والحقيقة التي لا بد من الإشارة إليها، والتوقف عندها قليلًا، بما يسمح هذا المجال: هي أن الغزو الفكري لعالم المسلمين، شكل ولا يزال بعض الاختراقات - إن صح التعبير - وتسلل إلى ميدان خطير يمكن أن نسميه الغزو الديني، ونقصد به هنا أمرًا آخر، غير عملية التنصير، أو التبشير النصراني، الذي يمارس في عالم المسلمين، تحت شتى المسميات والعناوين. إن الغزو الديني الذي نقصده هنا، وننبه إلى مخاطره، هو في انتقال علل التدين، وبعض التصورات والتأويلات التي ابتليت بها الأمم السابقة، إلى المسلمين، الأمر الذي حذر منه القرآن في أكثر من مناسبة، وعرض له بأكثر من أسلوب وحديث، وقدم دروسه وعبره من قصص الأنبياء، ومجتمعات الأنبياء، واعتبر ذلك نوافذ للمسلمين ، للإطلالة على واقع الأمم السابقة، والتعرف على أسباب هلاكها وسقوطها، واكتشاف سنة الله في النهوض والسقوط، لذلك جعل السير في الأرض، والتوغل في التاريخ الإنساني، من الفرائض الحضارية والاجتماعية، وإنما شرع هذا السير لتحقيق الوقاية الثقافية، والحصانة الحضارية، من غزو وانتقال علل التدين، التي كانت سبب السقوط والهلاك للأمم السابقة، كما حذرنا الرسول صلى الله عليه وسلم من ذلك بقوله: (لتتبعن سنن من قبلكم شبرًا بشبر وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لاتبعتموهم. قلنا: يا رسول الله:آليهود والنصارى؟ قال فمن؟! ) (رواه مسلم) .
ولعل من أخطر أنواع الغزو الديني، أو انتقال علل التدين التي تسربت إلى المسلمين، ذلك الصراع المفتعل بين الوحي، وبين العقل، أو بين الدين، وبين العلم، التي مارستها الكهانة الدينية الكنسية، حيث احتكرت الفهم والتفسير، والاجتهاد، والتعليم، وجعلت الدين نقيض العلم، والعقل، وجعلت من مقتضيات التدين الصحيح، إلغاء العقل، وإغلاقه،"فمن تفلسف فقد تزندق"، وكان شعارها:"أطفئ سراج عقلك واتبعني"، وحالت دون العقل، ووظيفته في النظر، والتفكير، واكتشاف السنن والأسباب، وإدراك علة الخلق، بدعوى أن ذلك من إرادة الله، وكأن في الأمر تعارضًا، بين الأسباب التي لم تخرج في الأصل عن إرادة الله الذي خلقها، وجعلها، موصلة إلى النتائج، وبين إرادة الله ! وتسرب هذا البلاء، أو هذه الثنائية، بين الوحي والعقل، إلى الفكر الإسلامي، واستنزفت منه هذه الجدليات العقيمة، البعيدة عن طبيعة الإسلام وقيمه، ردحًا طويلًا، مزق نسيج الأمة الثقافي، وفرق طاقاتها وبعثر وحدتها الفكرية، وملأ حياتها بالفرق والاختلافات، بعيدًا عن المواقع الفكرية المجدية ، وبدل أن تترجم قيم ومبادئ الإسلام، إلى الأمم الأخرى، لتخليصها من شقوتها، وما يمارس عليها من الإرهاب الديني، ومن ثم إلحاق الرحمة بها، ترجمت تلك الجدليات إلى الإسلام، وفصِّلت عليه، فأدى ذلك إلى لون من الانشطار الثقافي الرهيب، الذي لا يزال يفعل فعله في مناهجنا التعليمية إلى اليوم، ويمارسه الشركاء المتشاكسون ويذهب ضحيته الطالب.
فالذين توجهوا صوب الوحي الإلهي، توجسوا في كل دعوة، لإحياء وظيفة العقل، واستعادة دوره في الاجتهاد، وتطبيق الإسلام على الواقع، من خلال الخلفيات الفكرية التاريخية، التي دخلت على الإسلام، باسم العقل والعقلانية، لإلغاء الشرع، وتخوفوا من أن الدعوة العقلية في حقيقتها، يمكن أن تكون مطروحة بديلًا عن الوحي، ونقيضًا له، خاصة وأن كثيرا من دعاة إحياء وظيفة العقل، نشأوا في مناخ الفصام الثقافي النصراني، بين العقل، والوحي، ولم يكن للدين نصيب في فكرهم وسلوكهم.. وساهمت بهذا التشوه الثقافي، مناهج التعليم المزدوجة إلى حد بعيد، حيث توجه، أول ما توجه، الغزو إليها.
ولا يزال هذا الانشطار الثقافي، يستنزف الكثير من الطاقات الفكرية والعقلية في العالم الإسلامي، وتقوم معارك مفتعلة، بين الوحي والعقل، على الرغم من أن العقل في الإسلام سند الحقيقة الدينية ، ومحل الوحي، وإذا أسقط العقل، سقط الوحي والتكليف، وأن الوحي هو الإطار المرجعي، الذي يمنح العقل القيم المعصومة ولا تعارض -كما يقول الإمام ابن تيمية وغيره- في الإسلام: بين صحيح المنقول، وصريح المعقول، ذلك أن مصدر العقل والوحي هو الله، وبالتالي فلا يمكن أن يقع التناقض والتعارض، وأن أي تعارض معناه ضعف في سند المنقول، أو عجز وخطأ في الفهم، وكيفية الاستدلال. وعند احتمال التعارض، فإن حكم الوحي المعصوم مقدم على حكم العقل المظنون. ومع ذلك يأبى دعاة التغريب والعلمنة -جسور ومعابر الغزو الفكري إلى العالم الإسلامي- إلا أن يجعلوا الوحي، والغيب، والدين، نقيض العقل، والعلم اليقيني، ويضعونه في خانة الخرافة والأسطورة.
ولعل من أخطر إصابات الغزو الفكري، ما كان في مجال العملية التعليمية، أو نظم التعليم، في عالم المسلمين اليوم، هو في إنتاج شخصيات مشوهة، مشوشة، متناقضة، وممزقة، تعيش صراعًا وانشطارًا ثقافيًّا، لا ينتهي، نتيجة لتناقض الموارد التعليمية، واضطراب فلسفة التعليم، الذي يذهب ضحيتها الطالب كما أسلفنا، وذلك بسبب الفصل بين التعليم الديني، والتعليم المدني، الذي كان ثمرة طبيعية، للصراع بين العلم، والدين، أو بين العلم، ورجال الكنيسة على الأصح، عندما وقف رجال الكنيسة، في وجه العلم والعلماء، ومن ثم جئ به إلى عالم المسلمين ، الذي لم يعان من تلك المشكلات أصلًا، وإنما كان ارتقاؤه العلمي، بسبب الإسلام الذي اعتبر العلم بشكل عام عبادة، وفريضة عينية، أو كفائية، وأن تخلفه اليوم، هو بسبب انسلاخه عن الإسلام، لا بسبب استمساكه والتزامه به.
لذلك بإمكاننا القول: إن مؤسسات التعليم المدني -إن صح التعبير- التي أقيمت في العالم الإسلامي ، إنما بنت فلسفتها، على تكريس فصل الدين عن الحياة، ومعاداته، ووضعه في خانة الخرافة والأساطير، والغيبيات المبهمة، وحاولت إلغاء الوحي كمصدر للمعرفة، لأنها غير خاضعة للحس والتجريب، وانعكس ذلك على شعب المعرفة كلها.. وأريد لمؤسسات التعليم المدني، أن تخرِّج أعداءًا للإسلام ، جهلة بتاريخه وثقافته، وحضارته، يدينون للتحكم الثقافي الغربي، في اللغة، والمنهج، والمصدر، والمرجع والأستاذ، حتى لقد وصل الأمر إلى تهميش اللغة العربية، التي تعتبر من أهم أدوات التوصيل بين الإنسان والقيم في الكتاب والسنة والتراث، وإلغاء دورها في الربط بين التفكير والتعبير، ومحاصرتها في المساجد والمعابد، بعيدًا عن مؤسسات التعليم، ومحاولة التمييز بين لغة العلم، الإنكليزية أو الفرنسية، ولغة الدين، أو بعبارة أخرى ، التمييز بين لغة المعبد، ولغة المعهد، حتى لتكاد تصبح هذه الغربة حقيقة ثقافية عند بعض الناس.