا: العلوم المعاصرة بشتى أشكالها وأنواعها لها جوانب عديدة منها المفيد والنافع ومنها الضار ،وأخذها بإطلاق خطأ مثل ردها بإطلاق ،فالأخذ المطلق يؤدي إلى أخذ الضار ،ولبس الحق بالباطل ،والرد المطلق يؤدي إلى إهدار النافع، وتفويت الحكمة التي هي ضالة المؤمن ،وهذه النظرة الأحادية الجانب غلبت على بعض أنواع التفكير المعاصر عند المسلمين، وأدت إلى نظرات ناقصة وجزئية،وجازمة ومتسرعة ،وكأن قضايا وظواهر العلوم والفنون ليس لها غير جانب وحيد، وفي حقيقة الأمر أنه تكاد أن تكون جميع الظواهر الاجتماعية واقتصادية والسياسية والعلوم والفنون الإنسانية متداخلة ومتفاعلة في تكوينها من عناصر عديدة ،

إن القراءة المشوشة أو القاصرة أو المبتسرة سواء في جانب القبول أو الرد،تؤدي إلى خطأ منهجي ،يحسب أصحابه أنهم قد تملكوا ناصية العلم واكتشفوا كل المخبأ والمستور فيقودهم ذلك إلى تقديس أو تدنيس من خلال نظرية أن الحياة والعلوم والقضايا إما بيضاء أو سوداء ولا وجود للألوان الأخرى .

خامسا: في مقابل تلك الأسئلة التي طرحتها أود أن أخاطب الطرف الرافض تماما لهذا العلم وأشباهه من العلوم المستجلبة من الغرب: فأقول بأنه من ظواهر تغييب العقل المسلم سلبيته إزاء الفكر الإنساني ،والشعور بالاكتفاء المطلق ،وعدم الحاجة إلى الأخذ من حضارة الآخرين ، تحت شعار أن عندنا الكمال كله، كمال في كل شيء ،ومع الآخرين الفساد والخطاء والانحراف و العيوب، ولئن كنا نعتز بديننا ونعتقد كمال وشموليته ،ولكن ذلك لا يعني بحال أننا لاتأخذ مالدى الآخرين من خير ونفع وحكمة وفائدة،فقد أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن ينهىعن الغيلة ثم أجازها أخذا بنتيجة تجربة عند الكفار من الفرس والروم ،ففي صحيح الإمام مسلم مانصه باب جواز الغيلة وهي وطء المرضع وكراهة العزل عن عائشة عن جدامة بنت وهب الأسدية أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (لقد هممت أن انهي عن الغيلة حتى ذكرت أن الروم وفارس يصنعون ذلك فلا يضر أولادهم ) وفي الحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ( الحكمة ضالة المؤمن فحيث وجدها فهو أحق بها) رواه الترمذي وابن ماجة

قال شارح بن ماجة (الحكمة ضالة المؤمن أي كأنه فقدها واضلها إشارة الى ما قيل انظر الى ما قال ولا تنظر الى من قال) وفي تاريخ بغداد للخطيب عن علي بن أبي طالب أنه قال (الحكمة ضالة المؤمن فخذ ضالتك ولو من أهل الشرك) .

قال ابن القيم رحمه في مفتاح دار السعادة بعد أن ذكر الحديث (والحكمة هي العلم فإذا فقده المؤمن فهو بمنزلة من فقد ضالة نفيسة من نفائسه فإذا وجدها قر قلبه وفرحت نفسه بوجدانها كذلك المؤمن إذا وجد ضالة قلبه وروحه التي هو دائما في طلبها ونشدانها والتفتيش عليها وهذا من احسن الامثلة فإن قلب المؤمن يطلب العلم حيث وجده اعظم من طلب صاحب الضالة لها) .

وفي مقابل ذلك نجد أزمة أخرى مقابلة لهذا الاتجاه تعطي الولاء كله للعقل وحده ، وتدعي أنه بما أن الغرب قد تفوق في التقنية فلا شك أنه متفوق في الأفكار والأخلاق ،فالأولون عصبوا أعينهم عن الحياة والناس والعصر برمته، فعاشور حالة فصام، عقولهم في العصور الماضية ،وحياتهم كلها هنا في هذا العصر، والآخرون عصبوا أعينهم عن المنطلقات والأسس والقواعد والكليات التي قامت عليها حضارة الإسلام ،وعزلوا ذواتهم عن أي جدل تاريخي، وعاشوا مجرد أتباع للآخر ،ونحن في حاجة إلى روح نقدية وعقلية تمتلك قوة النظرة الفاحصة المتأملة على ضوء الدين ووفق ضوابطه ،بلا جمود ولا تبعية.

إن خروج العقل المسلم من أزمته المعاصرة تجعل من الضرورة قراءة ومعرفة ما عند الآخرين كل الآخرين، وقبل ذلك معرفة أحكام الدين وآدابه ،والرفض المطلق للعلوم المعاصرة أو العلوم الإنسانية يعني عدم التعمق في دراسة تلك المدنيات وعدم فهمها ،وإذا نحن لم نفهم المدنية الغربية جيدا وهي السائدة في عالم اليوم خرجنا من إطار عصرنا وبذلك لن نجتهد الاجتهاد الصحيح المؤدي للإصلاح والتغيير الاجتماعي المطابق لظروف العصر، ،إننا حينما نأخذ عن الغرب أو الشرق بمعيارية واضحة ونتجاوز مشاعر الرفض، لن نقف عند العلوم الطبيعية والتجريبية وما نتج عنها من تقنيات ،بل نستطيع أن نأخذ وفي أيدينا معيار الحق ما جاء في مجال العلوم الإنسانية أيضا، وبذلك فقط نستطيع معالجة الطرف المقابل الذي استخذى أمام الغرب تحت شعار الاستفادة وعدم الانعزال ، وهذا التوسط هو الموقف الصحيح بين الطرفين المتناقضين ،لأن كلا الموقفين فيه اعوجاج في التفكير، وخلط بين الثوابت والمتغيرات، وتقديس ما ليس بمقدس ،ويدل على السطحية والعجز عن التأصيل والتمحيص، والميل إلى الارتجال، والانشغال بالدعاوى ،ويشي بالخمول العقلي وغياب الموازين المحددة لما يقبل وما يرفض من نتاج الآخرين، و يدل على غياب المعايير الصحيحة التي تعرف بها أقدار الأشياء وقيمتها ،ويؤكد الانحياز للذات بدون تعقل ،والتمييز ضد الآخرين بلا تعقل أيضًا، وفي المقابل نجد المبالغة في إبراز مزايا الآخرين، والانشغال بجلد ذواتنا وتراثنا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت