فهرس الكتاب

الصفحة 2477 من 3028

وبذلك يمكن أن نفهم الهجوم العنيف علي تعيين الخرطوم عاصمة للثقافة العربية للعام 2005م، ونفهم السكوت المريب علي جعل التعليم في الجبال النوبة باللغة الإنجليزية.. وهذه الحقيقة قد شهد بها الأستاذ جمال محمد أحمد قبل د.حمودة بأكثر من ثلاثين عامًا يقول: (ولن أعجب إن أضافت دول الغرب جهدًا جديدًا لجهدها القديم؛ تُباعد بين العرب والإفريقيين، وتشيع كل مشقة، هنا وهناك.. وأوروبا بشقيها الغربي والشرقي والولايات المتحدة القادمة من جديد تحاذر اللقاء العربي الإفريقي وتخافه) .. في كلام نفيس طويل قهرت نفسي علي اختصاره من كتابه اللطيف (عرب وأفارقة) يجدر الرجوع إليه.. وجمال محمد أحمد -- الذي يصلي فقط صلاة روحية فكرية تأملية كما وصف هو نفسه صلاته -- لا يمكن حسابه - أي الأستاذ جمال، وبلا شك - من الأصوليين الجدد ولا إسلاميًا متشددًا.

إن إدخال الإنجليزية لغة للتعليم في جبال النوبة والجنوب تحت غبار سنابك الغارة على الثقافة الإسلامية العربية هدف تنصيري قديم.. يقول (مسيو شاتليه) - رئيس تحرير مجلة العالم الإسلامي الفرنسية الاستشراقية-: (لاشك في أن إرساليات التبشير من بروتستنتية وكاثوليكية تعجز عن أن تزحزح العقيدة الإسلامية من نفوس منتحليها، ولا يتم لها ذلك إلا ببث الأفكار التي تتسرب مع اللغات الأوربية، وبنشرها اللغات الأوربية كالإنجليزية والفرنسية والهولندية والألمانية.. يتحكم الإسلام بصحف أوروبا، وتمتهد السبل أمام تقدم إسلامي مادي، وتقضي إرساليات التبشير لبناتها من هدم الفكرة الدينية الإسلامية) . ومثله يقول المستشرق لامانس (التجريد من العربية هو التجريد من الإسلامية) .

إن المهاجمين للثقافة العربية الإسلامية في السودان - الثقافة المركزية فيه - إنما هم بِعِدائهم هذا يمثلون معاول الهدم والتفتيت لهذا البلد الكريم؛ لأنه لو قدر نجاح لهجومهم هذا وقضى على هذه المركزية فإن السودان مقبل على الانقسام إلي وحدات ثقافية، مستقلة، مختلفة، منفصلة بسبب عدم وجود مركزية ومرجعية كلية مشتركة، وتصبح كل وحدة مرجعية ذاتها، لتتسم الحالة الثقافية بالتفتت والانقطاع والفوضي!.

ثم هو إسهام ضخم ومدمر في إنفاذ الإستراتيجية الأمنية الصهيونية، وهي استراتيجية معلنة منذ العام 1948م، وهي تقوم علي تفتيت المنطقة.. بإثارة الأقليات الدينية والعرقية والثقافية، كما أعلن ذلك (بن غوريون) عقب قيام الدويلة اليهودية - إحتلالًا - في المنطقة، وكذلك هي وصاة (برنارد لويس) المستشرق الصهيوني الأمريكي في قوله: (الناظر أول وهلة للمنطقة العربية يظنها نسيجًا موحدًا.. لكنها في الحقيقة تعج بالمتناقضات الدينية والثقافية، وأمن إسرائيل مرتبط بأن تتمزق هذه الكتلة إلي أجزاء صغيرة؛ ليكفل ذلك التفوق لإسرائيل) ، وتكفَّل شارون عام 1982م بتحديد ميدان المعركة ومنتهي التفتيت: (إن أمن الدولة اليهودية يمتد إلي حدود إفريقيا الوسطي) أي حدود السودان الغربية.. حدود دارفور!.

ولهذا كله ومع هذا كله نقول مطمئنين: إن هذه الغارة علي ضخامتها إلا أنها أفرزت الصفوف، وميزتها، وأخرجت مواكب الوعاة على اختلاف مدارسها الفكرية يتدافعون، ويردون سهام الرماة إلى أعناقها، وتراص في ذلك الموكب د.خالد المبارك، ود.محمد ابراهيم الشوش، ود.الطيب زين العابدين، والأستاذ محمد عبدالله الغبشاوي، دونما تنسيق أو ترتيب يدافعون.. وعلى أقدامهم مع مفكرين آخرين ستنكسر نصال هذه الغارة غير المباركة إنشاء الله.. ونقول بيقين وجزم: إن الجيل الأول - جيل الاستقلال - كان أعمق نظرًا وأصدق انتماءًا من هذا الجيل الحاضر، فقد تركوا لنا في وثائقهم ومذكراتهم وكتاباتهم ما ينادي بنا - إن أردنا استقلالًا كاملًا كريمًا ومكانًا بين الأمم - إلى أن نوجه الحركة الفكرية في السودان هذه الوجهة الإسلامية العربية، مع حفظ حق الآخرين في حمل ثقافتهم الخاصة والتعبير عنها في ظل تلك الثقافة المركزية التي تمثل النسيج العام لهذه الأمة السودانية.

وكذلك تصل بنا إلى يقين أن الحالة الفكرية والثقافية في السودان تحتاج إلى مراجعة جذرية كلية، ونقد شجاع لأسماء وأقلام تسيدت الساحة، وملأتها غثاءًا، وأصبحت لا تنتج لنا إلا مثقفًا شائه الفكر والموقف والانتماء، كافرًا بتاريخه، متشككًا في حاضره، جاهلًا بمستقبله.. وبجملة واحدة (مثقفا جاء من التيه، ويعيش في التيه، وذاهبا إلى التيه) .

المراجع:

أبو الحسن الندوي: العربية والإسلام.

جمال محمد أحمد: عرب وأفارقة.

مجلة دراسات إفريقية العدد19.

د. عبد العزيز حمودة: الخروج من التيه.

مجلة الغارة على العالم الإسلامي.

السودانيون في"إسرائيل"كيف ولماذا؟

وليد الطيب*

قبل أن تنقل وكالات الأنباء كلمة وزير الداخلية السودانية الزبير بشير بحق المتسللين السودانيين للكيان الصهيوني، بادرت صحيفة"معاريف"الصهيونية بالإساءة للوزير السوداني ووصفه"بالوقاحة"التي لا تعرف الحدود. ولكن ما هي الكلمات التي تحتمل كل هذا الوصف ولماذا القسوة الصهيونية على الوزير السوداني ؟

اخسأ يا عدو الله

وليد الطيب*

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت