تعالوا إلى محكمة العقل من خلال البث الإعلامي الهائل ـ الكمي والنوعي ـ الذي أعقب مقولات بابا الفاتيكان عن الإسلام والمسلمين: ظفرت كلمة (العقل) بمكانة كبيرة، اذ تكررت مفردتها على الألسنة والأقلام على نحو موصول غير مقطوع.. وهذه ظاهرة سارة، على الرغم من الآلام التي سببتها مقولات البابا:
أولًا: لأن البشرية أحوج ما تكون اليوم إلى (إحياء عقلي) عميق وواسع المدى يفاديها عقبى (الجنون) الذي يسود السياسات الدولية في هذا الإبان.. فالعبرة التاريخية تقول لنا: إن سائر الكوارث التي حاقت بالبشر إنما حدثت بسبب (غياب العقل) ، و (حضور الجنون) ..
ثانيا: لأن تفهّم الاسلام منوط باستدعاء العقل واستحضاره بعد نبذ وتغييب، فما يفهم الإسلام والعقل في حالة ركود وجمود وغيبوبة.. ثم إالاسلام لن يهزم قط في (مباراة عقلانية حرة) عمادها: العلم والمعرفة والتفكير والبرهان، لا السيف أو (العضلات العسكرية) .
من هنا: سندير القضية ونناقشها من محور (الأسس العقلانية لوجودنا الكوني، وللخلق والضمير والسياسة والسلام) :
1 ـ من (العقل) : أن نعرف ـ معرفة علمية عملية واقعية لا معرفة نظرية مجردة ـ: أننا (مسلمون ومسيحيون ويهود وبوذيون) إلخ، نعيش ونحيا في (صالون واحد كبير مشترك) ، يسمى جغرافيًا أو فلكيًا بـ (الكوكب الأرضي) ، وأنه لن يستطيع طرف ما أن يحتكر هذا الصالون، أو يجتث الآخرين منه حتى وإن لم يستلطف هذا الطرف الأطراف الأخرى مجتمعة أو طرفًا واحدًا بعينه، ذلك أن الله تعالى وضع الصالون للأسرة البشرية كلها دون استثناء: «والأرض وضعها للأنام» ، وما أراده الله لا يلغيه البشر.
هذه (حقيقة سكانية حضارية) ، مخبول من يجادل فيها، مجنون من يتجاهلها. ولذا فإن منطق العقل يقضي بالتعامل الكوني الواقعي مع هذه الحقيقة، وهذا التعامل يقضي ـ بالضرورة ـ بـ (التعايش بين الجالسين في الصالون المشترك) ، لا بتبادل (الإجتثاث) الذي لا يقول به عقل، ولا يقره إمكان عملي.
2 ـ ما أعظم وأسرع وأول ما تحتاجه البشرية اليوم؟.. أول وأعظم ما تحتاجه هو: الإستقرار والأمن والطمأنينة والسلام.. وما أعظم وظيفة لـ (الدين) في حياة الناس؟.. وظيفته العظمى: أن يقدم لهم الاستقرار والأمن والطمأنينة والسلام: «قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين . يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات الى النور بإذنه ويهديهم الى صراط مستقيم» .. السؤال الثالث البديهي ـ المترتب على السؤالين الآنفين ـ: هل حقق ما جاء في محاضرة بابا الفاتيكان في ألمانيا عن الإسلام والمسلمين ما تحتاجه البشرية اليوم، وما يبشر به الدين ويلبيه؟.. من المعصية لله.. ومن الغش للبابا.. ومن الكذب على البشرية أن نقول: (نعم) ، ذلك انه قد أعقب تلك المحاضرة ومقولاتها: إعصار عاتٍ جائح من التوتر والغضب والقلق والغليان، وهي عوامل أصابت الاستقرار والأمن والطمأنينة والسلام في مقتل على المستوى العالمي.. ومن قرائن ذلك ـ مثلا ـ: أن فئة انجليزية عنصرية متطرفة اعتدت على المسجد الجامع في لندن، قد يقال: أن هؤلاء الإرهابيين كانوا متأثرين بما يجري في بريطانيا ذاتها. ولا نكران لهذا التأثر، بيد أنه لا ينكر أيضا، أنه قد كان لمقولات البابا تأثيرها إذ كانت بمثابة (شحنة) إضافية لأولئك المعتدين.. ومن القرائن أنه وقع عدوان آثم على بعض الكنائس في فلسطين، وكأن الاعتداء على الكنائس تطبيق لدى المنهج القرآني: «ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي احسن» !!! ولكن التأجيج العقدي يفقد الناس عقولهم فيعملون عمل المجانين، ولذا كان من مقتضيات (العقل) : تنقية المناخ العام من هذا الهياج العقدي أو العاطفي، وليس العكس.. ومن تلك القرائن ـ كذلك ـ: أن خافير سولانا قد لحظ ـ بعد المقولات وردود الفعل عليها ـ: «أن الهوة تزداد اتساعا بين الغرب والعالم الاسلامي» . ومن المؤكد أن اتساع الهوة بين هذين العالمين الكبيرين: يهدد الإستقرار والأمن والطمأنينة والسلام.
3 ـ إن حسبان (التوقيت) ميزان دقيق وحاسم في طرح الافكار والكلمات.. ومن العقل، بل ذروة العقل (مراعاة) ذلك.
ففي أي مناخ زمني طرحت مقولات"عظيم الكاثوليك"في العالم؟.. طرحت في ذات اللحظة التي شهدت الذكرى الخامسة لمصيبة 11 سبتمبر. ومن هنا كان الكلام عن الجهاد وانتشار الإسلام بالسيف وكأنه (ربط لماض اسلامي قديم بحادث إرهابي جديد أليم) !!. في حين أنه لا يوجد رابط منهجي ولا موضوعي بين الماضي والحاضر.. فما وقع في 11 سبتمبر 2001 لا علاقة له ـ قط ـ بالجهاد الحق المشروع في الاسلام. وكاذب على الله ورسوله والمؤمنين من يزعم أن الإجرام والإفساد في الارض جهاد. ولقد كتبنا في هذه القضية عشرات المقالات التي تفصل بين الجهاد والافساد.. بيد أن التوقيت غير المناسب أوحى بذلك الربط السياسي الباطل.. هذه واحدة، والثانية: انه منذ 11 سبتمبر: ازدحم الجو الفكري والاعلامي بـ (الحرب الباردة) ضد الإسلام، فبدت كلمات البابا وكأنها (جزء) من تلك الحرب، أو تأصيل رسمي لها.. ومن صور تلك الحرب الباردة:
أ ـ الطعن في إله المسلمين «!!!» وتفضيل إله المسيحيين عليه (ولقد تفوه بذلك وزير العدل الامريكي الأسبق) ..
ب ـ بسط القس الامريكي جيري فلويل لسانه بالسوء والفحش إلى نبي الاسلام صلى الله عليه وآله وسلم فقال كلمات مشابهة للكلمات التي نقلها البابا عن الامبراطور البيزنطي..
ج ـ شن رئيس الوزراء الإيطالي السابق حملة ضارية على الاسلام والمسلمين، متهمًا الدين واتباعه بالدونية والعقم والتخلف..
د ـ وقّتت مطارحات البابا مع (الاكتساح الغربي المسلح) لبلدان اسلامية، ففي افغانستان (جيوش مسيحية) ، وفي العراق (جيوش مسيحية) ، وهو وضع يمكن أن يستنتج منه أنها (حرب صليبية) كاملة: حرب عقدية في مجال الفكر والثقافة والاعلام، وحرب عسكرية بالغزو والإحتلال.. كما يمكن أن يستنتج منه: أن كلمات البابا عن الإسلام والمسلمين قد أتمت وبلورت نظرية أن (الحرب دينية) .. إن هذه الظلال والايماءات والتداعيات قد أفضى إليها (سوء توقيت) ذلك الطرح، بينما يقضي العقل بمراعاة توقيت الكلام حتى لا تكون (فتنة كونية) ها هنا.
4 ـ إن هناك ساسة غربيين معروفين قد (شوّهوا) دين عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم وذلك من خلال تسخيره واستغلاله في أغراض سياسية، وفي حروب غير أخلاقية.. ونقول: (استغلوا) دين المسيح وشوهوه وابتذلوه، أولا: لان المسيح العظيم (سلام كله) من البدء الى المنتهى: «والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيًا» كما نصت الآية 33 من سورة مريم في القرآن الكريم.. فمستحيل ـ من ثم ـ أن يأذن هذا النبي الطيب الكريم بتلك الحروب أو يقرها..
ثانيا: إن سلوك أولئك الساسة يدل على استغلال دين المسيح، فهو سلوك لا يدل على (التدين الصحيح) بدليل أنهم (يكذبون) كما يتنفسون، في حين أن من أول وأعظم الوصايا التي تنزلت على المسيح: وصية «لا تكذب» .. وليس من العقل إعانة مستغلي الديانة المسيحية ومشوهيها على هذا الاستغلال والتشويه.
5 ـ لأسباب عديدة: فقد الناس في هذا العالم (الثقة بالقيادات السياسية) التي عجزت ـ على نحو مذهل ـ عن قيادة البشرية الى الامن والاستقرار والسعادة والعدالة والسلام.. وليس من العقل: أن تجتمع على البشرية خيبتان: خيبة الثقة بالقيادات السياسية وخيبة الثقة بالقيادات الدينية.