فهرس الكتاب

الصفحة 885 من 3028

وكان من الطبيعي أن يحتل خريجو مؤسسات التعليم المدني، المواقع المؤثرة، في المجتمع، سواء قلنا: إن ذلك جاء بسبب التخطيط والاحتواء الثقافي، والتمكين السياسي، أم قلنا،: بأنهم أُهِّلوا بطبيعة دراساتهم وتخصصاتهم، لشغل وظائف الدولة الحديثة، بينما انغلقت بعض مؤسسات التعليم الشرعي والديني، على الماضي، فعاشت غربة الزمان، وإن لم تعش غربة المكان، الذي عاشته مؤسسات التغريب، ولم تتنبه لشمولية التصور الإسلامي، وأهمية التخصصات، المطلوبة للمجتمع، وأنها من الفروض الدينية الكفائية، وأهمية تطوير فلسفتها، وأساليبها، ومناهجها، ودراساتها، وحوصر خريجوها، ببعض الوظائف الهامشية، التي حالت دون تأثيرهم في المجتمع، مما أدى إلى عزوف كثير من الطلاب عنها، إلا في حالات خاصة، من الفقر، والعجز عن متابعة التعليم في مؤسسات تقتضي نفقة، أو بسبب ضعف المستوى العلمي، الذي لا يؤهلهم إلى دخول مؤسسات التعليم المدني، وهنا وقعت الواقعة في نوعية الطلبة، وفي أسلوب التعليم وطرائقه ومخرجاته، ولو لا عطاء الصحوة الإسلامية ، التي حفزت الكثير من الطلبة النابهين على الدراسات الشرعية، ودخلت المؤسسات التعليمية عامة، وعلى كل المستويات المتوسطة والجامعية، ولم تخرج منها، كما هو المنطقي، والمطلوب، فأنقذت كثيرًا من الأجيال المسلمة، من التيه، وضياع الانتماء الحضاري، وأعادت الثقة، والاعتبار، لبعض خريجي المدارس الشرعية، وتقدمت بهم إلى الحياة، لكانت الكارثة التعليمية والثقافية مدمرة فعلًا.

وليست إصابات الغزو الفكري في مجال الإعلام الذي يعتبر بحق: مؤسسة التعليم، والتشكيل الثقافي المستمر، بأقل خطرًا، ذلك أن الإعلام، بما يمتلك من إمكانيات فنية تستخدم الصورة والصوت، والضوء، واللون، واللباس، إلى جانب التنوع، والتفنن، بالأوعية والفقرات الإعلامية، التي باتت تغطي كل المساحات، وتملأ كل الأوقات، أصبح من أهم وأخطر وسائل الغز والفكري والتشكيل الثقافي، حتى لنكاد نقول: إن الإنسان بشكل عام بات مرتهنًا اليوم لوسائل الإعلام ، وواقعًا تحت رحمتها، في تكوين آرائه وبناء ثقافته، وتشكيل نظرته إلى العالم،وقد يكون ميدان الصراع الحضاري الحقيقي اليوم، قد تحول إلى مجال الإعلام، وأصبح التمكن من امتلاك الشوكة الإعلامية، بكل لوازمها ومقتضياتها، يضمن الغلبة الثقافية، التي تعتبر ركيزة التفوق الحضاري، ذلك أن الإعلام بقدرته على الامتداد، والاختراق، ألغى الحدود الجغرافية والسياسية للدول، وتجاوز كل المعوقات، وامتد بحواس الإنسان حتى أصبح يرى ويسمع العالم من مكانه.

والحقيقة أن هذا الضخ الإعلامي الرهيب الرعيب، الذي يصب فوق رؤوسنا، والذي حققته ثورة الاتصالات والمعلومات، بمقدار ما يشكل لنا من مخاطر فكرية وثقافية، بمقدار ما يمنحنا من إمكانات كبيرة، لو تمكنا من استخدامها وتوظيفها، لاستطعنا أن نصل بالخطاب الإسلامي إلى كل الدنيا، ونحقق ظهور هذا الدين على الأديان والحضارات، والثقافات العنصرية القائمة، لأنه الدين الإنساني الذي تستجيب له فطرة الإنسان، ويمثل حق اليقين، والبديل المأمول، الذي يحقق المشترك الحضاري، والثقافي، الإنساني، بعيدًا عن التعصب والتمييز والتفرقة العنصرية لأنه دين مفتوح مشرع الأبواب لكل الباحثين عن الحق، وحيث التفاضل فيه للتقوى والعمل الصالح.

وقضية أخرى في مجال المسألة الإعلامية، أو الإغراق الإعلامي، لا بد من الإشارة إليها، وهي أن الأمة التي تمتلك معايير ثابتة ومعصومة، يمكن أن تشكل لها حصانة ثقافية، بإمكانها أن تحوِّل الطوفان الإعلامي، إلى لون من استشعار التحدي لكيانها، والاستفزاز لفاعليتها، والاستنفار لطاقاتها المعطلة، الأمر الذي يحملها إلى إبداء الدليل الصحيح للوقاية الثقافية والإعلامية، ويحفزها على الإنتاج البديل، ويمنحها القدرة على التعامل، بحيث تتحول المشكلة إلى حل، والنقمة إلى نعمة، والتحدي الخارجي والداخلي، إلى الشعور بأهمية استرداد الذات، والاعتماد عليها، والاحتماء بها، وحماية الهوية الثقافية من الإلغاء.

وقد يكون من أخطر مراحل الغزو أو وسائل الغزو الفكري على الإطلاق اليوم، وفي ظل هيمنة النظام العالمي الجديد، الذي ليس له من العالمية، أو المشترك الإنساني إلا الاسم، لأنه أصبح يتدخل بسيادات الدول وثقافاتها بالقوة، وبشكل مكشوف، تحت عنوان"حق التدخل الإنساني"والذي كان من أولى إصاباته في عالم المسلمين التمكين لسيطرة اليهود، والتوهين للقيم والمبادئ الإسلامية، ومحاصرة مؤسسات العمل الإسلامي، وشل نشاطها، لأن ذلك من لوازم الحقبة اليهودية القائمة والقادمة، والتخويف منها، أو دمغها بالتطرف والإرهاب، والأصولية، نقول: لعل من أخطر وسائل الغزو الفكري، ومراحله، هو ما يسمى اليوم بمرحلة التطبيع الثقافي والسياسي والاجتماعي والاقتصادي، مع يهود، الذي يمكن أن يعتبر الصورة الأحدث للغزو الفكري المكشوف، حيث يقتضي اقتلاع الثوابت الدينية والوطنية، ومحو الذاكرة العربية المسلمة، وإلغاء مخزونها الثقافي والفكري، وإيقاف الموارد الثقافية، والتواصل والنقل المعرفي بين الأجيال، تحت عنوان: التجفيف، وإعادة التثقيف، أي تجفيف منابع الدين والصحوة، وانتقاص الرؤية القرآنية، وذلك بحذف الآيات، والأحاديث النبوية، التي تتحدث عن تاريخ يهود وأخلاقهم، ومسخ الشخصية التاريخية للأمة، والعبث بمناهج الإعلام والتعليم، حتى تؤدي دورها في عملية التطبيع والتدجين.

والحقيقة التي لا بد من الاعتراف بها، والتفكير بمواجهتها، أن عملية التطبيع هذه، إنما يحضر لها، وتعد وسائلها، على الأصعدة المختلفة في التعليم، والإعلام، والسياسة، والثقافة، منذ زمن بعيد، وأنها من بعض الوجوه، تعتبر الثمرة الدسمة للغزو الفكري التاريخي لهذه الأمة. وقد يكون المطلوب من مؤسسات العمل الإسلامي جميعها التفكير بالكيفيات ووضع البرامج المدروسة، للتعامل مع مرحلة ما بعد عملية السلام، المفروضة، وبناء الحصانات المطلوبة، التي تحول دون السقوط والذوبان، للاحتفاظ بكيان الأمة وثوابتها وثقافتها، إذا لم تكن قادرة على التغيير.

ولعل من المفيد الإشارة هنا، إلى ما ورد في نشرة الأنباء العربية، الصادرة عن وكالة الإعلام الأمريكية في واشنطن، التي تشير إلى أخطر ممارسات الغزو الثقافي، أو التطبيع الفكري والاجتماعي، كما يسمونه اليوم، بين العرب المهجَّرين والمغتصبة أرضهم، ومنازلهم، وبين اليهود المحتلين ! وذلك من خلال البرنامج المشبوه المسمى"بذور السلام"حيث يجتمع 43 فتى من مصر وفلسطين والكيان الإسرائيلي تتراوح أعمارهم ما بين 11 إلى 14 سنة بهدف: إيجاد تواصل بين الأجيال الشابة في البلدان العربية وإسرائيل، لبناء جسور السلام، من خلال إيجاد قنوات مشتركة للتفاهم بين فئات حديثة النشأة وقد أعد لذلك برامج، وندوات، وزيارات، وأفلام إلخ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت