فهرس الكتاب

الصفحة 1216 من 3028

إنها طعنة غادرة من القائمين على مثل هذه القنوات توجه للشعوب العربية بإيجاد هذه البرامج، إنها حرب على العفاف، حرب على العقيدة والأخلاق، وهدم للحياء، وحرب على المسلمين والمسلمات حينما يظهرون المراهقين والمراهقات وهم ينضمون لبرامجهم تلك، ويرقصون على ضفاف نشرات الأخبار المثقلة بهموم الاحتلال وقتل الشهداء، وترى البكاء والعويل على إخفاق أحدهم في تلك البرامج كما لو أنهم يبكون لاحتلال المسجد الأقصى وسقوط بغداد وقتل أحمد ياسين، نسأل الله السلامة والعافية وأن لا يؤاخذنا بما فعل السفهاء منا.

حرب إعلامية غير أخلاقية تشنّها هذه الفضائيات العربية على العرب والمسلمين في دينهم وأخلاقهم، تأخذ منحنى خطيرا لم يكن أشدّ المحذّرين منها ومن خطورتها يتوقّعه، فهذه القنوات تريد اختزال الإنسانية بالعري والفتون بالعلائق المحرمة. أما أهداف تلك الهجمات فلا تجد أبلغ بيانا من أنها إشاعة للفاحشة في الذين آمنوا وإباحة الباطل وتسويق الاختلاط بين الجنسين حتى يكون هو الحياة الطبيعية، وتقديم ذلك على أنه ثقافة الحاضر وجواز المرور إلى المستقبل عبر إيجاد أجيال يتخبّطها الشيطان من الجنس، أجيال حائرة هائمة على وجهها تتغذّى بفكر يهلك الحرثَ والنسل، والله لا يحب الفساد، أجيال تتناغم مع المشروع الصهيوني الصليبي لصياغة عقول شباب الأمة وحرف أخلاق المرأة.

إنما غرض مشروعهم أن يختزل الشباب حياتهم بالمتع الرخيصة، لاهين عما يراد بأمتهم من مشاريع تغريبية. غرض مشروعهم اختصار المرأة في جسدٍ كاس عار مبذول لمدمني المتَع المحرّمة والاتجاهات المغرضة، ويسمّون مشروعهم الصليبي هذا إصلاحا، قد ينبري من أزلامهم في المنطقة من يروّج له تزامُنا مع الهجمات الصليبية على المنطقة شعوبا وقادة، قاتلهم الله أنى يؤفكون.

إنها برامج من أهدافها هدم المفاهيم الشرعية الصحيحة التي تربى عليها أولادنا؛ كالحجاب والاختلاء المحرّم وغيرها، ورسالة إعلامية موجهة في إظهار المرأة متبرّجة وإلغاء الحواجز بين الجنسين في العلاقات، ويكثرون من عرضها حتى يألفها الشباب فلا يستنكرونه، بل يريدون هذا التصويت الهائل له عبر الهاتف. هكذا تنحر الفضيلة في المجتمع، وتشهَر المنكرات، ويقع فيها أولئك المساكين المغرّر بهم.

إنها برامج تزخر بها فضائياتنا، تلهي الشباب وتخدّر طاقتهم التي تستطيع بالإيمان أن تخدم قضيّتها وتعلي شأن أمتها وتقاوم الغزاة وتخرج المحتلين من المقدّسات في فلسطين والعراق. برامج تفسد الرجولة وتكرّس في عقولهم التفاهة حتى لا يناصروا قضيّة ولا يطلبوا حقّا ولا يحفظوا شرفا. برامج تجعل من نجومها المعروضين قدوات تتأثّر بها أجيالنا، فهل نجوميتهم أنهم حرّروا بلدا أم اكتشفوا دواء أو اخترعوا عِلما جديدا أم لهم ميزة بالعلم والدعوة؟! وأين أسلافنا العظام كأبي بكر وعمر وسعد وابن الزبير ونور الدين وصلاح الدين؟! أينهم في عقول وقلوب أجيالنا التي انشغلت بسير هؤلاء التافهين؟! أي ضرر عظيم لهذه البرامج المعروضة على القناة المسلمة وهي تستهزئ بحجابها وتسهل تواصلها مع الشباب وأن حياءها الذي يعزّها إنما هو عقدة نفسية وتخفّف من رهبة ذلك المنكر في نفسها لتتخذ من رسائل الجوال وأحاديث الإنترنت متنفّسا لها في مثل هذه المحرمات؟! وبعض الآباء الغافلين لاهون عن بناتهم بعد أن وفّروا لهم أجهزة في غرفهم، نسأل الله أن يحفظ نساءنا من عوادي الغفلة ومكر السوء.

أيها الإخوة المسلمون، إن حديثنا هذا ليس بمبالغة أو تهويل، فإن مما يدمي القلب سقوط كثير من الشباب أمام تلك الإغراءات والشهوات التي لا يقرها شرع ولا تتماشى مع خلق، وهذا التنافس البائس المحموم بين هذه القنوات العربية في إيجاد هذه البرامج التي كما أنها تعكس أخلاق منتجيها ومروّجيها فإنها تعكس أيضا جمهورا صنعَه إعلام فعلي ينفق سحابة يومه على متابعتها، فيظهر بؤسه المعنويّ وفقره القيَميّ، وهكذا ضعُف الطالب والمطلوب، فأيّ خيانة لأمتهم من أصحاب هذه القنوات حين يكون هدفهم المادي هو المقدّم وهم الذين يستطيعون بأعمالهم الأخرى جني الأرباح الطائلة بدلا من ترويج هذا الفساد أم أنهم أشبهوا اليهود والنصارى الذين يعبدون المال ويتاجرون في المحرمات دون اهتمام بالمتضرّرين ولو كانوا من أهلهم؟! في التقليد الأعمى الذي أخبر عنه رسول الله صلوات الله وسلامه عليه من التشبه بأهل الكتاب ولو تركوا بيوتهم العامرة ودخلوا جحر ضبّ لدخلوه وراءهم، بل قال عليه الصلاة والسلام كما في رواية الحاكم وأبي داود: (( حتى لو أن أحد جامع امرأته بالطريق لفعلتموه ) )وصدق رسول الله .

ألا يتّقون الله ببذل أموالهم في هذا الفساد والتخريب والتغريب؟! ألا يتقون الله وهم أصبحوا أداة بيد الصهاينة والصليبيين لإفساد الأمة قصدوا ذلك أم لم يشعروا به؟! ألا يتقون الله وهم يرون حاجة الأمة إلى إعلامٍ هادف يوضّح الحقائق ويدافع عن المقدسات ويكشف الشبهات ويبني الأمة لا يهدمها؟! ثم ألا يتقون الله ببذل أموالهم هذه وهم يرون وصف الله لإنفاق الكافرين على مثل ذلك: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ [الأنفال:36] ؟!

إننا حين نتحدث عن فساد عريض في تلك القنوات فمن العدل عدم تعميم ذلك، فهناك قنوات تحترم عقول مشاهديها وتلتزم بالضوابط الشرعية، لكنها نادرة نادرة أمام هذا الفساد الفاجر، وكما هي بحاجة إلى التطوير فهي بحاجة للدعم والمساندة.

أيها الإخوة المؤمنون، فبالرغم من جماهير المغشوشين والغافلين الذين ابتلوا بمتابعة مثل هذه المنكرات فإن مما يسرّ أن ترى فئاما من الناس ممن لديهم الغيرة والدين ينكرون مثل هذه البرامج والقنوات وتشمئز منها نفوسهم، لكن ذلك لا يكفي. نعم إخوتي، لا يكفي، فإن المطلوب كما أننا نستنكرها في نفوسنا أن ننكرها أمام من هم حولنا في بيوتنا وأصدقائنا وسائر مجتمعاتنا، لا بد أن نشدّ على أيدي المسؤولين لمنع مثل هذه الممارسات والأخذ على يد المشاركين بها والداعمين لها ومحاكمتهم وهم يشهدون منكراتهم في مخالفةٍ للدين واضحة ومجاهرة بالمنكر فاضحة. كذلك لا بد من الوعي بهذه الظواهر المؤلمة وما بينّاه من نتائج خطيرة على جيل المستقبل بدلا من الغفلة أو الثقة الزائدة عن حدّها لدى بعض الآباء. كما أننا إنكارا لمثل هذه المحرمات نقاطع من تميز بها والشركات الراعية والمموّلة مقاطعةً اقتصادية. نتواصى عليها ونحاربهم بها كما حاربونا في أخلاقنا وديننا، ونحذّر من التأجير المحرّم للمحلات التي تبيع أجهزة هذه المنكرات. ثم لا بد من دعواتٍ صادقة نلجأ بها إلى الله ليكفينا شرّ فتن هؤلاء، وأن يرزقنا ما يقوينا من الإيمان، وأن يجنبنا الكفر والفسوق والعصيان، وأن يشغل هؤلاء بأنفسهم عن المسلمين، وإن لم يرد بهم صلاحا وهداية أن يزيدَهم خسرانا في الدنيا وعذابا في الآخرة.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ [البروج:10] .

أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم.

الخطبة الثانية

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.

أما بعد: فاتقوا الله حق التقوى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت