ومما يعصِم من الفتن ويُنجِي منها لزومُ جماعةِ المسلمين وإمامهم، عن حذيفة رضي الله عنه قال: كان الناس يسألون الرسولَ عن الخير، وكنتُ أسأله عن الشرّ مخافةَ أن يُدرِكني، فقلتُ: يا رسولَ الله، إنّ الله تعالى جاء بهذا الخير، فهل بعدَ هذا الخير من شرّ؟ [قال: (( نعم ) )، فقلت: هل بعد ذلك الشرّ من خير؟] قال: (( نعم وفيه دَخَن ) )، قلتُ: وما دَخنُه؟ قال: (( قوم يستنّون بغير سنتي ويهتدون بغير هديي، تعرِف منهم وتُنكر ) )، قلت: فهل بعدَ ذلك الخير من شرّ؟ قال: (( نعم، دعاةٌ على أبواب جهنم، من أجابهم قذَفوه فيها ) )، قلت: يا رسول الله، فما ترى إن أدرَكني ذلك؟ قال: (( تلزم جماعةَ المسلمين وإمامَهم ) )، قلتُ: يا رسول الله، فإن لم يكُن لهم جماعة ولا إِمام؟ قال: (( تعتزلُ تلك الفِرقَ كلَّها ولو أن تعضَّ على أصلِ شجرة حتى يأتيَك الموت وأنت على ذلك ) )رواه مسلم (11) [11] .
فأرشَد النبيّ عند ظهور الفِتن وعند ظهور دُعاة الفتنة أرشدَ إلى لزومِ جماعة المسلمين وطاعةِ إمامهم؛ لأن ذلك عِصمة لدِين المسلم وسلامةٌ له من البدَع والمذاهب الضالّة، لكنّ الخوارجَ ومن شابههم عكسُوا هذا الحديثَ، فعصَوا الإمام، وقتلوا جماعةَ المسلمين، قتلوا الأطفالَ والنساءَ والأبرياء، وحملوا السلاحَ على رجال الأمن المسلمين الذين هُم في خدمةِ الدين والبلاد، وقتلوا المستأمَنين غيرَ المسلمين الذين حرّم الشرعُ دماءهم، قال الله تعالى: وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [النساء:115] .
ومما يعصِم من الفِتن ويُنجي منها سؤالُ أهلِ العلم الراسخين والرجوعُ إلى أهلِ الفتوى، قال الله تعالى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43] ، فمن استرشَد أهلَ العلم وعمِل بالدليل من القرآن والسنة لا يضلّ، وما ضلّ من ضلّ من المسلمين في العقائد إلاّ بالتأويل الفاسد والإعراض عن أئمة الإسلام.
ومما يعصِم من الفتن الأخذُ على يدِ القائمين على إيقاد نارِها بقوّة السّلطان، كما قال النبيّ: (( كلاَّ والذي نفسي بيده، لتأمرُنّ بالمعروف، ولتنهَوُن عن المنكر، ولتأخذُنَّ على يدِ السفيه، ولتأطرنَّه على الحقِّ أطرًا، ولتقصرُنَّه على الحقّ قصرًا ) ) (12) [12] ، ومن تستَّر على أحدٍ من الخوارجِ فهو شريكٌ له في الفتنة والمعصية، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [آل عمران:102، 103] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإيّاكم بما فيه من الآيات والذّكر الحكيم، ونفعنا بهدي سيّد المرسلين وبقوله القويم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كلّ ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمدُ لله ربِّ العالمين، الرّحمن الرحيم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، وأشهَد أنَّ سيّدنا ونبيّنا محمَّدًا عبده ورسوله، الصادقُ الوعد الأمين، اللهمّ صلِّ وسلِّم وبارك على عبدك ورسولك محمّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فاتقوا الله حقَّ تقواه، فربُّكم أهلُ التقوى وأهل المغفرة.
أيها المسلمون، إنَّ أمَّةَ الإسلام أحاطَت بها الفتنُ والبلايا، ونزلت بها الشدائدُ والكرُبات، وظهر الاختلاف بين المسلمين على ساحةِ العالم الإسلاميّ، واستُهدِفَ الإسلام من أعداء الإسلام ومن بعض المنتسبين للإسلام، وواجبُكم ـ معشر المسلمين ـ الدفاعُ عن دينكم والوقوفُ أمام الغزوِ الفكريّ المعادي للإسلام والمخطَّط له من أعداء الإسلام، والذي يستهدِف التشكيكَ في القرآن الكريم وفي سنّة النبيّ ، ويستهدفُ تعاليمَ الإسلام وتعطيلَ أحكام الله وتعطيلَ شرع في أرض الله، ويستهدفُ إخراجَ المرأةِ المسلمة عن تعاليم دينها لتكونَ كالمرأة الكافرةِ في جميع أحوالها، ويستهدفُ هذا المخطَّطُ أن يجعلَ بأسَ المسلمين بينهم، فيذكِي أسبابَ الصراع بين المسلمين، ويُذكي أسبابَ الصراع بين الحكّام والرعية، ويريد أعداءُ الإسلام أن يجعلُوا بأسَ المسلمين بينهم وصراعهم بينهم.
وإنَّ واجبَكم ـ معشر المسلمين ـ أن تقِفُوا لِكلّ ما يضرُّ دينَكم بالتمسُّك بدينكم، وبالوقوف أمامَ الغزو الفكريّ، وهو التمسُّك بعقيدة الإسلام والاعتصامُ بكتاب الله وبسنّة رسول الله ، فإنه لا يُنجي من الغزو الفكريّ إلا أن يتمسَّك المسلمُ بدينه، وأن يرفُض ما يخالف دينَه جملةً وتفصيلًا، قال الله تعالى: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69] . فجهادُ النفسِ هو بحملِها على طاعةِ الله وإبعادِها عن معصية الله، وقال تبارك وتعالى: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [البقرة:109، 110] ، وقال تبارك وتعالى: وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ [إبراهيم:46] .
أيّها الناس، معشرَ شبابِ المسلمين، لو أنَّكم تدرِكون ما يُخطِّط لكم أعداءُ الإسلام ما عاونتموهم ولا ساعدتموهم على هدِم دينكم، وعلى الإضرار بمجتمعكم، وعلى أن تجعَلوا بَأسكم بينكم، فتوبوا إلى الله وارجعوا إليه، فإنّ الله تبارك وتعالى يقبَل التوبةَ عن عباده، واعلموا بأنَّكم مسؤولون عن أعمالِكم، ومسؤولون عن أفعالكم جميعها، والله عزَّ وجلَّ لا يخفى عليه مِن نياتكم وأعمالكم شيء، قال الله تبارك وتعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه [الزلزلة:7، 8] . فكونوا على حذَر من الشيطان الرجيم، وكونوا على حذرٍ من أعداءِ الإسلام، وكونوا على حذرٍ من أنفسكم، فإنَّ من أعداء الإنسان للإنسان نفسه.
عباد الله، إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] ، وقد قال: (( من صلى عليَّ صلاةً واحدة صلى الله عليه بها عشرًا ) ).
فصلّوا وسلِّموا على سيّد الأولين والآخرين وإمام المرسلين.
اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمّد كما صلّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمّد وعلى آل محمّد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وسلم تسليمًا كثيرًا.
اللهم وارضَ عن الصحابة أجمعين...