فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 3028

* دور المثقف حيال بناء الأمَّة الثقافي:

لابدَّ وأن يكون للمثقف دور في بناء الهيكل الثقافي للأمَّة المسلمة ، وتزويدها بكلِّ ما يرفع من كيانها وقدراتها ، ومن ذلك:

ـ ممَّا يلزم المثقف أن يكون له دور في الإصلاح الفكري والديني والاجتماعي وغيرها ، وأن يفرض رأيه بالإقناع لا بالإخضاع ، فهو ليس حاكم أو قاضي ، بل هو مبلغ وداعية وموصِّل للثقافة التي استقاها إلى شرائح المجتمع.

مع أهميَّة أن يتسع صدره لمن يخالفه ، ويعامله بالحسنى ، ويعاشره بالمعروف، ويربي الناس على أهميَّة التخلٌّق بأدب الخلاف ، والتعامل مع الناس في طروحاتهم الفكرية والثقافيَّة بأدب ، ويخبرهم بأنهم الرابح الكبير من وراء ذلك ، وصدق الله إذ يقول: ( ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا) .

ـ من الأمور المهمة للمثقف المسلم أن يبني نظامًا ثقافيًا لمن يريد أن يزداد من رصيده الثقافي ، ولو تنادى جمع من المثقفين لعقد جلسات بين أرباب الثقافة وأولو الفكر والمعرفة الذين يمتازون بالتنوع في التخصصات فيما بينهم ، مع الاتساع المعرفي ، والعمق المنهجي ، واختطوا منهجًا ثقافيًا شاملًا عامًا يجمع بين القراءة والتدبر والتحليل والتأمل والدورات والتجارب والأشرطة والمحاضرات والندوات والأفلام الوثائقية والمناهج المتغايرة المختلفة ، وحاولوا أن يضعوا للمبتدئين وكذا للمتوسطين والمتقدمين ، منهجية ثقافية شاملة ، لكان أمرًا متميزًا ، ويكون ذلك عبر خطة شمولية منهجية متكاملة في جميع العلوم والتخصصات .

وقد يقول قائل: قد يحصل هناك اختلاف ما بين الرؤى والتصورات في النظر إلى تلك المنهجية الثقافية الصاعدة ، ويكتب آخرون منهجيَّة أخرى تغاير وتخالف ، فجوابًا على ذلك: لا بأس .... فليكن مثل هذا فإنَّا نريد أن تكون قضايانا الثقافية موضع نقاش وفائدة وتبادل للخبرات والمعارف وتنوع في الفهم والتحليل وهو ما يمكن أن يطلق عليه التلاقح الثقافي ، وقد قيل: العقول ينقح بعضها بعضًا ، ولا يعني ذلك إقرار التضارب بين المناهج المرسومة لذلك ، بل هذا من قبيل اختلاف العقول المحمود ، وقد قيل: اختلاف العقول ثراء واختلاف القلوب وباء.

ـ مخاطبة كل فئة بما يناسبها من الخطاب الثقافي ، فليخاطب كبير السن ، خلاف ما يخاطب صغيره، وحين يخاطب ويتحدث إلى النخب ، غير حديثه لرجل الشارع العامي ، وهكذا ... فليعط لكل مقام مقاله الذي يخصَّه ، ويتحدث بالحديث المناسب للرجل المناسب في المكان المناسب ، اقتداء بما قاله علي بن أبي طالب: ( حدثوا الناس بما يعقلون أتحبون أن يكذَّب الله ورسوله) وبقول عائشة: ( ما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلاَّ كان لبعضهم فتنة) .

ـ تعميق الحس النقدي لدى آحاد الأمَّة ، وتربية العقول على أن تكون موضوعيَّة في التلقي والاستماع ، ودراسة القضايا بروح المنهجية لا العواطف غير المؤصَّلة.

لهذا عرَّف مجمع اللغة العربيَّة بأنَّ الثقافة: ( كل ما فيه استنارة للذهن وتهذيب للذوق ، وتنمية لملكة النقد والحكم لدى الفرد والمجتمع) مجمع اللغة العربية ، المعجم الفلسفي ، الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية ، القاهرة ، 1979 ، مادة ثقف.

فمهم وحسن أن يكون لدى المثقف دور في تنمية ملكات النقد البنَّاء لدى المجتمعات المسلمة ، وكيف تتلقَّى الأخبار وتمحِّصُها قبل أن تشيعها وتذيعها.

ـ تشجيع روح الإبداع والابتكار في قلوب الشباب اليافع ، ومحاولة الإشراف على مراكز تعتني بهم ، وترفع من قدراتهم الإبداعيَّة ، والسعي لتمويلها وتشغيلها ، وحتمًا فستنتج تلك المراكز كفاءات عالية نشيطة وذات همم وطموحات ، تفيد الأمَّة المسلمة .

ـ إشعار الناس بأهمية اللغة العربية، والتحدث والاعتزاز بها ، وأن يغرس المثقف في المسلمين حب اللغة العربية ، لأنَّها اللغة التي نزل بها القرآن فهي لغة الإسلام ، وممَّا يؤسف له أن نجد أناسًا من مفكري الإسلام ومثقفيه لم يتعلموا اللغة العربية ، بل كتبوا كتبهم بلغاتهم الخاصة بهم ، كأبي الأعلى المودودي ، ومحمد إقبال ، بل كان مالك بن نبي وهو من كبار مثقفي الإسلام ، يكتب كثيرًا من كتبه باللغة الفرنساوية !

وعلَّة ذاك الاهتمام باللغة العربية ؛ أنَّها تلاقي الآن وقبل الآن حربًا ضروسًا بلا هوادة من دعاة العامية ، أو من المستشرقين ، والمستغربين ، ولا ننسى ما كان يردده سلامة موسى وغيرهم من أذيال الغرب بالتحاكي والتلاسن باللغة العامية ، متحججين بأن اللغة العربية لا تستوعب الأشياء الحديثة ، وأنَّها لغة ضعيفة مهلهلة ، كانت تصلح لزمن حجري ، وليس لزمن النهضة.

فهم يحاولون صرف المسلمين عن لغتهم بتشجيعهم على الدخول للمدارس العالمية ، ويشجعون على أن تكون اللغة الانجليزية لصيقة بالتلميذ منذ دخوله للمدرسة ، ونجد كثيرًا من الناس يصفقون لذلك الأمر ، وهم لا يعلمون أن المسألة ينظر لها الغربيون بمنظار آخر ، وإن كان تعلم اللغات مهم ، وقد قيل: من تعلم لغة قوم أمن مكرهم .

ولنلاحظ اليهود كيف أنَّهم شجَّعوا لغتهم العبرية مع أنها كانت ميتة ، بل إنَّ اليهودي العربي لا يرطن ولا يتكلم إلاَّ بها ، فضلًا عن أنَّها هي اللغة العلمية التي يتعلم بها الطلاَّب في جامعاتهم في الأعم الأغلب.

وبما أنَّنا نتحدث عن موضوع اللغة ، فمن مهمات المثقف السعي إلى إيجاد مؤسَّسات تعنى بترجمة الكتب غير العربية ، والتي يجد بها معلومات مهمَّة تفيد عموم الشعوب العربية المسلمة ، وكذلك ترجمة ما لدى غير من المسلمين من أفكار بثوها في كتبهم ، وحرمناها في واقعنا العربي المسلم ، بسبب عدم ترجمتها !

ـ محاولة تقديم البديل الإسلامي المنضبط بقيم الإسلام وتعاليمه ، فالله تعالى يقول لمحمد ـ صلَّى الله عليه وسلم ـ: ( ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرًا) وقد كتبت في ذلك دراسة مختصرة وافيه ـ بإذن الله ـ سميتها: ( البديل الإسلامي بين الانضباط والتسيب) من الحسن الرجوع لها ، وقد نشرت على العديد من مواقع الإنترنت.

* دوره حول ثقافات الغير:

ـ تحصين الأمَّة وحمايتها من الغزو الفكري أو الثقافي الذي يراد لها من خلاله أن تنسلخ من عقيدتها وقيمها وثوابتها.

ومن القضايا التي يجب على المثقف المسلم أن ينتبه لها ما يسمَّى بأسلمة المصطلحات ، فهذه القضيَّة يريد المثقفون الليبراليون أن يمرروا من خلالها كثيرًا من المصطلحات الغربيَّة والمهترئة التي مجَّ بعضها الغرب فقذفوه لنا ، ليتلقفها الليبراليون ويبشِّروا بها ويدندنوا على أهميتها في الواقع الإسلامي .

كما أنَّ بعض الإسلاميين يحاولون أن يحققوها في الوجود الإسلامي ولكن بغير (فلترة) لما فيها أو إصلاح خللها فينتج من ذلك مفاسد في التصورات ، وعطب في المفاهيم.

ومن أروع من كتب عن ذلك محمود شاكر في كتابه (رسالة في الطريق إلى ثقافتنا) ، ومحمد قطب في كتابه (نحو تأصيل إسلامي للعلوم الاجتماعية) ، ومحمد محمد حسين في كتابه (حصوننا مهددة من داخلها) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت