وهذا بخلاف الواقع المفروض على الأمّة اليوم من قِبَل الأعداء وأذنابهم، حيث السلام المزعوم هو المُقدّم رتبة على القتال والجهاد في سبيل الله، مع أنّ ثمّة إجماعًا بين أهل العلم قديمًا، على أنّ القتال هو أداة الدولة الإسلامية الحركية لتحطيم القوى التي تقف في وجه بسط الإسلام على العالم، فالعلاقة بين دار الإسلام والعالم هي علاقة قتالية تتقدّمها الدعوة. ولكن من المعاصرين من عَكَس الأمر بسبب التأثر بالأفكار الحديثة عن العلاقات الدولية، فرأَوْا أنّ السلم هو أساس علاقة الدولة الإسلامية (دار الإسلام) بالعالم، وعلماؤنا الأسبقون اعتبروا الجانب القتالي مُقَدّمًا على الأحكام المرحلية التي أجازت السلم مطلقًا؛ بينما رأى بعض المعاصرين أن أحكام السلم محكمة وتمسّكوا بها وأسسوا علاقة العالم الإسلامي (دار الإسلام) بالآخرين على أنّها علاقة دعوة فقط، وهذا مع الأسف نصف الحقيقة، لأن الدولة الإسلامية الحق دولة دعوة وجهاد، وبهما معًا قوام الدين كله كما قال تعالى: (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس) . فمنهج الحق لا يثبت في الأرض إلاّ بالكتاب الهادي دعوة وهداية والسيف الناصر جهادًا ونكاية، وهذا ليس تسلُّطًا على مصائر البشر للإفساد كما يحلو للأعداء وأذنابهم أن يصوروه، وإنما ذلك لصلاحهم في دنياهم وآخرتهم. إن الجهاد تحتاج إليه الدولة الإسلامية الراشدة، كما يحتاج الطبيب إلى استئصال بعض ما فسد من الجسم، إبقاءً على سلامة الجسد كله من العطب والفساد، وكذلك المجاهدون يستأصلون القوة الفاسدة التي تقف في وجه الحق، وتمنع الدعوة والدعاة من أن يبلّغوا الناس دين الله الهادي إلى سواء الصراط.
المقدمة الثانية: إنّ مفهوم"السلام"من الألفاظ الشرعية القرآنية، فالواجب المحتوم علينا ما دمنا بالقرآن العظيم مؤمنين، ولمعاني مبانيه وحدوده مذعنين، أن نُسلِّم لما دلّت عليه من الأحكام دون العبث بها، أو إخضاعها لأهوائنا، ناهيك بأن تكون الكلمة ودلالتها نهَبًا لمعايير الكافرين، إنّ تصور كثير من أبناء المسلمين لأبعاد السلام ومنطلقاته نابع من المعيار الذي وضعه اليهود والنصارى، أي أعداؤنا أنفسهم. ومن عجب أنهم صاغوا لضبط علاقتنا بهم عبر المحافل الدولية التي يهيمنون عليها قسرًا وقهرًا، معيارًا للسلام له مكيالان: لنا أوكسه وأخسره، ولمن يعادينا -أيًّا كان- أرجحه وأربحه، وكم اصطلينا بنار هذا المصطلح الغربي، في كل جولة مفاوضات يكون فيها المسلمون طرفًا خصمًا برعاية المنظمات الدولية، ومع ذلك فإن ساستنا ما طاوعتهم أنفسهم أن يراجعوا هذا المفهوم، ويعودوا به إلى أصله الشرعي الذي يحفظ للأمّة مصالحها. ولكن أنى لهم ذلك ومبادئهم"كسحابة الصيف وإلمامة الطيف"يمرون على رزايا الأمّة"مرّ السحاب"دون أن يرفّ لهم جفن، ودلائل إخلاصهم لدينهم وأمتهم أبعد من مناط الثريا. وقد أتاح هذا لأعدائنا التمويه علينا دومًا بطريقة متقنة تمكّنهم من انتهاج المناهج المتعددة، مستفيدين في كل حين من تغير المناخ السياسي كاستفادة الحرباء من تنوع الألوان المحيطة بها.
المقدمة الثالثة: ما دام الحديث عن"السلام"من حيث وجهته الأساسية هي:"ضوابطه الشرعية، وشرائطه المرعيّة"، فإنه يجدر التنبيه إلى أنّ الضابط والشرط من صميم الحد، ولذلك أحيانًا ما يُعرب عنه في سياق التعريف فيذكر بالنص، وإلاّ لزم التنبيه عليه في مقدمة البيان عن الشيء المشروط، وذلك لتوقّف وقوع المشروط -كونًا وقَدَرًا، أو شرعًا ودينًا- على استصحاب الشرط وحصوله، ولذلك من الخطورة بمكان أن نجازف بوضع الشرط، دون أن ينتصب دليل شرعي معتبر على وجوده وقيامه، لما في ذلك من التعسير والإجحاف، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما بال أناس يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله، من اشترط شرطًا ليس في كتاب الله فليس له، وإن شرط مائة شرطٍ، شرط الله أحقّ وأوثق) [رواه البخاري ومسلم] ، وفي لفظ للبخاري: (ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط، قضاء الله أحقّ، وشرط الله أوثق...) .
وفي المقابل أيضًا إذا تقرر شرط بدليل الشرع نصًّا، أو أظهره مؤهل له إلمام بالشريعة، ومن سياق الأدلة -بأي مسلك معتبر من مسالك النظر والاستنباط لدى العلماء- فلا يجوز بعد ذلك إهمال الشرط، أو تجريد المصطلح الشرعي منه، بحيث يحاول بعض الجافين التوصل إلى المشروط خاليًا من ضابطه وشرطه لإيقاعه اعتسافًا؛ ذلك أنّ انعدام الشرط الصحيح لازمه عدم وقوع المشروط صحيحًا.
معاهدات السلام في أدلّة الوحي:
قد رأيت توطئة لكلام أهل العلم في تعريف"السلم"، وتأصيلًا لمسائله ولبيان صحة ما توصلوا إليه من الضوابط. أن نصل إلى ذلك المبتغى بسير حميد؛ من خلال النظر في الأدلّة الواردة في الكتاب والسنّة، وإلقاء بعض الضوء عليها، لما يكتنف بعضها من إشكالات تفسيرية، أوردها من أوردها من العلماء، فإذا انجلى لنا الفهم الصحيح في كلّ منها؛ يسر ذلك علينا دراسة الضوابط المستنبطة من أدلّة السلام مع الأعداء.
نصوص القرآن الكريم:
وردت معاهدات السلام في كتاب الله العزيز في مواطن، وذلك عند حديث القرآن عن العلاقات بين المسلمين والكافرين، هذا وإن كنّا في البداية سنتناول هذه الآيات موضعًا موضعًا، إلاّ أن النظرة الأصولية الفقهيّة تحتّم علينا تناولها مع أدلّة السنة النبوية كوحدة موضوعية متكاملة، وهذا مهم لتصوّر الأحكام الشرعية الغائبة التي تَضبط بناءَ هذه العلاقات.
أولًا: آية الأنفال: وهي أصرحها في بيان حكم مشروعيّة"السلام"مع الأعداء، يقول الله تعالى: (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكّل على الله إنّه هو السميع العليم) .الأنفال/61
من الخطأ الفادح أن نروم إدراك تأويل آية منتزعة من سياقها، أو معزولة عن سائر ما يتعلّق بها لأنّ عواقب هذا المسلك في كثير من الأحيان، وقوع خطأ في الفهم، أو قصور في التأويل، وغالبًا ما يؤثر ذلك مآلًا، في تحديد نوع الحكم الشرعي وتقديره. وحين أغفل بعضهم هذه القاعدة المهمّة، في تفسير هذه الآية، ظنّ أنّ السلام والجنوح إليه هي الحالة الطبيعية التي تستقر عليها علاقة المسلمين بغيرهم.
إن آية السلام جاءت في سياق الحديث عن الإعداد للجهاد، والاستعداد بكلّ عتاد ممكن لقتال أهل الشرك والعناد، قال تعالى في الآية التي سبقت آية السلم: (وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوّة ومن رباط الخيل ترهبون به عدوّ الله وعدوّكم) ، وهكذا يُحْدِثُ الإعدادُ بكلّ قوّة، فِعلَه في قلوب الكافرين، إرهابًا يزعزع أفئدتهم، وتخويفًا ورعبًا يزلزل الأرض من تحتهم كما قال صلى الله عليه وسلم: (نُصِرْتُ بالرعب مسيرة شهر) ، وكما قال حين فرّ اليهود أمامه في خيبر قائلين:"محمد والخميس"، قال: (الله أكبر خربت خيبر، إنّا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين) ، فعند ذلك ومع المضي في القتال، والكفِّ من بأس الكافرين. يفتّ صمود المسلمين في عضد الأعداء، فيجنح من يجنح منهم إلى المسالمة والمصالحة والمهادنة، (فاجنح لها) ، أي فمل إليها واقبل ذلك منهم.
ذلكم سياق الآية، وأما ما بعدها، فهو التحريض الصريح على ذات النسق الأول في تأكيد أمر الجهاد والقتال، فيقول تعالى: (يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين. يا أيها النبي حرّض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين) الآية.