فهرس الكتاب

الصفحة 883 من 3028

ولعلنا نقول أيضًا: إن الأمر اليوم بدأ يتجاوز ذلك العموم إلى محاولة زراعتها في مؤسسات ومنظمات العمل الإسلامي نفسها، وذلك باعتماد مجموعة من الممولين وأصحاب الشأن والنفوذ، تتولى الإنفاق، وصناعة الكتاب والباحثين، الذين يوسمون في كثير من الأحيان بالمفكرين الإسلاميين الكبار، حيث يكبرون وبكبّرون، بالترويج لهم، في وسائل الإعلام، وإتاحة الفرصة أمامهم وإلقاء الأضواء عليهم، في المؤتمرات والندوات، ليؤدوا دورهم المرسوم في هز الثوابت الإسلامية، وتوهين القيم الإسلامية في نفوس المسلمين، والنيل من المسالك والأخلاق، والتقاليد الإسلامية، وحتى العقائد الإسلامية الثابتة، في الكتاب والسنة، كالنبوة، والغيب، والآخرة، ومحاولة عزلها عن حياة الناس، واهتمامهم، وممارسة هدم الذات الإسلامية، وجلدها، باسم النقد، والتنظير، والترشيد. والقيام بمقاربات مع الحضارة الغربية، وتقديم الغطاء الإسلامي لقيمها ومفاهيمها، وتحضير القابليات لاستقرارها، وقبول القيم الغربية في عالم المسلمين، والتمكين لها، على حساب خصائص الحضارة والثقافة الإسلامية وثوابتها، إلى درجة أصبحت معها قيم وكليات الحضارة الغربية، هي معيار القبول والرفض، لكل مواريثنا الفكرية، والعقيدية، والثقافية، وتقاليدنا الاجتماعية.

ولعل الأمر الخطير في مسألة الغزو الفكري، الذي ما يزال يتكرر في حياة المسلمين، والذي يأتي كثمرة للوهن الثقافي، والوصول إلى مرحلة القصعة، التي تمر بها الأمة المسلمة، والتي حذر الرسول صلى الله عليه وسلم من الانتهاء إليها، حيث تؤدي إلى اهتزاز الثوابت والمعايير، وغلبة الحالة الغثائية: هو الفرح بتحول بعض العناصر إلى الاتجاه الإسلامي -وهو أمر مفرح حقًا لا شك- سواء في ذلك من جاء من الداخل الإسلامي، كأن يتحول من الاتجاه العلماني أو اليساري أو الاشتراكي، بعد أن أيقن فعلًا بضلالهِ في المعتقد، وإفلاسه في الواقع، وأتيحت له فرصة الاطلاع على القيم الإسلامية، أو جاء من الخارج الإسلامي، من غير المسلمين، واعتنق الإسلام، بعد أن أدركه الرشد وبلغ درجة الكمال، وانعتق من التدين الوراثي، وامتلك القدرة على التمييز بين الحق والباطل.

أقول: إن الأمر الخطير حقًا، هو أن يقودنا الفرح بتحول وإسلام هؤلاء، دون فحص واختبار، إلى حملهم إلى مواقع الريادة، والقيادة والتنظير، والتأثير، حملهم إلى المؤتمرات، والندوات، والجماعات والمؤسسات، دون أن يمتلكوا الحد الأدنى المطلوب من العلوم الشرعية، والثقافة الإسلامية، أو بكلمة مختصرة دون أن يمتلكوا المرجعية الإسلامية المطلوبة، للنظر والرأي والاجتهاد والتوليد، وتعدية الرؤية من خلال هذه المرجعية، وبذلك يستمرون بالاغتراف من مرجعياتهم السابقة، التي لم يغادرها الكثير منهم تمامًا، ويفرغون في ساحة الفكر الإسلامي، ولا يمتلكون من المناهج والأصول الإسلامية، والأصول الشرعية، إلا عموميات وشعارات الإسلام يستخدمها بعضهم كمدخل وجواز مرور إلى المسلمين، أو مؤسسات العمل الإسلامي، دون أن نلحظ أثر ذلك في فكرهم ونظامهم وعطائهم المعرفي فعلًا.

فهم سواء من حيث النتيجة، من حسنت نيته منهم، أو من ساءت طويته، إنهم في الحقيقة يشكلون المعابر الخفية للغزو الفكري الداخلي، أو الذاتي، الذي يتسلل تحت عناوين وشعارات الثقافة والمعرفة الإسلامية ويقع الكثير ضحايا لهم، لافتقادهم المعايير الدقيقة.

ولا شك أن العلوم الإنسانية، تشكل الميدان الخصب، والتربة المناسبة للغزو في حياة المسلمين الفكرية، منذ عهد بعيد، وذلك لأنها بطبيعة الحال ممتدة ومتقدمة في نطاق الثقافة الغربية، وأن آليتها ومناهجها، ونظامها المعرفي اليوم، يكاد يكون غربيًا بالكامل، وإننا نحن المسلمين، لا نمتلك في هذا الميدان إلا القيم في الكتاب والسنة، التي تشكل لنا عواصم ومناعة ثقافية، إن أحسنا التعامل معها، حيث لا بد من الاعتراف، أننا ما نزال نشكو فقر نظامنا التعليمي، والمعرفي، من آلية ومنهجية، نابعة من قيمنا، ومتسقة معها، إلا القليل القليل، لذلك فمن السهل جدًا، أن يُدخل علينا، أو أن نُخترق من خلال النظام المعرفي الغربي، لأن الساحة تكاد تكون شبه خالية تمامًا، إلا من بعض النظرات المشتتة والمتفرقة، هنا وهناك، لا ينتظمها منهج وبالتالي لا تشكل حصانة، ويكفي في غيبة الضوابط المنهجية، لقيم الكتاب والسنة أن نبهر بما عندهم، أو تحضّر قابلياتنا للتلقي، خاصة إذا ما أضيف لهذه الآليات شعار الإسلامية، وقدمت المسوغات، والأغطية الشرعية، بسبب إجراء بعض المقاربات مع القيم الإسلامية، حتى ولو لم يمتلك صاحبها المرجعية الإسلامية، إلا ادعاءا، دون القدرة على الخروج من معطيات مرجعيته الغربية، وهذا لا يقتصر على مجال الدراسات الإنسانية، وإن كانت هي الأخطر، وإنما لا ينفك بشكل أو بآخر، عن سائر الحقول المعرفية.

ولعل من التوهم، الظن بأن الإنتاج المادي، والعلوم التجريبية، هي منتجات وعلوم بريئة محايدة، ومجردة عن العبور بثقافة أهلها ومنتجيها، إلى السوق الاستهلاكية، وبالتالي فهي لا تشكل خطورة ثقافية على المتعاملين معها، مع أن الحقيقة: أن الإنتاج المادي كائنًا ما كان هو ثمرة للمكوّن الثقافي، وسبيل إليه، ذلك أن أي إنتاج مادي، لا يمكن أن ينشأ في فراغ، وبدون خلفيات فكرية، وشاكلات ثقافية.

لذلك يمكن القول: بأن أي إنتاج مادي لا بد أن يكون متشبعًا بثقافة المنتج، وحاملًا لبصماته، وقسماته الثقافية، وهو بالتالي يصبح أحد المعابر الرئيسة، لإشاعة القيم الثقافية، بطبيعة استعمالاته في المجالات المختلفة، وبذلك يعيد وإلى حد بعيد بناء النسيج الاجتماعي للأمة، كما أنه ينشئ شبكة علاقات اجتماعية جديدة، لأن الإنتاج المادي وآفاق الارتقاء به ، والتعامل معه، تغرس قيمًا، وتنشئ علاقات اجتماعية، ومكونات نفسية، تتسق معه، وتتشكل ثقافتها وأفكارها به.

صحيح أن المخاطر المترتبة على العلوم والدراسات الإنسانية والاجتماعية، هي الأخطر في مجال الغزو الفكري، والتشكيل الثقافي، لكن صحيح أيضًا، أنه من الصعب وضع الحدود الفاصلة، بين الثقافة التي تمنحها العلوم الإنسانية، ودورها في الغزو الفكري، والتشكيل الثقافي، لكن صحيح أيضًا، أنه من الصعب وضع الحدود الفاصلة، بين الثقافة التي تمنحها العلوم الإنسانية، ودورها في الغزو الفكري، وبين ما تحمله العلوم والمنتجات التجريبية، من ثقافة منتجيها، إلى مستهلكيها، ذلك أن منظومة الأفكار والمعتقدات، هي التي تنتج العلم، وتحدد أهدافه، وتبين وظيفته وتضع فلسفته، التي تترافق معه، ولا تغيب أو تتخلف عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت