فهرس الكتاب

الصفحة 2451 من 3028

ومن مشاهد الاستعاضة عن علوم الإسلام وآدابه أن بعض المدربين يخلط الرجال بالنساء ،وربما عمل حاجزا رقيقا مثل ثوب الرياء الذي قال عنه الشاعر:

ثوب الرياء يشف عما تحته فإذا التحفت به فإنك عاري

وبعضهم قد يباشر الحديث مع النساء لعلاج حالات أو التدريب على مهارات فيحصل منهن الميل إلى هذا المدرب والتعلق به، وهذا أمر طبيعي يحصل بسب الألفة والمخالطة والحديث عن التأثيرات العميقة و المشاعر و حل المشكلات الوجدانية والحياتية،وبعض المدربين يرى أن هذا التعلق عيب في المرأة المتعلقة وليس عيبا في المدرب ، وحاله كحال القائل:

ألقاه في اليم مكتوفا وقال له إياك إياك أن تبتل بالما

وما أصدق القائل (المخالطة توجب التخليط، وأيسرها تشتيت الهمة وضعف العزيمة ، وأقل ما في سقوط الذئب في غنم إن لم يصب بعضها ان تنفر الغنم) بدائع الفوائد3/755

وكم من زوجة مدرب اشتكت وتذمرت وتمنت أن زوجها لم يتعلم هذا العلم ولا سلك هذا المسلك

فهل يحق لنا بعد هذه الظواهر أن نقول بأن البرمجة اللغوية تحولت إلى ثقافة بديلة بل وسلوك بديل؟ وأن من علامات ذلك أيضا هذا التركيز المبالغ فيه على دورات وكتب وأشرطة ومواقع البرمجة اللغوية العصبية ،وهذه الدعاية الهائلة التشويقية والتسويقية؟

حتى ليكاد يظن الظان وهو يستمع لبعض هؤلاء وهم يركضون بشدة في هذا الاتجاه أن القوم لم يعرفوا قبله ثقافة، ولم يستضيئوا قبله بضوء علم، ولم يكن لهم ركن وثيق من المعارف والعلوم والآثار.وأين نحن من كتاب ربنا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم، التي فيها الضياء والنور والبيان والخير والبركة والسعادة ؟

قد يقول قائل بأن هذا التوسع والشغف و هذا الذي سميته ثقافة بديلة هو عيب في الممارسين وليس عيبا في العلم ذاته.

ولا شك أن الممارسين المغرمين والمندفعين بلا تحفظ يحملون هذه التبعية ،ولكن المؤكد أيضًا أن البرمجة اللغوية ذاتها تؤكد في أدبياتها وبرامجها ومقولاتها وافتراضاتها بطرق إيحائية وبأساليب مختلفة ما فحواه ( إنك لا تنتفع بهذا العلم ولا تستفيد منه ما لم تكن لديك القناعة التامة به)

وهذا نوع من التسليمية المطلقة تستهدف إخضاع الإنسان وجذبه بصورة شعورية أو لا شعورية إلى هذا العلم ،ولعل هذا هو أحد أسرار الشغف الهائل والكبير الذي يسيطر على أذهان بعض المطلعين على هذا العلم وخاصة المبتدئين منهم.

ثانيا: الأثر العملي والسلوكي

تساؤل نطرحه حول ما يرى ويشاهد من الحاصل من بعض الدارسين والمدربين ، حيث ألقوا أعنتهم لمقتضيات ولوازم هذا العلم وانساقوا في ذلك انسياقًا تشكل مظاهره الأولى نوعا من التغير السلبي

وقد استعمل بعض هؤلاء الآليات والمهارات الموجودة في هذا الفن لتعزيز اتجاهاتهم الجديدة العملية والسلوكية، والتي ليست بالضرورة اتجاهات إيجابية.

وبما أن هذا العلم يعود في مجمله إلى الفلسفة الغربية القائمة على الذاتية والفردية فإن معظم الآثار السلوكية والعملية للمتأثرين سلبا بهذا الفن اتجهت في الاتجاه الفردي الأناني، وما الميل الشديد للكسب المالي ،والتنافس بين المدربين والتلاسن بين أتباع المدارس المختلفة ،والتشكيك في القدرات والمصداقية العلمية إلا أحد الأمثلة على ذلك.

وكذلك السعي نحو الصيت والظهور والشهرة ،والانعزال عند بعضهم عن مجالات النفع التطوعي العام، وتقديم دورات ولقاءات البرمجة اللغوية على اللقاءات العلمية والتطوعية والدعوية و،والدروس الشرعية ،بل والأوراد والأذكر النبوية،وما شابه ذلك من أمور وقضايا،ذات نفع مؤكد ومصلحة واضحة وخير ثابت

ولماذا لو قيل لبعض هؤلاء هناك درس أو موعظة أو جمع تبرعات أو توزيع صدقات،أو ندوة ثقافية أو أمسية شعرية ونحو ذلك من الأمور التي كان قبل تعرفه على هذا العلم يقبل عليها ويجتهد فيها؛ تجده الآن يتبرم ويتثاقل ويتخلص

ويتملص،وقد لُقن أن من قوة الشخصية أن يقول (لا) بملء فيه، وإذا تضايق منه أحبابه وأصحابه فما عليه إلا أن يقنع نفسه بالمبدأ التالي: ( تقبل الرفض إذا رفضك الآخرون فهذه مشكلتهم ،وهم الذين يعانون) .

إن لكل علم وفن ودراسة جانبان من التأثير، الأول: التأثير المباشر بالعبارات والمعاني المباشرة،والثاني: التأثير غير المرئي وغير المنظور ،وقد يكون هذا هو الأخطر بسب قوة فعاليته وخفائه.

هل يمكن أن يعد من الآثار السلبية ما يسمع من أقوال مدرب ينتقص مدربين آخرين، وتلاميذ مدرسة يتهكمون من تلامذة المدارس الأخرى؟ وهل هذا آت في سياق التسابق على كسب الزبائن واحتلال (موقع بسطة) أكبر في سوق التدريب المشحون هو الآخر بالتنافس المالي، والتسابق على المتلهفين إلى (موضات العلوم الجديدة)

وماذا عن المبالغ الضخمة المطلوبة من المتدربين؟ والتي تصرخ بأوضح الدلالات على الروح التجارية المعتمدة على (الشطارة) والاحتكار، والمهارة في التسابق على الزبائن قبل أن يكثر المدربون فتنخفض الأسعار؟ وهل يحق لنا بعد هذا الوصف أن نقول بأن الذاتية والأنانية ألقت بضلالها على قضايا ليست في الأصل بضاعة تجارية، فأفسد البَرَدُ ما أصلح الغيث ؟

وهل من الأثار العملية والسلوكية: ظاهرة الاعتزاز المفرط بهذا العلم وآلياته عند البعض؟ وهل من أدلة ذلك ما نسمعه من بعض متعلمي هذا العلم صراحة أو بلحن القول من تهوين للآخرين ، والإشارة إلى سذاجتهم وضعف تصوراتهم وضآلة تقديراتهم للأمور والأحداث والأشخاص ،ليس لأنهم جهلوا العلوم الشرعية، أو الخبرات العملية،أو الثقافات العلمية، بل لأنهم لا يعرفون البرمجة اللغوية؟!!

وها هنا ملحوظة أتساءل عنها -وهي موجودة بصورة محدودة- وهي بخصوص ضعف السلوك الديني عند بعض المهتمين بالبرمجة اللغوية ،ففلان كانا حريصا على صلاة الجماعة فأصبح لا يرى في المسجد إلا لماما ،وفلان كان محبا للقرآن ،وكان المصحف لا يكاد يغادر جيبه ،والآن أصبحت جيوبه متخمة بكتب البرمجة وعلوم النفس والسلوك المترجمة والمقتبسة، ،وفلان كان يطالع كتب أهل العلم من فقه وأصول وتوحيد وحديث فأصبح لا يلوي عليها إلا قليلا (أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ) (البقرة: من الآية61) .

ثالثا: الأثر العلمي والفكري

مما لاريب فيه عند كل دارس للمناهج والاتجاهات أنها تتأثر ببيئة نشأتها وبالأفكار والقناعات السائدة في بلد النشأة، وخاصة عندما يتعلق الأمر بدراسة نفسية الإنسان وسلوكياته وأخلاقه ،وهو الأمر المحوري في البرمجة اللغوية العصبية.

فهل من الكياسة أن نأخذ البرمجة اللغوية على أساس أنها مجرد مهارات أو أدوات محايدة تماما؟ ليس لها علاقة بالرؤية الغربية الشمولية ،ولا بالمنظومة المعرفية القيمية حيث نشأ هذا العلم وترعرع؟

وحتى نتمكن من الإجابة على هذا السؤال ،والتعرف على ما يمكن تسميته العلاقة العضوية بين البرمجة اللغوية العصبية والبيئة التي نشأ فيها سنأخذ التعريف الأكثر تداولا للعلمانية في محاولة لفهم المعنى بالشكل الاصطلاحي الحديث ذي الصيغة العامة ،ذات الامتداد السياسي والاجتماعي والفلسفي ،وهو المعنى المبثوث في مفردات الحياة الغربية فكرا وممارسة ،بل هو الإطار الأصولي لشتى شعب الحياة الغربية ومنا شطها.

هناك تعريف وضعه جون هوليوك المتوفى سنة 1906 م يقول فيه بأن العلمانية هي: ( الإيمان بإمكانية إصلاح حال الإنسان من خلال الطرق المادية ،بدون التصدي لقضية الإيمان سواء بالقبول أو الرفض)

والكلام عن إصلاح حال الإنسان لا يمكن أن يكون محايدًا ، لا من حيث التصورولا من حيث التطبيق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت