لم يزد البروفيسير طه على القول بأن وزارته بالتنسيق مع القاهرة ،بدأت بدراسة ظاهرة هجرة السودانيين إلى إسرائيل وإجراء عمليات مسح لتحديد هوياتهم وأعمالهم وتوزيعاتهم النوعية ودوافع بقائهم في مصر لفترات طويلة قبل العبور منها إلى إسرائيل، وقال إن نتائج الدراسة الأولية التي أشارت إلى أن 40 % من اللاجئين السودانيين إلى إسرائيل من جنوب البلاد، و35 % من دارفور و25 % من منطقة جبال النوبة، وجزم الوزير السوداني أن"إسرائيل"عملت عبر"شركات تعمل في تجارة الأشخاص ضلعت في صناعة الحروب حتى تجبر قطاعات واسعة من السكان على الهجرة من بلادهم ليكونوا فريسة رخيصة لمن يستثمرها"والمستثمر في حالة المتسللين السودانيين هي"إسرائيل"، لافتًا إلى أنه"على علم بأن أموالًا دفعت للإساءة إلى سمعة البلاد- السودان"عبر تشجيع ثلاثة آلاف سوداني للجؤوا إليها تسللًا عبر الأراضي المصرية في محاولة لتسويق مشكلة دارفور إعلاميًا ، اعتبارها الكارثة السودانية الأسوأ في العالم كما أدمن القول كوفي عنان الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي عنان. وكذلك في محاولة صهيونية لإحداث مقاربة بين نموذج دارفور البائس والنموذج المقاوم الفلسطيني، بالربط بين المجرم والضحية ، والمجرم في الحالة الفلسطينية هو العربي الذي يتحلى عنقه بالكوفية الفلسطينية العربية وينطق بلسان عربي مبين والضحية هو الصهيوني الذي تمزقه أشلاء الإستشهاديين المتناثرة، والمجرم في دارفور هو العربي الذي يمتطي كالجن جواده ويحمل بيمينه بندقية"الجيم ثري" ( G3 ) ومن هذه الكلمات الثلاث التي تبدأ بالجيم: ( الجواد الجن ..والجيم ثري) اشتقوا اسم"الجنجويد"الذي احتل مكانه بسرعة في قاموس اللغات العالمية، والضحية في حالة دارفور هم القبائل الأفريقية"الزرقة"، فالعربي في كل مكان هو القاتل المفترس والمنتهك لحقوق الإنسان والذي يمارس الإبادة الجماعية على نطاق واسع، في السودان وفي فلسطين. ولهذا لم يكن غريبًا أن أن تصبح زيارة"متحف الهولوكوست"بإسرائيل برنامجًا ثابتًا للمتسللين الدارفوريين إلى إسرائيل، لصناعة ما يصفه الوزير السوداني أستاذ علم النفس بجامعة الخرطوم بـ"خلق ميلودراما". وهذه المحاولة لا تخفيها إسرائيل فعندما أراد سفير إسرائيل في الأمم المتحدة الدفاع عن جدار الفاصل العنصري في الضفة الغربية بدأ حديثه عن دارفور، وما يفعله العرب في دارفور.
كيف تسلل هؤلاء؟
لولا الرغبة اليهودية في قدوم المتسللين السودانيين إليها ما تمكن أحد منهم في الوصول، في الوقت الذي ينتظر فيه الآلاف من أبناء الشعب الفلسطيني سكان الديار الأصليين لأسابيع أمام معبر رفح ، أما التمنع الصهيوني الرافض لفتح المعبر، وكذلك لولا غض الطرف من أطراف أخرى ما تمكن هؤلاء من العبور عبر منطقة صحراوية مكشوفة تفصل بين مبتغاهم ومحل إقامتهم الأول، بالإضافة إلى أن هذه المنطقة هي شريط طويل يفصل بين دول المواجهة كما تسمى ودولة العدو ، ولكلمة"المواجهة"ألف معني ومعني عسكري. ومن الغريب أن يتم هذا التسلل والقبضة العسكرية الإسرائيلية على الحدود على أشدها بعد سيطرة حماس على قطاع غزة وفرض سيطرتها العسكرية عليه وتهديدها المستمر بفتح معبر رفح إذا لم يسمح للمساعدات الإنسانية والحياة الإنسانية أن تنساب بصورة طبيعية، وهذا الظرف من الطبيعي أن يقابل من عدو حماس التقليدي بمزيد من الإستعدادات العسكرية والأمنية ليس على قطاع غزة فحسب بل في الضفة الغربية كذلك، وتسلل هؤلاء إنما تمَّ لأمر يُراد!
بالإضافة للأهداف السابقة فإن دولة الكيان تبذل محاولات المستميتة في تجميل وجهها القبيح، وسمعتها الشائنة عالميًا وخاصة بعد تزايد ظاهرة الهجرة العكسية منها إلى أوروبا والأمريكيتين ، فعبر هؤلاء الفارين إليها يمكن لإسرائيل أن تجمل وجهها كدولة مرغوبة فيها الهجرة عند الشعوب الأخرى، لتلوح بهذا الكرت لليهود الذي مازالوا يترددون في اتخاذ قرار الهجرة لإسرائيل، وكذلك ليظهر إسرائيل دول ذات سجل حسن في حقوق الإنسان، بالإضافة لتدعيم حملتها على السودان، وهي حملة تشارك فيها عشرات الجمعيات اليهودية في جميع أنحاء العالم وتقود المظاهرات وتجمع التبرعات باسم انقاذ ضحايا دارفور يقول الدكتور مصطفي عثمان إسماعيل وزير الخارجية السوداني السابق"إن إسرائيل نشطت مؤخرا للدخول في قضية دارفور من عدة جوانب؛ سواء كان من خلال تواجدها النشط في إريتريا، أو من خلال نشاطات بعثاتها في المناطق التي التهبت مؤخرا.. وأنا متأكد أن الأيام القادمة ستكشف عن كثير من اتصالات إسرائيلية مع المتمردين؛ وليس أدلَّ على ذلك من أن سفير إسرائيل في الأمم المتحدة عندما تحدث عن الجدار الفاصل في الضفة الغربية بدأ حديثه عن دارفور، وما يفعله العرب في دارفور، إضافة إلى تحرك الجاليات اليهودية، وإثارة الأقاويل عن أحاديث دارفور"
وتسعى إسرائيل كذلك من قدوم المتسللين - برأي العميد (م) بجهاز الأمن السوداني حسن بيومي - أن يحتضن الموساد بعض هؤلاء المهاجرين؛ ويؤهلهم بالمجان؛ ويوظفهم عنده؛ ثم يرسلهم إلينا أو إلى الدول العربية مرة أخرى للعمل لحسابه"وأضاف"إن الخطر الأكبر يكمن في أن كثيرًا من ضباط الأمن السابقين ممن ساءت أوضاعهم المعيشية؛ يرغبون في الهجرة .. ويمكن أن يمثلوا كارثة على البلاد إذا لم تلتفت إليهم الدولة؛ نتيجة المعلومات والخبرات التي يمتلكونها؛ خصوصا وهم ما يزالوا بعد في مرحلة عمرية تمكنهم من العطاء".. ورأى العميد بيومي أن معلومة وضعهم- أي المتسللين- في السجون الإسرائيلية مجرد غطاء للتمويه وقد لا يعرف الناس حقيقة ما ستفعله إسرائيل مع هؤلاء المهاجرين إليها."
هل يفسر ما يراه الخبير الأمني السوداني غضبة"معاريف"على الوزيرالسوداني الذي توعد هؤلاء المتسللين باتخاذ إجراءات عقابية ضدهم في حال عودتهم إلى البلاد ؟ وهل يفسر ما ذهب إليه بيومي ما نقلته الصحف من اتفاق أعلنه مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت على إعادة المتسللين إلى مصر، «باستثناء مجموعة صغيرة من لاجئي دارفور» تعهدت الدولة العبرية مساعدتهم. وهل هذه المجموعة هي التي وقع عليها اختيار الموساد؟
وما هي الصلة بين هجرة هؤلاء اللاَّجئين - وبعضهم كان لاجئا بمصر - مع الدور الإسرائيلي في أحداث دار فور؟ وما صلة الدور الإسراائيلي في دارفور والمتسللين هؤلاء وما أعلنه الرئيس السوداني في نيويورك من أن جهات قد عرضت عليه حل مشكلة دارفور مقابل التطبيع مع إسرائيل؟ وما هي العلاقة بين هذا وذاك وبين ما تناقلته وسائل الإعلام عن مخطط لتقسيم السودان - إذا تعذر وجوده موحدا خادما للأجندة الأمريكية - لثلاث دول منها دولة في دارفور تحت الإشراف الإسرائيلي؛ خاصة وأن كثيرًا من هؤلاء اللاَّجئين من ذلك الإقليم؟!.
"والله يكضب - يكذب- الشينة"كما يقول المثل السوداني.