فقد ندب إليّ بعض الإخوان، أن أُساهم في هذا المنتدى، بورقات، تلم أطرف ما تناثر من"ضوابط السلام في شريعة الإسلام"، فأجبتهم إلى طلبتهم، وكلّي في مثل هذا الخِضَمّ ضعف زادٍ، وفقد مدادٍ، ثمّ إنّي على يقين أن صفحات معدودات لا تفي؛ إحاطة بجوانب هذا الموضوع الخطير المتفجّر ولا تكفي، خاصّة ونحن على نزر من علمٍ بما بذَله الأعداء من اليهود والنصارى وأشياعهم من بني جلدتنا، من جهد عظيمٍ مضن، ومكر ملتوٍ في وقت مديدٍ مفنٍ، للتوصل إلى إقناع المسلمين الحاضرين بثقافة"السلام"الموهوم مع اليهود، بل وليتجرّع نقيع هذا السمّ الأبناء القادمون جيلًا إثر جيل.
ورغم أن غضب انتفاضة رجب، كانت قد آذنت بصرم هذه الأكذوبة، ووأد تلك الألعوبة، عقب طول اللهث في بيداء مفاوضات الحلّ النهائي، وتهللت أسارير أبناء الأمّة، بدفن هذه الجيفة، ومواراتها في مزبلة التاريخ بلا رجعة. إلاّ أنّ التصريحات الأخيرة المُنكرة، والتي انبعث صداها من أروقة الجامعة العربية، داعية إلى ولوج نفق مظلم آخر، وتسويق مشروع سلام جديد آثم، قد أذكرت الجميع برائحة تلك الجيفة التي ولَّت حذاءً وأوشكت أن تكون في طي النسيان.
وفي ذات الوقت أظهرت بجلاء ما تعانيه أُمّتنا من الفصام النَّكِد، والفارق البعيد بين إرادة الشعوب وآمالها، ومرامي وأهداف النُّخب الحاكمة. إنّها مباينة تامّة، ومناقضة كليّة يحار منها كلّ مراقب. لقد دمّرت هذه الأنظمة شيم الأخلاق السامية شموخًا، والثابتة رسوخًا، والمنبسطة ذيوعًا بين سائر المسلمين رجالًا ونساءً، صغارًا وكبارًا، حتى شيمَ النخوة العربية، فبلغ الحال سوءًا إلى الحدِّ الذي أغرى كتّابًا أمريكيين إلى القول مؤخّرًا:"إنّ اعتبار غَضْبَة الشعوب العربية أمر لا قيمة له".
وا أسفًا، لقد تقرّحت أكباد الغيورين كمدًا مما يجري في الأرض المباركة، في فلسطين كلّ يوم مناظر مفزعة متتابعة، تعجز الأبصار عن ملاحقتها، وعربدةٌ صهيونيّة غادرة تُذهِل كُلّ ذي حجى خسّتها. شهيد تلو شهيد، وأرملة تلو أخرى، ورضيع خلف أمّ، وأمّ خلف رضيع، ومنزلٌ مُهَدَّم، وشيخٌ حزين، وعجوز بائسة! مشاهد حَفَرت معالمها في ثنايا التاريخ، بل في حنايا قلب كلّ مسلم، ملاحم تسطّرها أشلاء الرّجال، بألوان الدم القاني، وجماجم الشهداء، والجميع يراقب ويتفرّج:
بغيُ الطّغاة وذلٌ من ذوي الرحِمٍ =أحلّ سفك دمي في الأشهر الحُرُمِ
يا نادب الحظّ أقصر والتمس عِوَضًا =إنّ الأماني طوع السيف والقلمِ
لولا العزائم ما سادت بها أمم =بالعزّ ترفل لا بالعجز والسّقمِ
الله أكبر ما كانت لذي وهن =ولا تأتت لذي خورٍ وذي صمم
يهتزّ منها طغاة الأرض إن برقت =فوق السيوف بأيدٍ حرّة وفمِ
عذرًا إليكَ صلاح الدين في رهطٍ =ولّو تولّوك وانتسبوا لمعتصمِ
لقد بات الوقوف على فقه السلام والموادعة وضوابطه في الشريعة الغرّاء ضروريًا. لكثرة الوالغين فيه ختلًا وخداعًا، ولجرأة لصوص الألفاظ الشرعية على التلبيس بها في المُلمّات ظلمًا وعدوانًا، ووجد الزعماء من ساسة (السلم) الخانع، أنفسهم مضطرين أن يلتمسوا في كلّ حين سوائم من ذوي الجبب والعمائم، يروجون بهم فواجع الذلّة والاستسلام، كما يسيغون بحلاوة ليِّ ألسنتهم مرارة الزور وبائقات الباطل والبهتان، فبعد أن كانوا بالأمس يعُدون معاهدات السلام مع دولة اليهود دناءة وخيانة، وذلّة للمسلمين ومهانة، ذهب بعضهم ممن لا حياء عنده يقول بجواز تلك المعاهدات التي كانت في أمس الدابر القريب حرامًا وذنبًا عظيمًا، ولا يقنع بذلك حتى يضرب على ما يقوم به المجاهدون الباذلون لأرواحهم في سبيل الله بالحكم عليهم تجريمًا وتأثيمًا، ليتضاحك اليهود علينا بملء أفواههم!! أما درى هؤلاء الجاسرون من المنتسبين إلى العلم، أنهم قد أغروا الناس سخرية بذواتهم؟، وشهدوا على أنفسهم بما قالوا أنهم من أجهل البشر، لأنّ كل أحد من عامة الناس -ولو كان غلامًا سوقيًا، أو عجوزًا أُميًّا- أهل لأن يقال عنه إن لديه من الدراية والعلم ما ليس عندهم. فياله من نطق بباطل كان الصمت للعيِّ في موضعه خيرًا لهم وأَستَر عليهم.
نعم لقد صارت الحاجة ماسّة إلى تجلية مفهوم"السلام"بيد أني بين يدي هذه الورقات قبل الحديث عن السلام أمهِّد بجملة من المقدّمات:
المقدمة الأولى: كان من الأساس الطبيعي دينًا وشرعًا، أن يكون الحديث عن فقه السلام والمُصالحة بين يدي فقه الجهاد والقتال في سبيل الله، أي أن يكون إزاء واقع يبدو فيه عَلَم الجهاد عاليًا مرفوعًا، يتناسب مع تسنّمه ذروة سنام شعائر الإسلام، لأن"السلم"حالة استثنائية تعرض للمسلمين في طريقهم وهم قائمون بفريضة الجهاد دفعًا وطلبًا، وماضون في سبيل التمكين لدين الله المرضي في كل الأرض شرقًا وغربًا، فالسلام في ذاته ليس غاية (استراتيجية) يسعى المسلمون لتحقيقها مع الكفّار، وذلك لأنّ مهمة المسلم في الحياة بعد تبصّر الحق والسير في طريق الهدى، أن يلتفت إلى التائهين من الناس من حوله، يمضي إليهم ليخرجهم من ظلمات الجهل والشرك، إلى ضياء الحقّ، ونور الإيمان. والأحكام النهائية التي تنتهي إليها حركة الجهاد الإسلامي، تصل بالنّاس في نهاية المطاف إلى ثلاثة أصناف: إمّا محاربين يحاربون، وإمّا مسلمين يدينون بدين الحق والإسلام، وإمّا أهل ذمة يعطون الجزية وهم على عهدهم ما استقاموا، وماعدا هذه الثلاثة هي حالات واقعة يسعى الإسلام إلى تغييرها حتى تنتهي إلى هذه الأوضاع الثلاثة التي تمثل العلاقات النهائية. يقول العلامة ابن القيم -رحمه الله-:"فاستقر أمر الكفّار معه بعد نزول براءة على ثلاثة أقسام: محاربين له، وأهل عهد، وأهل ذمّة، ثم آلت حال أهل العهد والصلح إلى الإسلام، فصاروا معه قسمين: محارب له، وأهل ذمّة، والمحاربون له خائفون منه، فصار أهل الأرض معه ثلاثة أقسام: مسلم مؤمن به، ومسالم له آمن، وخائف محارب".