فهرس الكتاب

الصفحة 1241 من 3028

وباستعراض تاريخنا ـ وخاصة في العصر الحديث الذي نعيشه ـ لا نجد أنَّ"الآخر"وجد عدالة وحياة أفضل مما وجدها بين المسلمين. لقد عاش النصارى في معظم أقطار العالم الإسلامي حياة مطمئنّة كريمة إلا في فترات قليلة من تاريخنا الإسلامي، فالنصارى واليهود لم يُظْلموا في المجتمعات الإسلامية، ولكن يعاقبون بمقدار ما يُكْشَف من تعاونهم مع أعداء الأمة، حين يتلقّون منهم التوجيه ويعملون حسب المخطط الذي يرسمونه لهم. فهؤلاء الذين يطالبون أن نُقْسِط مع"الآخر"وأن نعترف به نسألهم: لِمَ لَمْ يكن الأمر على عكس ذلك؛ بأن يُقسِط"الآخر"معنا ويعدل معنا؟! فهو الظالم المعتدي المنكِر لحقوقنا. والذين قالوا:"يجب أن ننفتح عليه"هل هناك انفتاح أكثر مما نحن فيه؟! فُتِحَتْ له القلوب والديار. إنَّ"الآخر"بجميع صوره وأشكاله لم يجد في تاريخه أرحم ولا أعدل من الإسلام.

أيها المسلمون، إننا بحاجة إلى أن نضبط فكرنا ونهجنا بقواعد الإيمان وحقائق الإسلام ونور الكتاب والسنّة، وفيه كلُّ ما يعين ويُنير الدرب والطريق. يجب أن لاّ يدفعنا الإحباط والهوان إلى أن نتلمس النجاة عند"الآخر". إنَّ سبيل النجاة بيّنه الله لنا وفصَّله، ليبتدئ من ذاتنا حين نتجه إلى الله ونغيِّر ما بأنفسنا، ولننطلق على صراط مستقيم. إنَّ الإسلام وحده مصطلحًا ومعنىً ونهجًا هو الذي يُعلّمنا كيف نحترم أنفسنا، وكيف نقسط مع أهل الأرض كلّها، وكيف نتعامل مع شعوب الأرض، نحمل رسالة الله، نبلّغهم إياها، ونتعهّدهم عليها، بها نُخاصِم، وبها نرضى، وبها نتعاون.

أيها المسلمون، كيف يأمرنا الله أن ندعو هؤلاء من أهل الكتاب وغيرهم؟ وكيف تكون العلاقة معهم؟ فلنستمع إلى آيات الله البيّنات، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إثْمًا عَظِيما [النساء:47، 48] .

إنَّ أوّل ما نفهمه من هذه الآية الكريمة هو أنَّ الدعوة إلى الإيمان والتوحيد دعوة واضحة جادّة صريحة، دعوة إلى التخلّي عن الشرك. إنَّ المواربة في هذا الأمر أو المداهنة أو المساومة ليست أسلوبًا يدعو له الإسلام أو يرضى به الله. إنَّ الله يريد أن تكون دعوته واضحة جليّة، وأن نُبلّغها كما أُنزلت على محمد . فليست الدعوة إذًا إلى التقارب مع"الآخر"، فأيّ تقارب بين التوحيد والشرك؟! إنَّ قوة أهل الكتاب اليوم وسلطانهم الممتدّ يضغط على بعض المسلمين وعلى فكرهم، فتختلط الأمور تحت تأثير هذا الضغط. لا بدَّ أن نؤكِّد أنَّ أساس العلاقات هو الدعوة إلى الإسلام، وأن تكون الدعوة واضحة جليّة، لا تَدَعْ لأحد عذرًا يدّعي معه أنه لم يستوعب الدعوة، ويجب أن تكون الدعوة عامة على جميع المستويات، كما أنزلت من عند الله.

أيها المسلمون، والآن: من أين بدأت قضية"الآخر"؟ ومن المروّج والمستفيد من هذا المصطلح؟

إن فكرة وجود الطرف"الآخر"ابتداءً هي فكرة دخيلة على المسلمين، فالطرف"الآخر"أو الرأي الآخر أو وجهة النظر الأخرى أو كل ما يتعلق بـ"الآخر"هي فكرة أقحمها الغرب إقحامًا على النسيج الفكري الذي انعقدت عليه عقول أمة الإسلام؛ فأمة الإسلام منذ اللحظة الأولى كانت أمة واحدة، رأيًا واحدًا، وجهة نظر واحدة، عقيدةً واحدةً، مسلكًا واحدًا، قائدًا واحدًا، شرعًا واحدًا، ربًا واحدًا، نبيًا واحدًا، وقد مكثت الأمة على ذلك قرابة 13 قرنًا، ولم تعرف هذا"الآخر"المزعوم، ثم عاث الغرب فسادًا في عقل الأمة، فأفسد عليها كل ما طالته يده، أفسد عليها فكرها الصافي، وعقيدتها الدافئة الغضة الحلوة، وشرعها النظيف البهيّ الجميل، وتماسكها الصلب الصخري، وتحت عناوين"قبول الآخر"و"إقناع الآخر"و"التعامل مع الآخر"، تحت هذه المسميات وغيرها كثير تمثلت غزوة فكرية حاقدة شرسة من الكافر المستعمر، فأوهموا الناس أن هناك"آخر"، وأنهم يجب أن يقبلوه، وأنهم يجب أن يحاوروه، وللأسف انطلت الخدعة على بعض الأمة، وكان هذا"الآخر"هو عينه الكافر المستعمر، ذلك المسخ الذي غرس أنيابه في عنق الأمة ليمتص دماءها الزكيّة، وقد أعجبته هذه الدماء فراح يعمل ليوقف قلبها عن النبض، وصار الناس يفكرون في"الآخر"وإرضائه، بينما ليس هناك"آخر"مطلقًا، إنما هي أكذوبة أنتجتها عقول الغرب الممسوخة، فما"الآخر"إلا العدو، فلا"آخر"في الإسلام، ولا"آخر"في شريعة الله.

وحين أراد الغرب أن يبطل احتكامنا إلى نصوص الشريعة أراد أن يجد له أسلوبًا يدخل فيه إلى الأمة، فكان مما دعا إليه فكرة وجود"الآخر"، ووجوب تقبله واحترامه والإصغاء إليه!. وقد حاول أن يدلّس الغرب وأذنابه من عملاء الفكر ومروجي حضارته العفنة، حاولوا أن يدلّسوا على أبناء الأمة، فصاروا يستشهدون بالنقاشات والحوارات والمجادلات التي دارت بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبين خصومه من كفار مكة أو يهود المدينة أو منافقيها. ورغم أن الناظر في تلك المناقشات والمجادلات والحوارات يجد أنها كلها تتسم بصفات مشتركة أهمها المفاصلة ورفض كل شيء غير الإسلام وعدم قبول قواعد الكفار في الحكم ورفض طريقتهم في التفكير، وبالتالي إنكار أي شيء موجود يسمى"آخر"، فلا يصح أن يوجد إلا الإسلام، رغم ذلك نجد أن هذا التدليس قد انطلى على بعض أبناء أمتنا، فراحوا يحترمون"الآخر"حتى وصل الأمر ببعضهم إلى مرحلة التقديس!

ولعله من المناسب سوق أمثلة على مدى خطورة اعتبار وجود"الآخر"والاستكانة لوجوده، فأول مثال أسوقه هو اتحاد بعض الجماعات الإسلامية مع النصارى الأقباط في قوائمهم الانتخابية؛ من أجل أن يبرهنوا على عدم تطرفهم الفكري، وأنهم أناس ناضجون متحضرون على حد فهمهم للحضارة، وأنهم يتقبلون"الآخر". ويتكرر الأمر في بلد مسلم آخر تسيل دماؤه مما يفعله به الاحتلال الجاثم على صدره، فتتحد جهة إسلاميةٌ هناك مع النصارى في قوائمهم الانتخابية؛ من أجل دخول مجالس أسموها"مجالس تشريعية"، ليسنوا القوانين والدستور، ويحموا حمى الإسلام العظيم من خلال فوزهم بانتخابات مجالس تحت حراب الاحتلال!

وليت الأمر يقتصر على ذلك، فالغرب الكافر لما خرج علينا بأكذوبة"الآخر"كان يقصد بها معاشرة الفكر الغربي للفكر الإسلامي؛ لينتج عنهما وليد جديد ممسوخ الوجه دميم الخِلقة، وليدٌ لا هو غربي صرف، ولا هو إسلامي صرف، هو مزيج من تلاقح الحضارات وتلاقي الأفكار وحوار الثقافات زعموا، فكرٌ يساوي بين الإسلام من جهة وبين النصرانية واليهودية من جهة أخرى، فلا هيمنة لكتاب الله على ما قبله، بل كل الأديان سماوية، إذًا كلها سواء!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت