فهرس الكتاب

الصفحة 1242 من 3028

ويزيد الأمر وبالًا على وبال، حتى صار الغرب الكافر اليوم هو وأذنابه يرفضون"الآخر". نعم، هم أوجدوا فكرة"الآخر"المزعومة وهم اليوم ينكرون هذه الفكرة، إذ صاروا ينظرون إلى فكر الغرب المسموم على أنه وحده الموجود، وما دونه إنما هي هرطقات يجب القضاء عليها، فلا"آخر"أمام الديمقراطية، وكل من يعادي الديمقراطية يجب القضاء عليه؛ لأنه لا يصح أن يكون هناك"آخر"في ظل وجود الديمقراطية، وتحت مسميات الحرب على الإرهاب، والقضاء على التطرف الأيديولوجي صار الغرب يحارب فكرة"الآخر"، فلا"آخر"مع الديمقراطية عندهم، فهل يعقل أصحابنا هذا؟! وهل أدركوا اللعبة؟!

اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. أقول ما قلت، فإن كان صوابًا فمن الله وحده، وإن كان غير ذلك فمن نفسي ومن الشيطان، والله ورسوله منه بريئان، وأستغفر الله إنه كان غفارًا.

الخطبة الثانية

أما بعد: أيها المسلمون، إن أمّتنا تعيش مرحلةً جديدة في تاريخها، في هذه المرحلة الحرجة تقع أمّتُنا وعقائدُها تحت ضغوط رهيبة، تكاد تجتثّها من أساسها لولا قوّةُ دينها وتأييدُ ربّها عز وجل.

ومن هذه العقائد التي وُجّهت إليها سهامُ الأعداء وانجرَّ وراءهم بعضُ البُسطاء واندفع خلفهم غُلاةٌ وجُفاة وبالغ في تصويرها محبو الشهرة والبروز عقيدةُ الولاء والبراء.

زاد الأمر خطورةً عندما غلا بعضُ المسلمين في هذا المعتقد إفراطًا أو تفريطًا، وأصبح هذا المعتقدُ مَحَلَّ اتّهام، وأُلْصِقَتْ به كثيرٌ من الفظائع والاعتداءات.

نحن المسلمين أصحابُ دين ومنهج، ربنا وخالقنا هو الله، ونبينا وقدوتنا محمد . نحن المسلمين أصحاب عقيدة صافية تدكدك كل معلم أو إشارة تنبئ عن الميول والروغان عنها. نحن المسلمين لا ينقطع بنا الدرب، ولا يفوتنا الركب، ولا تنهار بنا القوى، ولا تيبس لدينا أوراق الهدى. نحن المسلمين أنصار الدعوة إلى السنة والعقيدة الصحيحة مهما علا صوت الباطل، ومهما ظهرت نواقيس العداء. نحن المسلمين خرج منا علماء ربانيون، أناروا طريق السالكين، وأرشدوا كل التائهين، وهدوا كل الحائرين، وتميز في صفنا علماء جهابذة في العلوم الطبيعية والعلوم التقنية وفي العلوم الأخرى. نحن المسلمين رزقنا الله بالتوحيد الخالص الذي نوّر الله به كلّ أفقٍ وبقعة في هذه الديار، فازدهرت الأرض به بعد قحْط، وارتوت به بعد ظمأٍ وهلكة، وأنقذ الله به عباده من ظلمات الجهل والشرك والتذلل لغيره سبحانه. نحن المسلمين أصحاب لا إله إلا الله، نرجو بها السعادة والفلاح في الدنيا والآخرة. نحن المسلمين لا يخفى علينا أن الولاء والبراء محطّ إجماع بين جميع أهل القبلة، بل هو معتقدٌ لا يخلو منه أتباعُ كل دين أو مذهب، وعلى هذا فالولاء شرعًا هو: حُبُّ الله تعالى ورسوله ودين الإسلام وأتباعِه المسلمين، ونُصْرةُ الله تعالى ورسولِه ودينِ الإسلام وأتباعِه المسلمين، والبراء هو: بُغْضُ الطواغيت التي تُعبَدُ من دون الله تعالى، من الأصنام الماديّة والمعنويّة كالأهواء والآراء، وبُغْضُ الكفر بجميع ملله وأتباعِه الكافرين، ومعاداة ذلك كُلِّه. هذا هو معنى الولاء والبراء في الإسلام، فهو معتقدٌ قلبيٌّ، لا بُدّ من ظهور أثره على الجوارح كباقي العقائد التي لا يصح تصوُّر استقرارها في القلب دون أن تظهر على جوارح مُعتقِدِه، وعلى قَدْر قوّة استقرارها في القلب وثبوتها تزداد دلائل ذلك في أفعال العبد الظاهرة، وعلى قَدْرِ ضعف استقرارها تنقص دلائلها في أفعال العبد الظاهرة. فإذا زال هذا المعتقد من القلب بالكلية زال معه الإيمانُ كُلّه.

أيها المسلمون، إن الولاء والبراء مع أنه مطلب شرعي عقدي إلا أنه أيضًا مطلب فطري وعقلي، فلا نجد جنسًا من الأجناس يرتبطون برابط من الروابط إلا وتظهر عليهم هذه الصفة، حيث يوالون بني جنسهم ويعادون من يعاديهم، حتى في عالم الحيوان والطير، والكفار أنفسهم ينطلقون في ولائهم وبرائهم من هذا المنطلق، وقد أعلنها طاغوتهم حينما قال:"من لم يكن معنا فهو ضدنا". هذا هو ولاء الكفار وبراؤهم، لكن المسلمين يتميزون عن جميع الأجناس بأن عقيدة الولاء والبراء تنطلق من كلمة التوحيد، فمن كان من أهلها فهو ممن يحبه الله تعالى، فنحب من يحبه الله عز وجل، ومن كفر بها أبغضه الله وأصبح عدوًا لله، فحينئذ نبغضه لأن الله يبغضه، أما بقية الأجناس الأخرى كالحيوان والكفار وأصحاب الروابط الجاهلية من بني آدم فهم يوالون ويعادون على الماء والتراب والمرعى والمصالح الدنيوية، والمسلمون يوالون ويعادون في الله تعالى. وهذا هو ما يزعج الكفرة والمنافقين، حيث يريدونها روابط جاهليه عصبية لا دخل للدين فيها.

أيها المسلمون، الكفار"الآخرون"هم أعداؤنا قديمًا وحديثًا، سواء كانوا كفارًا أصليين كاليهود والنصارى أو مرتدين، قال الله تعالى: لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاة [آل عمران:28] . فهذه حقيقة ثابتة لا تتغير ولا تتبدل؛ وهي أن"الآخرين"الكفار دائمًا وأبدًا هم أعداؤنا وخصومنا، كما قرر ذلك سبحانه فقال عنهم: لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلا ذِمَّة [التوبة:10] ، وقال تعالى: مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُم [البقرة:105] . ولكي يطمئن قلبك فانظر إلى التاريخ في القديم والحديث، وما فعله"الآخر"في الماضي، وما يفعلونه في هذه الأيام، وما قد يفعلونه مستقبلًا.

فيجب على الدعاة إلى الله تعالى أن يحققوا هذا الأصل في أنفسهم اعتقادًا وقولًا وعملًا، وأن تقدم البرامج الجادة للمدعوِّين من أجل تحقيق عقيدة الولاء والبراء ولوازمهما، وذلك من خلال ربط الأمة بكتاب الله تعالى والسيرة النبوية وقراءة كتب التاريخ واستعراض تاريخ الصراع بين أهل الإيمان والكفر القديم والحديث والكشف عن مكائد الأعداء ومكرهم المنظم في سبيل القضاء على هذه الأمة ودينها والقيام بأنشطة عملية في سبيل تحقيق الولاء والبراء؛ كالإنفاق في سبيل الله والتواصل واللقاء مع الدعاة من أهل السنة في مختلف الأماكن ومتابعة أخبارهم ونحو ذلك.

وهكذا يقف المسلمون على أرض صلبة، مسندين ظهورهم إلى ركن شديد، مقتنعين بأنهم يخوضون المعركة لله، ليس لأنفسهم ولا لذواتهم ولا لقومهم ولا لجنسهم ولا لقرابتهم وعشيرتهم، إنما هي لله وحده ولدينه وشريعته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت