فهرس الكتاب

الصفحة 1240 من 3028

لقد أصبحت قضية ما يسمى بـ"الآخر"تشغل حيّزًا واضحًا في الأطروحات الثقافية في الآونة الأخيرة، لا سيما في مجال مواجهة التصور الإسلامي ونقده، حيث توجه تهمة رئيسة الآن إلى التصور والفكر الإسلامي بأنه لا يعترف بـ"الآخر"، ولا يفقه التعامل معه، بل لا يضع قضية"الآخر"برمتها في الحسبان، ويُرمى بهذه التهمة من قِبَل رموز العلمانية على امتداد ساحة العالم العربي الفكرية، كما تُبنى على هذه التهمة اتهامات فرعية تتعلق بدعوى ضيق الأفق والانغلاق والتعصب وما شابه ذلك، وتقترن بهذه القضية أو هذا الطرح مسائل أخرى، أصبحت مشهورة ثقافيًا في الفترة الأخيرة؛ كقضية التعددية والتفاعل الفكري الحضاري وتجنب الحديث عن الغزو الفكري والثقافي، باعتبار أن كل هذه المسائل تعالج قضية"الآخر"وتحلها. وفي الوقت نفسه ينشغل بعض المثقفين الإسلاميين بالرد على الأطروحات الدائرة في فلك قضية"الآخر"، بتوضيح انفتاحية الإسلام وقدرته على التواصل الحضاري وسماحته الدينية وعدم تبنيه مفاهيم ضيقة حول الهوية والذات.

فما المقصود بـ"الآخر"؟ ومن"الآخر"؟ ومن وراء هذا المصطلح؟ ولصالح من تروج مثل هذه المصطلحات والعبارات؟

هل"الآخر"هو الغرب بنزعاته من صليبية إلى استعمارية جديدة وقديمة إلى صهيونية وعلمانية، أم هو غير المسلمين في خارج وداخل البلدان الإسلامية ومعهم النخب اللادينية، أم هو اليهودية العالمية والإسرائيلية؟ وهل هذا"الآخر"أفراد ودول، أم أفكار ومذاهب وفلسفات، أم حركات سياسية واجتماعية ودولية، أم تيارات اقتصادية ومادية كبرى؟

إن هذا المصطلح من المصطلحات الغامضة الحمّالة لمعانٍ مختلفة، ولعل ذلك مقصود ممن هم وراء طرحه وإثارته، ولذلك لا بد من تحرير هذا المصطلح وكشف أبعاده؛ ليتعرى الملبسون المضللون الذين يعنون ما يقولون، وليحذر الذين غرر بهم بتبني هذا المصطلح من بعض أهل العلم والدعوة.

أيها المسلمون، إن المقصود بـ"الآخر"في طرح هؤلاء هو الكافر بجميع أطيافه وأشكاله وألوانه، فهؤلاء عندما تحرجوا أن يستخدموا الألفاظ الشرعية استعاضوا عنها بهذا المصطلح، والواقع أنه ليس هناك"نحن"و"الآخر"، وإنما هناك المسلمون والكافرون، قال الله تعالى: هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْل [الأنبياء:78] ، وقال تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِن [التغابن:2] ، وقال تعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظالِمِينَ مِنْ أَنصَار [المائدة:72] . والآيات في ذكر الكفر والكافرين كثيرة جدًا، جاء ذكرها في ما يزيد على 352 موضعًا، فلماذا التحرج من كلام الله عز وجل الذي هو أحسن الحديث وأصدقه وأفصحه، وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ قِيلًا [النساء:122] ، وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ حَدِيثًا [النساء:87] . إن من يتحرج من كلام الله عز وجل وتسمياته ويرتاح لكلام البشر ومصطلحاتهم ومسمياتهم يخشى عليه أن يكون تحت طائلة قوله تعالى: وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُون [الزمر:45] .

أيها المسلمون، إن مصطلح"المؤمنين"و"الذين آمنوا"ورد في القرآن أكثر من 450 مرة، و"الكفر"و"الكافرين"و"الكفّار"و"الذين كفروا"وردت في القرآن أكثر من 400 مرة، و"المشركين"و"الذين أشركوا"وردت في القرآن أكثر من 200 مرة، و"المنافقين"و"الذين نافقوا"وردت في القرآن أكثر 50 مرة، و"الآخر"و"الآخرون"لم نجد لها ذِكرًا في كتاب الله.

ولو أن الأمر في استبدال"الآخر"بـ"الكافر"توقف عند الاستبدال اللفظي لكان الأمر أهون، مع مخالفته لكلام الله عز وجل، ولكن الخطورة في هذا الاستبدال يتجاوز اللفظ إلى الهزيمة النفسية أمام"الآخر"الكافر؛ وذلك بالدعوة إلى عدم الكراهية له، وإخفاء ظلمه وعدوانه وإرهابه، وكأنه مظلوم قد سلبت حقوقه! ويشعر السامع من الذين يطرحون مصطلح"الآخر"بأنهم يعيشون تحت ظرف سياسي داخلي أو خارجي صوّر لهم"الآخر"وكأنه مظلوم يريد من ينصره ممن ظلمه! واعتمدوا في ذلك على نصوص في الكتاب والسنة تدعو إلى التسامح والبر والقسط مع الكفار، وحرّفوها عن معانيها، وفصلوها عن مناسباتها التي نزلت فيها، ونسوا أو تناسوا الآيات التي فيها وجوب عداوة الكافر والبراءة منه وجهاده حتى يكون الدين كله لله. إنه تحريف في ثوابت الدين وأصوله.

أيها المسلمون، إن البراءة من الكافر في الإسلام تعني بغضه وبغض ما هو عليه من الكفر وعداوته، هذا إذا كان مسالمًا، أما إذا كان حربيًا فإنه يضاف إلى المعاني السابقة جهاده وقتاله ورد عدوانه وإزاحته من طريق الحق والتوحيد، ليصل الحق إلى قلوب الناس، ويفرض سلطان الإسلام ودولته عليهم.

إن المسلم حينما يسمع مثل هذه التعاريف والمواقف المتخاذلة ليخرج بنتيجة واحدة مفادها المطالبة بعدم كراهية الكافر، وأن نحترمه ونحافظ على حقوقه، ونشفق عليه، وكأنه هو المظلوم المسلوب الحقوق! فهلا يعلم قومنا ما فعله الكافر"الآخر"ـ وبخاصة أهل الكتاب ـ في المسلمين في القديم والحديث؛ ليعلموا من المعتدي ومن المعتدى عليه.

إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين هم الذين ألّبوا المشركين على الجماعة المسلمة في المدينة، وكانوا لهم درعًا وردءًا. إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين هم الذين شنوا الحروب الصليبية خلال مائتي عام، وهم الذين ارتكبوا فظائع الأندلس، وهم الذين شردوا المسلمين في فلسطين، وأحلوا اليهود محلهم متعاونين في هذا مع الإلحاد والمادية. إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين هم الذين يشردون المسلمين الآن في كل مكان، في الحبشة والصومال وأرتيريا، ويتعاونون في هذا التشريد مع الإلحاد والمادية والوثنية في يوغسلافيا والصين وتركستان والهند. إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين هم الذين قتلوا أهلنا ونساءنا وأطفالنا في أفغانستان والعراق، ثم يظهر بيننا من يظن أنه يمكن أن يقوم بيننا وبين أهل الكتاب هؤلاء ولاء وتناصر، ندفع به الإلحاد والإرهاب. إن هؤلاء لا يتدبرون القرآن الكريم، وإلاّ لما اختلطت عليهم دعوة السماحة التي هي طابع الإسلام بدعوة الولاء الذي يحذر منه القرآن.

إن هؤلاء الذين يحترقون اليوم على"الآخر"نسألهم بكل صراحة: أليس"الآخر"هو الذي أجرى دماء المسلمين في فلسطين وفي العراق وأفغانستان وسائر بلاد المسلمين؟! أليس هو القوة المسيطرة التي تحكم في الأرض بموازينها المضطربة وشعاراتها المزخرفة ومكاييلها المتعددة؟! يحقُّ لنا أن نتساءل: لماذا هذا الحرص على"الآخر"و"الآخر"ليس بحاجة إلى حرصنا عليه ولا هو حريص علينا؟! ولماذا تُثار هذه القضية و"الآخر"يدير المجازر في ديارنا غير عابئ بأحد؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت