فهرس الكتاب

الصفحة 2730 من 3028

إذن الآيات موضوعها العام هو الجهاد وقتال المسلمين لكل كفور، سباقًا وسياقًا. وأمَّا المسالمة والموادعة فإنما هي حالة تخص حكم قوم من أهل لكفر، مالوا إلى المصالحة. بل إنّ من السلف كابن عبّاس ومجاهد وزيد بن أسلم وعطاء الخراساني وعكرمة والحسن وقتادة قالوا: إنّ هذه الآية منسوخة بآية السيف في براءة (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر) ، ولكن هذا فيه نظر كما قال الطبري رحمه الله:"لا دلالة عليه من كتاب ولا سنّة ولا فطرة عقل، وقد دللنا في غير موضع من كتابنا هذا وغيره على أنّ الناسخ لا يكون إلاّ ما نفى حكم المنسوخ من كلّ وجه، فأمّا ما كان بخلاف ذلك فغير كائن ناسخًا، وقول الله في براءة: (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) [سورة التوبة: 5] ، غير نافٍ حكمه حكم قوله: (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها) ، لأنّ قوله: (وإن جنحوا للسلم) إنمّا عُنِيَ به بنو قريظة، وكانوا يهودًا أهل كتاب، وقد أذن الله جلّ ثناؤه للمؤمنين بصلح أهل الكتاب ومتاركتهم الحرب على أخذ الجزية منهم .."

أما قوله: (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) [سورة التوبة: 5] فإنما عني به مشركو العرب من عبدة الأوثان،الذين لا يجوز قبول الجزية منهم، فليس في إحدى الآيتين نفي حكم الأخرى، بل كلّ واحدة منهما محكمة فيما أُنزِلت فيه"."

ثانيًا: آية سورة القتال"محمد صلى الله عليه وسلم": (فلا تهنوا وتدعوا إلى السَّلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم) . قرأ حمزة وشعبة بكسر السين (السِّلم) ، وقوله تعالى: (فلا تهنوا) ، أي لا تضعفوا وتذلوا، ومنه قوله تعالى: (فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله) ... وقوله تعالى: (وأنتم الأعلون) جملة حاليّة، أي فلا تضعفوا عن قتال الكفار وتدعوا إلى السلم، أي تبدؤوا بطلب السلم أي الصلح والمهادنة وأنتم الأعلون. أي والحال أنّكم أنتم الأعلون أي الأقهرون والأغلبون لأعدائكم، ولأنكم ترجون من الله من النصر والثواب ما لا يرجون.

وهذا التفسير في قوله (وأنتم الأعلون) هو الصواب. وتدلّ عليه آيات من كتاب الله كقوله تعالى بعده (والله معكم) ، لأنّ من كان الله معه هو الأعلى وهو الغالب وهو القاهر المنصور الموعود بالثواب. فهو جدير بأن لا يضعف عن مقاومة الكفار ولا يبدأهم بطلب الصلح والمهادنة"."

والسّياق الذي جاءت فيه الآية، هو خطاب المؤمنين، ودعوتهم إلى مواصلة الجهاد بالنفس والمال، دون تراخ أو دعوة إلى مصالحة الكافرين، مهما كانت الظروف، وأنَّ ذلك هو الأولى والأكمل لأهل هذا الدين. ورُوي عن ابن عباس أن هذه الآية ناسخة لآية الأنفال، وقال السُّدي وابن زيد: معنى الآية: إن دعوك إلى الصّلح فأجبهم ولا نسخ فيها. قال ابن العربي: وبهذا يختلف الجواب عنه، وقد قال الله عزّ وجل: فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم) [سورة محمد: 35] فإذا كان المسلمون على عزّة وقوّة ومنعة جماعة عديدة، وشدّة شديدة فلا صلح كما قال:

فلا صلح حتى تطعن الخيل بالقنا =وتضرب بالبيض الرقاق الجماجم

"فالصحيح أنّ آية القتال هذه لا تعارض بينها وبين آية الأنفال حتى يقال إن إحداهما ناسخة للأخرى، بل هما محكمتان وكل واحدة منهما منزلة على حالٍ غير الحال التي نزلت عليها الأخرى. فالنهي في آية القتال هذه في قوله تعالى: (ولا تهنوا وتدعوا إلى السلم) إنما هو عن الابتداء بطلب السلم. والأمر بالجنوح إلى السلم في آية الأنفال محله فيما إذا ابتدأ الكفار بطلب السلم والجنوح لها، كما هو صريح قوله تعالى: (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله) الآية".

إن خلاصة الجمع بين الآيتين: أن المهادنة وعقد السلام لا يجوز إلاّ عندما يتحقق ما جاء في آيات سورة محمد صلى الله عليه وسلم، حيث قال تعالى: (إنّ الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم، فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم) [سورة محمد: 34، 35] ، فقد حدّدت هذه الآية عدم جواز بدء طلب السلم أو المهادنة، إلاّ إذا تحقق ما يريده الله: من أن المسلمين يكونون هم الأعلون، وبالتالي فإنهم لا يطلبون السلام، ولكن يمنحونه لغيرهم إذا طلب العدو، لما فيه من مصلحة الناس، من حيث تمكينهم من سماع كلمة الله حتى تقوم الحجة على الناس، فلا يكون للناس على الله حجّة بعد الرسل؛ ولهذا جاء الإسلام ووضع أحكامًا لأهل الذمّة من أجل أن يتحقق المبدأ الأساسي في الإسلام، الذي أشار إليه قوله تعالى: (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي) .

ثالثًا: آيات سورة النساء: (إلاّ الذين يصلون إلى قومٍ بينكم وبينهم ميثاق أو جاءوكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم ولو شاء الله لسلّطهم عليكم فلقاتلوكم فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلًا. ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كلّما ردّوا إلى الفتنة أركسوا فيها فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانًا مبينًا) [سورة النساء: 90 - 91] .

هاتان الآيتان دليل على إثبات الموادعة بين أهل الحرب وأهل الإسلام إذا كان في الموادعة مصلحة للمسلمين. كما مرَّ في آيتي الأنفال والقتال.

فالآية الأولى قوله تعالى: (إلاّ الذين يصلون إلى قوم .. ) الآية، فهؤلاء قوم استُثنوا من عموم الأمر السابق بالقتال، وهم الذين يجيئون إلى المصافّ، وقد حصرت صدورهم: أي ضاقت، مبغضين أن يقاتلوكم، ولا يهون عليهم أيضًا أن يقاتلوا قومهم معكم بل هم لا لكم ولا عليكم (ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم) أي من رحمته بكم أن كفّهم عنكم (فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم) أي المسالمة (فما جعل الله لكم عليهم سبيلًا) أي فليس لكم أن تقاتلوهم ما دامت حالهم كذلك، وهؤلاء كالجماعة الذين خرجوا يوم بدر من بني هاشم مع المشركين فحضروا القتال وهم كارهون كالعبّاس ونحوه، ولهذا نهى النبي يومئذٍ عن قتل العبّاس وأمر بأسره.

وأمَّا قوله تعالى: (ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم) الآية، فهذا فريق آخر في الصورة الظاهرة كمن تقدّمهم، ولكن نيّة هؤلاء غير أولئك، فإن هؤلاء قوم منافقون يظهرون للنبي صلى الله عليه وسلم ولأصحابه الإسلام ليأمنوا بذلك عندهم على دمائهم وأموالهم وذراريهم، ويصانعون الكفار في الباطن فيعبدون معهم ما يعبدون .. وحكى ابن جرير عن مجاهد أنها نزلت في قوم من أهل مكّة كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيسلمون رياء، ثم يرجعون إلى قريش فيرتكسون في الأوثان، يبتغون بذلك أن يأمنوا ههنا وههنا، فأمر بقتلهم إن لم يعتزلوا ويصلحوا، ولهذا قال: (فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم) المهادنة والصلح، (ويكفوا أيديهم) أي عن القتال (فخذوهم) أُسراء، (واقتلوهم حيث ثقفتموهم) أي أين لقيتموهم (وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانًا مبينًا) أي بينًا واضحًا .

رابعًا: قول الله تعالى: (براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين .. ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت