والمثل الآخر لهذا الغزو، تحت شعار التطبيع، ما صرح به وزير التربية في إحدى الدول العربية، ونشرته جريدة المسلمون في عددها الصادر بتاريخ 23 ربيع الآخر 1414هـ الموافق 8 أكتوبر 1993م، من أنه تلقى طلبًا أمريكيا بتغيير المناهج المدرسية، بحيث يتم حذف كل إشارة إلى الصراع العربي الإسرائيلي، وقد عبر الوزير عن دهشته، وقال: إن هذا الطلب يجيء في الوقت الذي تحفل فيه المناهج، والكتب المدرسية الصهيونية، بآلاف التعابير المعادية، والمهينة للعرب والمسلمين.. وهكذا تمضي الأمور، ويمكّن للغزو أو التطبيع، بين المحتل الغاصب، والمظلوم اللاجئ.
وفي تقديري، أن الغزو الفكري بصوره المتعددة وميادينه المتنوعة، لا يخرج عن أن يكون سنة من سنن التدافع، في الاجتماع البشري، وهو سر نمو الحياة وامتدادها، ذلك أن التنوع، والاختلاف، والتباين، هو أساس الفعل التاريخي، ومجال الابتلاءات والفتن المتعددة، في مجالي الخير والشر، ليتحقق التمحيص، وتستبين الحقيقة، ويتضح سبيل المجرمين، ويذهب الزبد جفاء، ويمكث الحق في الحياة، ويتمايز الناس، وتتحصل وراثة الأصلح، ذلك أن الشر من لوازم الخير، قال تعال: (وكذلك جعلنا لكُلّ نبيٍّ عدوًا من المجرمين) (الفرقان:31) وقال: (ولو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهُدِّمت صوامع وبيعُ وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرًا ) (الحج:40) وقال: (كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ) (الرعد:17) فالغزو الفكري أو الإفك الفكري، بميادينه المتعددة، وشوكاته المتنوعة، والذي هو سنة من سنن الاجتماع البشري، ليس شرا كله، بل هو خير، في كثير من الوجوه، قال تعالى: (إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرًّا لكم بل هو خيرُ لكم) (النور:11) لأنه يعتبر من الكواشف المطلوبة، فلولا الفتن لما عرف النفاق، وتحصن الناس ضده.
لذلك كان يقول بعض الصالحين: لا تخافوا الفتن فإنها حصاد المنافقين، وجانب الخير فيها لو أحسنا تدبره، وتبصره، وتحقيق عبرته، كبير، فهو يعتبر من المنبهات الثقافية، والتحديات الحضارية الضرورية، لإعادة شحذ الفاعلية، واستعادة الذات، وإنهاء حالة الاسترخاء، والكسل، وإعادة النظر في كيفية التعامل مع القيم الإسلامية ، وإدراك خطورة بعدها عن حكم الواقع، واكتشاف الثغور المفتوحة، والمعاصي والآثام المقترفة، التي اقتضت مثل هذه العقوبات.
وكما أننا بحاجة إلى معرفة الخير، لنفعله، فكذلك نحن بحاجة إلى معرفة الشر، خشية أن يدركنا، ومن لم يعرف الجاهلية، لا يعرف الإسلام، بكل ما تميز به من النقلة والتحويل، من الوثنية إلى التوحيد.
والأمر الذي قد يكون من المفيد الإشارة إليه، والتذكير به، أننا كأمة مسلمة، قد نخسر مواجهة، أو قد نهزم في معركة أو معارك، فالأمم قد تمرض، وتعاني من عملية السقوط والركود، والتخاذل وغلبة الأعداء، وقد يكون هذا من ضرورات صحوتها، وإيقاظها، لكن في الأحوال كلها، لا يجوز أن يختزل تاريخها وعطاؤها الحضاري، في معركة، أو مواجهة، أو غلبة مؤقتة، أو جولة من جولات الصراع، عندما تخضع لسنة التداول الحضاري، لقوله تعالى: (وتلك الأيّام نداولها بين الناس ) (آل عمران:140) فكثيرًا ما برهنت هذه الأمة المسلمة على استعلائها بالإيمان حتى في فترات الوهن والهزيمة، وقلبت الموازين والسنن الاجتماعية والحضارية الشائعة، التي تقضي: بأن المغلوب في مرحلة السقوط العسكري، والحضاري، مولع دائمًا بتقليد الغالب، وإذا بنا نرى في الفعل التاريخي الإسلامي، أن الغالب تحول إلى التزام ومحاكاة قيم المغلوب، وكانت حضارة، وثقافة المغلوب، هي الأقدر، على هضم واستيعاب الغالب، كما هو الحال عندما احتلت صقلية، وسقطت بغداد في يد المغول، وغيرها، حيث كانت ثقافة وحضارة وعقيدة المغلوب، أقوى من جند الغالب ، فتحول الغالب إلى الإيمان بها والامتداد والانتصار لها، وهذا ليس من باب التفاؤل الساذج، وإنما هو من وعود ومبشرات الوحي، ومن شواهد الفعل التاريخي، وتصديق الواقع الملموس.
ولا شك عندي بأن قيم الكتاب والسنة المعصومة الخالدة المجردة عن حدود الزمان والمكان، هي بالنسبة للأمة المسلمة عواصم من السقوط، كما أنها تشكل خميرة النهوض، وتوفر الإمكان الحضاري للأمة، كلما عادت للاستمساك بها، وأن هذه القيم، بمقدار ما تشكل قوة دافعة للنهوض، واستعادة الفاعلية في أيام العافية، بمقدار ما تشكل قوة وحصانة حضارية وثقافية مانعة في أوقات الانكسار والسقوط.
إن من مواثيق الله لهذه الأمة، أن لا يُسلَّط عليها عدوها تسليط استئصال وإلغاء، على مختلف المستويات، وإنما هي ألوان من الأذى، تلحق بها، بسبب من تقصيرها ومعاصيها، هي عقوبات على المعاصي، لإعادة الوعي، واستدراك جوانب التقصير، وتحديد مواطن القصور.
ذلك أن من لوازم الرسالة الخاتمة وخلودها، استمرار حملتها، وخلود الأمة التي تؤمن بها، واستمرار ظهورها بالحق والهدى والشهادة على الناس.
ولعل مما يمنحنا الاطمئنان، أن الرسالة الإسلامية هي في حقيقتها رسالة معيارية، جاءت لتصويب ما داخل النبوات السابقة من تحريف وتبديل، يقول تعالى: (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنًا عليه ) (المائدة:48) فالهيمنة هنا هي المعيارية بكل مدلولاتها.
والرسول صلى الله عليه وسلم بما أوحي إليه، يشكل معيارًا وشاهدًا على الناس، قال تعالى: (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرا ) (الأحزاب:4) . وقال: ( ..ويكونَ الرسولُ عليكم شهيدا ً) (البقرة:143) والمعيارية إحدى وظائف الشهادة.
والأمة المسلمة هي الأمة المعيار، التي وكل إليها أمر الشهادة على الناس والقيادة لهم، بما تمتلك من قيم معصومة محفوظة في الكتاب والسنة. قال تعال: (وكذلك جعلناكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس ) (البقرة:143) . فالقرآن معيار، والرسول صلى الله عليه وسلم (السنة والسيرة) معيار، والأمة المسلمة حاملة الكتاب والسنة معيار، وهذه المعيارية ليست قيمًا من وضع الإنسان، يغيرها حسب هواه.
والمعيارية تعني أن الأمة المسلمة المؤمنة بهذه الرسالة، ستبقى بمأمن من الغزو الفكري لأنها عند التزامها بقيمها تعرف ماذا تأخذ و ماذا تدع. فالغزو الفكري لا يذوب ثقافتها، ولا يلغي هويتها، ولا يطغى على قيمها، وإنما هي ألوان من الأذى، قال تعالى: (لن يضرّوكم إلا أذى ) (آل عمران:111) .
والغزو الفكري، إنما يمتد ابتداء في داخل الأمة، الفاقدة للمعيار ومركز الرؤية، الذي تعرف في ضوئه ماذا تأخذ، وماذا تدع.. فكيف والحالة هذه يمكن أن تسقط الأمة المسلمة ثقافيًا، وحضاريًا؟! لذلك تتركز اليوم وسائل الغزو الفكري، في محاولة إخراج الأمة عن دينها، وقيمها المعيارية، لتصبح مهيأة، لتقبل ما يلقى إليها، دون القدرة على اختباره، ومعايرته، بالشكل المطلوب.