فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 3028

وكيف يكون مساعدًا في إخراج الأمَّة من كبوتها ، أو قل مبصرًا لها بما هي مقدمة عليه ، وإنقاذها من الوقوع في أوحال الانزلاق

فلهذا كانت هذه المقالة استمرارًا في البحث عن حلول مفيدة ، لعلَّ الله يكتب لها القبول ، إنَّه خير مأمول .

* الدور المأمول ، والأمل المنشود:

لقد قال مرَّة الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى: ( المثقفون اليوم هم جنرالات المعركة المقبلة وقادتها ومحددو نتائجها ، لقد بات عليهم من الآن فصاعدًا القيام بدور محوري في معركة الدفاع عن الأمة وحضارتها) .

وحديثه في محلَّه ـ بغض النظر عن سياق الكلام ـ فإنَّه إن لم يكن للمثقف المسلم وخصوصًا في هذه الحقبة الزمنيَّة دور فعَّال وأكيد في القيام بمهامِّه ومسئولياته = فإنَّ ثقافته وعلمه لن تفيد الواقع البشري ، بل قصارى ما يمكن أن يقال بأنَّه زادت نسخة ثقافيَّة جديدة في البلد ليس إلاَّ !

وقبل البدء بعرض ما في جعبتي من الدور المأمول للمثقف السلم ، فإنِّي أنبِّه على قضية ذات أهميَّة للمثقف نفسه ، وهي أوَّل دور ينبغي أن يعتني به ، وذلك بإصلاح ذاته ، والقيام بالعبوديَّة لله ، والالتجاء لركنه الركين ، والتقرب منه بأنواع العبوديَّة ، فكثير من المثقفين ـ يغفر الله لي ولهم ـ مفرِّط في حقوق الله تعالى، أو على الأقل نصيبهم من العبادة ضعيف ، مع أنَّهم قدوة يقتدي الناس بفعالهم ، وأقوالهم وحركاتهم .

* دور المثقف تجاه الأمَّة وقضاياها:

من أولويات المثقف في القيام بدوره الريادي والقيادي تجاه أمَّته ما يلي:

ـ تبصير الأمَّة بالحقوق والواجبات ، وتسليحها بالعلم والمعرفة ، ونشر الثقافة الإسلاميَّة بين المسلمين ، والدعوة إليها ، وتوعيتهم بما يجهلونه منها ؛ فإنَّ أمَّة تعيش على الاهتراء الثقافي ، والنسيان أو التناسي لعلمها وقيمها فضلًا عن التنكر لذلك ، مصيرها محتوم بالفشل وتكون بذلك قد حجزت لنفسها مقعدًا بين الأمم المتخلفة وابتعدت عمّا من شأنه أن يرقى بفكرها وثقافتها.

ـ أن يكون له وقع وأثر فعَّال في إدارة الأزمة التي تمرَّ بها الأمَّة الإسلاميَّة ، ومن أروع ما قاله"جيري سيكيتش"في كتابه: ( كافة المخاطر) عن تخطيط إدارة الأزمات:"لا تختبر أي إدارة اختبارًا جيدًا إلا في مواقف الأزمات".

فالرجل المثقف يستشعر وجوده في مجتمع الأزمة ، ويحاول قدر المستطاع ، أن يبذل قصارى جهده لبث الروح الفعَّالة ، وصدق طرفة بن العبد حين قال:

فإن قِيل مَن فتى خِلتُ أنني *** عُنيتُ فلم أكسل ولم أتبلدِ

والمثقف لا يكل ولا يمل في محاولة بذر روح الأمل والعمل في قلوب الأمَّة ، ورفع المعنويات للجماهير المسلمة ، التي أصيب بعضها بروح اليأس والقنوط.

ـ الوقوف بجانب الحق ، ومقاومة الظلم ، ومصاولة الباطل ، وإذا كان المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي يرى أنَّ المثقف هو من يحمل الحقيقة في وجه القوَّة ، فإنَّ دين الإسلام أتى بمفهوم عجيب لنصرة الظالم والمظلوم ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"انصر أخاك ظالما أو مظلوما"فقال رجل: أنصره إذا كان مظلوما أفرأيت إذا كان ظالما كيف أنصره؟ قال"تحجزه أو تمنعه من الظلم فإنّ ذلك نصره"أخرجه البخاري .

فالمثقف له دوره الفعَّال في نصرة الحق ، والمجاهرة بقوله ، ولو على حساب نفسه ، ومن العجب أن يكون أصحاب الباطل جريئين في قول باطلهم ، وأهل الحق ضعفاء بالجهر بحقِّهم ، فعلى المثقف أن يحترم ذاته وعلمه ولا يسمح بأن يكون أداة مؤجرة مهما كان الثمن ، ولله درّ من قال:

قد رشحوك لأمر لو فطنت له فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل

وضرورة أكيدة للمثقف بأن يضحي لنشر أفكاره بالغالي والنفيس ، وليس على الترزق والأكل والشرب بأفكاره ، أو أن تكون أفكاره موادًا يتاجر بها فحسب .

وإذا أصبح المفكر بوقا يستوي الفكر عنده والحذاء

إنَّ المثقف هو قلب الأمَّة النابض ، وهو الذي يشعر بهموم الأمة ، ولا بدَّ أن يكون له موقف أخلاقي نابع من دينه تجاه ما يحدث فيكسب رضا الله ورضا الناس ويمنح التخليد في التاريخ ، وتعجبني كلمة قالها المفكر الإسلامي محمد الأحمري حين قال مرة في إحدى مجالسه: المعرفة والموقف يرفعان أقدار الرجال ... وصدق لله درًّه !

ـ المثقف يواجه عواطف الجماهير بروح عمليَّة حركيَّة وخصوصًا أنَّ العاطفة تكون سيدة الموقف في كثير من القضايا ، فهو في خطاباته لا يشحن العواطف ويحركها فحسب ، بل إنَّه يواجهها بعقلانيَّة وعمل مثمر بنَّاء ، وتسخير للطاقات في خدمة هذا الدين .

وعليه فإنَّ من المهم أن يكون المثقف لديه وعي اجتماعي ويتبعه دور اجتماعي، يصلح به الواقع المعاش، ودنيا الناس ، ولا بأس ... فليكن مثقفًا ورجلًا شعبيًا في الوقت نفسه .

لهذا نجد أنَّ كفَّار قريش استغربوا كيف أنَّه ـ عليه الصلاة والسلام ـ يعاشر الناس ويخالطهم في منتدياتهم وأسواقهم ، حيث كان رجل عامَّة مع أنَّه الرسول الذي يوحى له من قِبَلِ الله ـ سبحانه وتعالى ـ وكفى به من شرف ، ومع هذا فكان قريبًا من الناس ، ممَّا دعى كفار قريش لأن يقولوا كما أخبر تعالى عنهم: (وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق) !

فالمثقف هو من يكون جامعًا بين نفع نفسه ونفع الناس ، مع علم وفكر ومعرفة، فهو كما يقول محمد إقبال:

نيِّر الفكر يقود العملا *** مثل رعد بعد برق جلجلا

والحقيقة أنَّ بعض الناس يظنُّ أنَّ المثقف يقتصر دوره على الكتابة أو الاستقاء الثقافي ، لذا صار كثير من المثقفين يعيشون في صومعة فكرية ، ودورهم في المجتمع ضامر ولا يظهر إلا من خلال كتاب أو مقالة أو رسالة فحسب ، ولا ريب أنَّ هذا خلل في المفهوم ، فالمثقف إن كان قصده المعرفة والثقافة فحسب ، فإنَّه لن يكون له دور إصلاحي ريادي في المجتمع وهو ما نسعى له !

ـ من واجبات المثقف أن يجيب على تساؤلات الناس ، ويعالج مشكلاتهم ، فلا يكون كالكثير ممَّن يطرحون الإشكاليات التي يعجَّ بها العالم الإسلامي ، ولا يعطون لها حلًا ، أو يفكرون بطرق عملية تفيد السائل ، وتثري المجتمع ، وفي الحقيقة فإنَّ كثيرًا من المثقفين يعيشون في أزمة وتكمن في إثارة الإشكاليات الثقافيَّة أحيانًا في وجوه المخاطبين ، دون تبيين حلول لتلك الإشكاليات، لذا وصف كثير من المثقفين بأنَّهم يعيشون في واد والناس يعيشون في واد آخر.

لكن ما نرجوه أن يكون المثقف كالطبيب الذي يعالج مشكلات الجسم ، وهو يعالج مشكلات الروح والمجتمع ، فضلًا عن تعزيزه لذوات الناس والمجتمعات ، وزرع روح التكافل والتضامن الروحي والاجتماعي فيما بينهم .

فهو كما قيل:"شخص همه أن يحدد ويحلل ويعمل من خلال ذلك على المساهمة في تجاوز العوائق التي تقف أمام بلوغ نظام اجتماعي أفضل ، نظام أكثر إنسانية و أكثر عقلانية"انظر: محمد عابد الجابري: المثقفون في الحضارة العربية، مركز دراسات الوحدة العربية ، ص 25.

ولا يعني ذلك أنَّ المثقف يجب عليه أن يجيب على كلِّ سؤال ، حتى يوصم بأنَّ لديه شهوة الكلام والجواب والخطاب ، وهو بهذا يظنُّ أنه يريد أن يحقق الموسوعية وهذه مشكلة قد يضر من خلالها أكثر ممَّا ينفع ، فبعضهم يريد أن يكون شيخًا وواعظًا ومفتيًا ومحللًا سياسيًا ومنظرًا اجتماعيًا وطبيبًا نفسيًا، وأتذكر بهم قول الشاعر:

رام نفعًا فضرَّ من غير قصد *** ومن البر ما يكون عقوقًا

إلاَّ أن المثقف الصادق يقول لما لا يعرفه لا أدري ويكثر من هذا القول ، ولا يتنافي هذا بأن يكون مثقفًا ألبتة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت